طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 88

طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 88

الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 88، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

شمول حمد الله تعالى على جميع الأفعال

يشرح شمول حمد الله تعالى لكل ما يحدثه من إحسان ونعمة وامتحان وبلية، وأنه محمود على ذلك كله. يبين أن الطاعة والمعصية يمكن أن تكونا سببًا في نعم الله تعالى على العبد.

حكمة الله في خلق المعاصي والكفر

يشرح حكمة الله في خلق المعاصي والكفر، وكيف أن التوبة منها تؤدي إلى نعم عظيمة للعبد. يبين أن وجود المعاصي والكفر يخدم غرضًا أكبر وهو تمييز أهل الحق من أهل الباطل.

ختام الحديث والصلاة على النبي

يشير إلى انتهاء الحديث عن بعض الحكم، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يُظهر الختام تواضع المتحدث واعترافه بأن الله تعالى أعلم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: فصل والمقصود بيان شمول حمده تعالى وحكمته لكل ما يحدثه من إحسان ونعمة وامتحان وبلية، وما يقضيه من طاعة ومعصية، وأنه سبحانه محمود على ذلك مشكور، حمد المدحي وحمد الشكر. أما حمد المدحي فإنه محمود على كل ما خلق، إذ هو رب العالمين، والحمد لله رب العالمين. وأما حمد الشكر فلأن ذلك كله نعمة، فلأن ذلك كله نعمة في حق المؤمن إذا اقترن بواجبه. ومر معنا فيما تقدم أن الله سبحانه وتعالى يحمد على كل ما يكون من أفعاله، وما كان في مخلوقاته، فيحمد حمد مدحي وحمد شكر على الإحسان والنعمة، كما ذكر في الخير، وعلى الامتحان والبلية في غيره من الشر ونحوه، لأن ذلك بمقتضى حكمة من الله سبحانه وتعالى. وهكذا كذلك حتى في الأمور الشرعية، قد يقول: أنا مع المعصية من طاعة، فرب معصية تكون سببًا في توبة خالصة، ورب معصية كانت سببًا كذلك في إصلاح، فيعرف أن ما أصابه بسبب معصيته فيصلح، ويكون حاله أحسن مما كان منذ قبل، وهذا من حكمة الله عز وجل فيما يقضيه من خير وشر سبحانه وتعالى. وكذلك تقدم معنا أنه ليس هناك شر محض، فكل ما كان فيه شر فهو شر نسبي، وأما الشر المحض فليس موجودًا. قال رحمه الله: «والإحسان والنعمة إذا اقترنت بالشكر صارت نعمة، والامتحان والبلية إذا اقترنت بالصبر كانت نعمة، وهذا من أوجه الشكر أنه يكون معه صبر». قال: «والطاعة فمن أجل نعمه، وأما المعصية فإذا اقترنت بواجبها من التوبة والاستغفار والإنابة والذل والقبول، فقد ترتب عليها من الآثار المحمودة والغايات المطلوبة ما هو نعمة أيضًا، يعني بهذا الاعتبار كما تقدم، فالمعصية كانت سببًا في نعمة وهي التوبة والاستغفار والإنابة والذل والقبول، وعدم الاغترار بالنفس والتعالي والتباهي بالطاعة، فلا يزال العبد منكسرًا خاضعًا ذليلًا معترفًا بفقره وتقصيره، بخلاف إذا كانت أعماله كلها طاعات ليس فيها معاصي ولا أخطاء ولا سيئات، فربما دخل عليه الشيطان من باب الغرور والعجب بالنفس». قال رحمه الله: «وإن كان سببها مسخوطًا مضغوطًا للرب تعالى، يعني باعتبار أنها معصية، ولكنه يحب ما ترتب عليها من التوبة والاستغفار، ولهذا كان من أسمائه سبحانه وتعالى التواب، فكيف يكون توابًا من غير توبة، والتوبة إنما تكون من ماذا؟ من المعاصي، فلحكمة يخلق الله عز وجل المعصية». قال سبحانه: ﴿وهو سبحانه أفرح بتوبة عبده من الرجل إذا أضل راحلته بأرض دوية مهلكة عليها طعامه وشرابه فأيس منها ومن الحياة فنام ثم استيقظ فإذا بها قد تعلق خطامها في أصل شجرة فجاءها حتى أخذها﴾، والحديث في الصحيحين في قصتها. وجعل النبي صلى الله عليه وسلم هذا مثلًا في عظيم فرح الله بتوبة عبده، ومعنى أنه بهذا الاعتبار نعمة عظيمة للعبد. قال: «فهذا الفرح العظيم الذي لا يشبه شيء أحب إليه سبحانه من عدمه، وعدمه وهو عدم حصول هذه التوبة، إذن المعصية اليسيرة كانت سببًا في حصول هذه التوبة العظيمة، مثله مثل السفينة التي خرقت لأجل ماذا؟ أن تسلم، فلولا ذاك الخرق اليسير في السفينة لما سلمت السفينة، فكان عيبها سببًا في سلامتها». وكذلك الذنوب والمعاصي يبتل الإنسان بها لأجل أن لا يصيبه الغرور والكبر، فيكون سببًا في حرمانه ما هو عليه من إيمان. قال رحمه الله تعالى: «قال وله أسباب ولوازم لا بد منها، وما يحصل بتقدير عدمه من الطاعات، وإن كان محبوبًا له، فهذا الفرح أحب إليه بكثير، ووجوده بدون لازمه ممتنع، فله من الحكمة بتقدير أسبابه وموجباته حكمة بالغة ونعمة سابغة». فالله عز وجل خلق الخير وما سواه بحكمة وفضل، فالطاعات محبوبة له والمعاصي مضغوطة مسخوطة كما تقدم، ولكن لما يترتب عليها بعدها صارت ماذا؟ فيها حكمة، فما يترتب عليها أحب عند الله سبحانه وتعالى من الطاعات، لما فيه من الصدق والإقبال عليه سبحانه، وكذلك الاستقامة والصلاح. ولهذا يتجدد عند التائب من الإيمان والإقبال والإخبات والقضوع والذل والانكسار ما ليس عنده قبل توبته، وهو في الطاعات، فصارت المعصية ماذا؟ سببًا لزيادة إيمانه، وليست لحد ذاتها محبوبة. قال رحمه الله: «هذا بالإضافة إلى الرب جل جلاله، وأما بالإضافة إلى العبد فإنه قد يكون كمال عبوديته وقضوعه موقوفًا على أسباب لا يحصل بدونها، يعني بدون الذنب والتوبة منه». قال: «فتقدير الذنب عليه إذا اتصل به التوبة والإنابة والقضوع والذل والانكسار ودوام الافتقار، كان من النعم باعتبار غايته وما يعقبه، وإن كان من الابتلاء والامتحان باعتبار صورته ونفسه، أي باعتبار أنه معصية امتحان وابتلاء، وباعتبار ما يكون بعده من التوبة والانكسار والإنابة والقضوع والذل والافتقار، فهذا كله نعمة». قال رحمه الله تعالى: «والرب تعالى محمود على الأمرين، يعني الطاعة والمعصية، ولكن المعصية لا لذاتها وإنما ماذا؟ لآثارها بعدها». قال رحمه الله تعالى: «فإن اتصل بالذنب الآثار المحبوبة للرب سبحانه من التوبة والإنابة والذل والانكسار، فهو عين مصلحة العبد، والاعتبار بكمال النهاية لا بنفس البداية، هذا هو الشر أن يتصل بها من معاني العبودية ما يصلح العبد». وأما إذا استمر في المعصية فهو لا يزال مسخوطًا مضغوطًا للرب كما تقدم، لأن المعصية بذاتها مسخوطة مضغوطة. قال: «وإن لم يتصل به ذلك فهذا لا يكون إلا من خبث نفسه وشره وعدم استعداده لمجاورة ربه بين الأرواح الزكية الطاهرة في الملأ الأعلى، فيكون فيه حكمة أخرى إذا اختار هذا العبد طريق المعصية التي لا يحبها الله ويبغضها ويسخطها، أو حتى الرد والعياذ بالله، فيكون فيه مصلحة أخرى باعتبار غيرها، هذا العبد لم ينتفع، لكن من الذي انتفع؟ انتفع من كان معهم من المؤمنين». كما قال الله عز وجل: ﴿لو كانوا فيكم ما زادوكم إلا خبالًا﴾، فكان من حكمة الله أن خلق الإيمان والكفر والطاعة والمعصية لأجل يكون هناك فريق خالص من أهل الإيمان والطاعة ليس فيهم خائن يضرهم. فيكون تقدير تلك المعاصي والكفر والنفاق للتفريق بين أهل الحق والباطل، ولإزاحة أهل الباطل عن أهل الحق، لو كان مختلطًا لعكره، مثل الماء الصافي النقي إذا رمي فيه الخبث تستطيع تشربه ما تستطيع، فإذا أخرج الخبث وصار كأس فيه خبث وكأس فيه ماء صافي كان نعمة. هذه النعمة حصلت بماذا؟ بالتصفية، تصفية الماء، فخرج ماء عذبًا زلالًا تشربه صافيا نقيا مفيدًا نافعًا، وآخر خبيث، هذا الخبيث خلقه الله لحكمة لأجل أن يخرج لك الصافي، فلولا إخراج الخبيث ما وجدنا الماء الصافي الزلال. وهكذا كذلك لولا إخراج أهل المعاصي والكفر والنفاق ما بقي لنا الإيمان والطاعة الصافية. قال رحمه الله تعالى: «ومعلوم أن هذه النفس فيها من الشر والخبث ما فيها، فلابد من خروج ذلك منها من القوة إلى الفعل ليترتب على ذلك الآثار المناسبة لها، ومساكنة من تليق مساكنة مجاورة الأرواح الخبيثة في المحل الأسفل». فإن هذه النفوس إذا كانت مهيأة لذلك فمن الحكمة أن تستخرج منها الأسباب التي توصلها إلى ما هي مهيأة له، ولا يليق بها سواه، وهذا في حكمة أخرى من الحكمة. كما قلنا: إذا بقي الإنسان على المعصية ولم يتب أن يصف أهل الطاعة من أهل المعصية، وحكمة أخرى أن يكون في فرقة، هذه الفرقة تكون عظة وعبرة. لولا الكفر ما عرفنا فضل الإيمان، ولولا البدعة ما عرفنا فضل السنة والاستقامة، ولولا المعصية ما عرفنا فضل الطاعة، لولا وجود الزنا ما عرفنا فضل العفة، وهكذا قل في الأضداد. فصار فريق في الجنة وفريق في السعير، أرواح طيبة وأرواح خبيثة، كما قال الله عز وجل: ﴿الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة﴾، ﴿الخبيثات للخبيثين والطيبات للطيبين﴾، هذا من حكمة الله سبحانه وتعالى. فلولا الخبيث ما عرفنا فضل الطيب، فصار من حكمة الله بخلق الخبيث أن يعرفك بفضل ماذا؟ الطيب. فلما ترى خبث المرأة الخبيثة تعرف قدر امرأتك الطيبة العفيفة، وتعرف أن معك نعمة عظيمة، وهكذا كذلك في كل ما خلق الله عز وجل في هذا الكون مما يذم ويبغضه ويسخطه، خلقه ويبغضه ويسخطه لحكم عظيمة. وهذا بعض وهذه الحكم إلى هنا، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على أبينا محمد وآله وصحبه وسلم.