تفسير سورة الحديد من تفسير الجلالين 5

تفسير سورة الحديد من تفسير الجلالين 5

الدرس في تفسير سورة الحديد من تفسير الجلالين 5، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تفسير آيات يوم القيامة وأحوال المؤمنين

يتناول تفسير الآيات التي تصف يوم القيامة وأحوال المؤمنين، حيث يشرح معنى نور المؤمنين وبشراهم بالجنات. يُفسر قوله تعالى 'يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبَأَيْمَانِهِمْ'.

وصف حال المنافقين ومصيرهم يوم القيامة

يصف حال المنافقين يوم القيامة حيث يحاولون اللحاق بالمؤمنين ويطلبون منهم الانتظار أو الاستضاءة بنورهم، لكنهم يحرمون من ذلك بسبب نفاقهم. يُبين أن معاملتهم يوم القيامة تكون بجنس ما كانوا عليه في الدنيا.

تفسير الآيات المتعلقة بالنور والمنافقين وجزاءهم

يفسر الآيات القرآنية التي تتحدث عن المنافقين يوم القيامة، حيث يُستهزأ بهم كما كانوا يستهزئون بالمؤمنين، ويُفصل بينهم وبين المؤمنين بسور له باب باطنه الرحمة وظاهره العذاب.

خاتمة حول عدل الله في الحكم بين العباد

الله سبحانه وتعالى حكم عدل يحكم بين عباده بالعدل، وهذا من عدل الله تعالى، وقد ختمت الرسالة بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، لازلنا في هذه الآيات فيما ذكره الله عز وجل من عظيم آياته وسعة قدرته وسلطانه سبحانه وتعالى، وما أمر الله عز وجل به المؤمنين من برهان هذا الإيمان بالجهاد بالنفس والمال والإنفاق والإقراض بما تعمر به الآخرة في هذه الدنيا. وناسب ذكر هذه الآيات التي فيها أحوال المؤمنين والمنافقين يوم القيامة. فقوله سبحانه: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ هذا اليوم هو يوم القيامة، وهو الذي يكون فيه مجازاة أهل الإيمان بما كان من سابق إيمانهم وعملهم. وقول المفسر رحمه الله: «يسعى نورهم بين أيديهم» قال: «أمامهم»، هذا من التفسير ببعض المعنى، فـ«بين يديه» هو ما كان في هذه الجهة، جهة الأمام، ولكن المقصود أوسع من ذلك، فإن نورهم يكون بين أيديهم بمعنى أمامهم، وفي أنفسهم، فهم يضيئون لأنفسهم ويضيئون لغيرهم. ولا شك أن الشيء إذا كان بين يديك معناه أنه معك، وإذا كان أمامك معناه أنه منفصل عنك، والمقصود الأول فهو معهم وكذلك أمامهم. وقوله: «وبأيمانهم» قال: «يكون بأيمانهم»، ومعناه تأكيد أن هذا النور مرافق لهم؛ فإنه بين أيديهم، وهكذا كذلك بأيمانهم، أيمانهم كذلك. وقوله رحمه الله: «بشراكم اليوم جنات ادخلوها» تفسير البشارة بالدخول هو تفسير كذلك ببعض المعنى؛ فقول الله عز وجل: «بشراكم اليوم جنات» البشارة أوسع من الجنات، كأنه يقول سبحانه وتعالى لهم: «البشرى»، كما جاء في الآيات الأخرى: «وَمِنَ الْبُشْرَى الْجَنَاتُ»، فأهل الإيمان يبشرون بأنواع الإكرام من القول الحسن، وكذلك النزل الحسن، وغير ذلك حتى يصلون إلى جنة الله سبحانه وتعالى ورضوانه والإكرام برؤيته جل وعلا، فكل هذا يدخل في البشرى. ومن البشرى وبعض البشرى دخول الجنة، فإذن قوله: «أن يدخلوها» تفسير ببعض المعنى. وقول سبحانه: «تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَخَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ»، هذا وصف لبعض ما في الجنة، وقد ذكر الله عز وجل الجنة بل الجنات في أوصاف كثيرة كما مر معنا بعضها في السور السابقة. وقوله ها هنا: «خالدين فيها»، وفي بعض الآيات: «خالدين فيها أبدا»، لا منافاة بين الأمرين، وإنما كما ذكر غير واحد من أهل العلم هو بحسب السياق؛ فقد يحتاج السياق إلى زيادة تأكيد، وكذلك بحسب أحوال الناس. وقوله سبحانه: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا﴾، قال المفسر رحمه الله: «أبصرونا» يعني من النظر بالعين، وفي قراءة بفتح الهمزة وكسر الضاد «انظرونا» بمعنى أمهلونا، أي من الانتظار. والقاعدة عند أهل العربية: تقارب المبنى يدل على تقارب المعنى، فالانتظار فيه معنى النظر، فيه معنى النظر، لكنه ليس هو النظر، ولذلك جاءت هاتان القراءتان لإثبات هذين المعنيين. فالمنافقون والمنافقات لما كان لهم ظاهر خلاف الباطن فيعاملون كذلك جزاء وفاقًا بعدل الله سبحانه وتعالى بمعاملة من جنس ما كانوا عليه في هذه الدنيا؛ فإنهم يكونون مع المؤمنين، ولكنهم لا يستطيعون الوصول إلى الإكرام الذي يكرم به أهل الإيمان. والفرق بين المعنيين: أنهم يقولون: «نحن ها هنا اجعلونا معكم»، ولا يكون لهم ذلك؛ لأنهم أهل النفاق. وعلى المعنى الثاني يريدون اللحاق، فلا يستطيعون اللحاق؛ أثقلتهم أعمالهم السيئة ونفاقهم وكفرهم الخفي، فعند ذلك يبقون في الظلمة، ويسير أهل الإيمان بالنور. وهذا هو قول سبحانه: ﴿نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾، فإن هذه هي مقولة المنافقين، يحرمون من النور فيحتبسون، ويريدون الاستضاءة بنور المؤمنين فلا يستطيعون. وهذا كما كان لهم ظاهر خلاف الباطن؛ ظاهر فيه الإيمان والنور، وباطن فيه الظلمة والكفر، فكذلك يوم القيامة يعاملون بجنس ما كانوا عليه في الدنيا؛ فإنهم يحرمون الانتفاع من النور مع رؤيتهم له، فلا يستطيعون اللحاق بأهل الإيمان. وهذا هو قوله رحمه الله في تفسيره: «نقتبس» قال: «نأخذ القبس والإضاءة» أي من نور المؤمنين. وقول سبحانه: ﴿نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾، يعني كما قال رحمه الله: «يقال لهم هذه المقولة استهزاءً بهم»، فكما كانوا يستهزئون بالمؤمنين كما أخبرنا الله عز وجل في عدد من الآيات في سورة التوبة، وكذلك في سورة كاملة باسمه «المنافقون»، وغير ذلك من المواضع التي كان فيها أهل النفاق من الاستهزاء بالمؤمنين، فإنهم يستهزأ بهم بالمثل يوم القيامة، والجزاء من جنس العمل. وقول سبحانه: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ﴾، قال: «وبين المؤمنين بسور»، يعني حيل بينهم وبين أهل الإيمان أن ينتفعوا بما كانوا فيه، وذلك لأنهم أثقلتهم ما كانوا عليه من الكفر والنفاق. وقوله سبحانه: «بسور» قال: «قيل هو سور الأعراف له باب باطنه فيه الرحمة» أي من جهة المؤمنين، «وظاهره» أي من جهة المنافقين «من قبله العذاب»، وهذا كذلك جزاء وفاق لما كان عليه أهل النفاق؛ فلما كان لهم ظاهر خلاف الباطن جوزوا كذلك بما هو من جنس عملهم، فحرموا بهذا السور أن يصلوا إلى المؤمنين أو يرافقوا المؤمنين. فضرب بينهم أي حيل بينهم وبين المؤمنين بهذا السور. وهل هو سور الأعراف؟ قال هذا بعض المفسرين. والصحيح أنه سور آخر يختلف؛ له باب باطنه فيه الرحمة أي من جهة المؤمنين، وظاهره أي من جهة المنافقين من قبله العذاب. فلا يصل المؤمنين إلا كل نعيم، حتى في السور الذي يفصل بينهم وبين المنافقين؛ فإنه ما كان من جهة المؤمنين إكرامًا لأهل الإيمان يكون فيه الرحمة. ولما كان أهل النفاق أهل كفر كان ظاهره فيه العذاب. وفي الدنيا ماذا كان حال المؤمنين وحال المنافقين؟ كان ظاهرهم الرحمة وباطنهم العذاب والكفر، فجازاهم الله من جنس عملهم؛ فأعطوا في الظاهر العذاب، وبقي للمؤمنين الرحمة، بينما كانوا في الدنيا على خلاف ذلك. وهذا من عدل الله سبحانه وتعالى، والله سبحانه وتعالى حكم عدل يحكم بين عباده بالعدل جل وعلا. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبي محمد وآله وصحبه وسلم.