الدرس في شرح منظومة أبي إسحاق الإلبيري 6، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يوضح المقطع فضل العلم العظيم مستشهداً بأبيات أبي إسحاق الإلبيري التي تشبه العلم بالسيف الصارم الذي لا يكل ولا يخطئ، ويضرب به العالم حجة الباطل في مقتل. ويستدل بالآيات القرآنية على أن الحق يدمغ الباطل فيزهق، وأن حجة إبراهيم عليه السلام ألزمت قومه وقطعت حججهم، مبيناً أن العلم سلاح معنوي يفضح الأباطيل ويهدي صاحبه.
يسرد المقطع أمثلة من القرآن والسنة لإبطال حجج المبطلين، كمناظرة إبراهيم مع نمرود، وموقف أبي سفيان في أحد، ثم يركز على قصة القاضي الباقلاني الذي انتدب لمناظرة بطرك القسطنطينية عام 371هـ. ويبين كيفية تعامل الباقلاني مع تحذير الإمبراطور وجواز السلام على غير المسلمين بتحية غير "السلام عليكم" كقول "كيف حالك" أو "صباح الخير".
يروي المقطع مناظرة الباقلاني مع الإمبراطور والنصارى حيث ألزمهم الحجة بتلازم النهي عن اتخاذ الصاحبة والولد للبشر مع إثباته لله، فسكتوا. ثم ينتقل لبيان فضل العلم بأنه كنز لا يخشى عليه اللصوص، خفيف الحمل ينتقل مع صاحبه أينما ذهب، مستشهداً بأقوال السلف وآثارهم.
اختتم الشيخ الدرس بذكر بيتين من نظم ابن القيم يصف فيهما القرآن بأنه السيف المهند والكنز الذي لا يخاف عليه اللص، وحث الحضور على حفظهما. ثم ختم بالصلاة على النبي والحمد لله.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمة للعالمين بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً. أما بعد، مواصلة أيها الأحبة في الله مع منظومة أبي إسحاق الإلبيري رحمه الله تعالى، وهذه الأبيات التي مرت معنا في بيان ما يتعلق بفضل العلم وعظيم ما جعل الله عز وجل لأهل العلم. قال: ويجلو ما بعينك من غشاها، ويهديك الطريق في بعضها السبيل إذا ضللت، وتحمل منه في ناديك تاجاً، ويكسوك الجمال إذا عريت في بعضها إذا اغتربت. قال: ينالك نفعه ما دمت حياً، ويبقى ذكره لك إن ذهبت. ثم ذكر رحمه الله تعالى أن من هذه الفوائد والفضائل التي ينالها أهل العلم قال: هو العضب المهند ليس ينبو، تصيب به مقاتل من أردت، وكنز لا تخاف عليه لصاً، خفيف الحمل يوجد حيث كنت، يزيد بكثرة الإنفاق منه، وينقص إن به كفا شدت. وهنا بيّن رحمه الله تعالى أن العلم الذي يوفق له هذا المسلم هو كالسيف الصارم البتار القاطع الذي لا يخطئ ولا يميل، وهكذا لا يكل أو يضعف. ولهذا قال: هو العضب، والمقصود بالعضب هاهنا أي السيف، وليس أي سيف، وإنما سيف قاطع. قال: المهند ليس ينبو، والمهند قيل: أي السيف المطبوع، وقيل: السيف المصنوع من حديد الهند، من حديد الهند، وكان حديد الهند من خير الحديد وأقواه وأقواه، والعرب كانت تتفاخر بسيوف الهند، أي التي تصنع من الحديد الذي يأتي من بلاد الهند. وقوله: ليس ينبو، أي لا يكل، وهكذا أيضاً سريع القطع، سريع القطع. قال: تصيب به مقاتل من أردت. وقوله: مقاتل، أي تصيب به العضو الذي إذا أصيب صاحبه لا يكاد يسلم، وغالباً يودي إلى مقتله. أي يعني: ولهذا يقال: أصاب منه مقتلا. مثل ماذا يا إخوان؟ هذه الأعضاء التي إذا ضرب فيها الإنسان قد يقتل بسبب ذلك. السؤال يحتاج كأنه شخص ملاكم أو ألعاب قوة أو شيء من هذا. أنت تلعب ألعاب قوة، طيب، فضل هذا الموضع لا، بس مجرب، ألا سمعت هنا لا، بس زد، بقي شيء، أبا عبد الرحمن، وين المواضع الخطيرة التي إذا ضرب فيها الإنسان أصابت منه مقتلا؟ ما في، طيب، أحسن، نعم يا أبا عبد الرحمن: البطن، البطن، ما شاء الله، تتكيف، دق واحد في بطنه، ولا سيما إذا كان لا، لا، لا، يعني ممكن السيف سيقتل في أماكن كثيرة، لكن حتى لو ضرب بأي نوع من أنواع الضرب، نعم، في صدره، فوكزه موسى. طيب، هذه من المواضع، الرأس، يا إخوان، أيضاً مواضع الخصي ووسط الإنسان وغيره من الأماكن الحرجة والخطرة. إذن هنا شبه العلم الذي يناله هذا المسلم بالسيف الصارم البتار القاطع الذي لا يخطئ، الذي لا يخطئ ولا يميل ولا يضعف. وهذا يا إخوان يدل على أن العلماء الربانيين الراسخين في العلم إذا ردوا على أهل البدع والأهواء وغيرهم ألزموهم الحجة وأصابوهم في مقتل، فلا تقوم لهم قائمة بعد ذلك، كما قال ربنا عز وجل: ﴿ بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ﴾. وربنا عز وجل قال عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام: ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ﴾، ﴿ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ﴾. قوله: ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ ﴾، قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى: قال: عليها عليهم، عليها عليهم، فلجمهم بها، فلجمهم بها. وهكذا قال غيره: قال: معنى ذلك أنها حجتنا التي وفقناه إليها حتى انقطعت حججهم. إذن ليس معنى هذا أن العلم يعتبر سيفاً محسوساً، وإنما هو عبارة عن سيف معنوي يقطع حجج أهل الباطل ولججهم، وماذا يفضح ما هم عليه من أباطيل، من أباطيل. ولهذا ذكر العلماء في كتاب الله، أو من كتاب الله عز وجل، بعض الأمثلة التي تبطل حجج أهل الباطل، ومن ذلكم ما ذكره الله عز وجل في سورة البقرة عن إبراهيم مع ذلكم الملك الغشوم الذي يقال له: نمرود. ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾، ﴿ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾. وهكذا أيضاً ذكروا قصة أبي سفيان في غزوة أحد، لما انتهت المعركة وصعد النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه إلى شعبي جبل أحد، أتى أبو سفيان، وكان يومها لم يسلم، بعده وكان زعيم قريش، فنادى: فيكم محمد؟ ما أجابه أحد. أفيكم ابن أبي قحافة؟ لم يجبه أحد. أفيكم ابن الخطاب؟ فلم يجبه أحد. ثم قال: اعلُ هبل، اعلُ هبل. فعمر، كما جاء في بعض الروايات، أجابه: أن من ذكرت لا تظن أنهم أموات، بل هم أحياء، أبقى الله ما يسوءه. فلما قال: اعلُ هبل، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ألا تجيبوه؟ قال: وبم نجيبه؟ قال: قولوا: الله أعلى وأجل. قال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم. فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يجيبوه: الله مولانا ولا مولى لكم. قال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، والحرب سجال، أي يوم عندنا ويوم عندكم. فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يجيبوه: أنه لا يستويان، قتلانا في الجنة وقتلاكم، أي الذين كانوا في بدر وغيرهم في النار. ثم قال: موعدنا بدر العام القادم، يعني مثل هذا الوقت من العام القادم، الموعد في بدر. ولماذا بدر؟ قالوا: هذا مجمع القوافل، تمر معظم القوافل في هذا الموضع. فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يقولوا له: لكذلك، أي موعدنا العام القادم في بدر. وخرج النبي صلى الله عليه وسلم في العام القادم في بدر، خرج أبو سفيان لكنه لم يواصل، احتال على الجيش ورجع بهم، وقال: إن هذا الجو هذا العام لا يصلح لخروجهم، ورجع، ولم يصل إلى بدر، ولم يصل إلى بدر. فهذا الحديث أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الجهاد والسير، قال: باب ما يكره من التنازع والاختلاف في الحرب، وعقوبة من عصى إمامه. ومما ذكره العلماء في هذا الباب قصة للإمام القاضي أبي بكر محمد الطيب الباقلاني البغدادي. والباقلاني هذا توفي في سنة أربعمائة وثلاثة. وخلاصة ما يذكر من قصته، وكان رحمه الله تعالى قالوا: أعجوبة زمانه، أعجوبة زمانه في سعة العلم وقوة الحجة، وهكذا أيضاً الذكاء وإفحام الخصوم، وكان يلقب بلسان الأمة وشيخ السنة. الشاهد من هذا: ذكروا أن إمبراطور القسطنطينية، أي من الروم، طلب من الخليفة العباسي أن يرسل له أحد علماء المسلمين ليناظر حبرهم الأعظم، حبرهم الأعظم. فانتدب لها الباقلاني، قال: أنا له. فأقيمت المناظرة في عام ثلاثمائة وواحد وسبعين من الهجرة، وأخذ الباقلاني إلى القسطنطينية، وأدخل على إمبراطور الروم، فأجلس الباقلاني في المجلس، وجعل إمبراطور الروم يعرف الباقلاني بعظيم وحبر الروم، فقال له: يا فقيه، يعني بلغة الروم: يا فقيه، هذا البطرك، بالكاف، والمقصود به مقدم النصارى ورئيس رؤساء الأساقفة، يعني: قال له: هذا البطرك قيم الديانة وولي النحلة، يعني رجل عظيم فينا، ما هو سهل، يعني: انتبه لنفسك، انتبه لنفسك. فقام الباقلاني وسلم على هذا البطرك، وغالباً أن السلام يعني التحية، ما سيقول له: السلام عليكم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ابتداء اليهود والنصارى بالسلام، لكن قالوا: يجوز أن يقول: كيف حالك، كيف أنت، صباح الخير، وغيرها من التحايا. قالوا: الباقلاني سلم على القاضي، أحفل سلام، أحفل سلام. ثم ثم قال له، يعني سأله سؤالاً، قال له: كيف الأهل والأولاد؟ قال له: كيف الأهل والأولاد؟ سؤال غريب من الباقلاني، لكن يدل على ذكاء نادر. الذين في المجلس من النصارى ضجوا، وأول من ضج هو الإمبراطور، فقال للباقلاني: منكراً عليه، ذكر من أرسلك، أي الخليفة العباسي، ذكر من أرسلك في الكتاب أنك لسان أمتك، لسان أمتك، ومتقدم على علماء ملتك، أما علمت أننا ننزه هؤلاء عن الصاحبة والولد؟ يعني هؤلاء القساقس والبطارقة لا يتزوجون ولا ينجبون، ولا ينجبون. وهنا انقض عليهم الباقلاني فقال له: ولمن عندكم تستعظمون لهذا الإنسان اتخاذ الصاحبة والولد، ولا تستعظمون، ولا تستعظمون لربكم سوءة، سوءة لهذا الرأي. قال العلماء: فسقط في أيديهم، وظهر الحق، وانكسروا، ولم يحيروا جواباً. فسبحان من يؤتي الحكمة من يشاء، ويلهم الحجة من يريد، إنه عزيز حكيم عليم خبير. ولهذا يا إخوان، يعني هذا كما ذكر الله عز وجل: ﴿ وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ ﴾، يعني هذا شيء ابتدعوه من عند أنفسهم، لا يتزوج، لا ينجب، من أمركم بهذا؟ قال: ﴿ مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ ﴾، أي: كتب الله عليهم أن يبتغوا رضوان الله، ولم يكتب لهم هذا التبتل الذي أقحموا أنفسهم به. قال: وكنز لا تخاف عليه لص، خفيف الحمل يوجد حيث كنت. وقوله: وكنز، المقصود بالكنز هو المال المدفون تحت الأرض، هذا الأصل في إطلاق الكنز، وقيل: الكنز ما يحرز من المال. وهنا لا يريد المال، يريد أن العلم يعتبر كنزاً عند صاحبه. قال: لا تخاف عليه لص، أي سارق، أي سارق، وإلا فاللصوص يبحثون عن ماذا؟ عن الكنوز. لكن هل رأيت لصاً يبحث عن علم كي يسرقه؟ هل وجد هذا لص يبحث عن فوائد في النحو أو العقيدة أو التوحيد أو المصطلح أو الأصول؟ هم من أزهد الناس في ذلك، إلا يعني من يعرفون بسرقة الحديث. أي أنهم، ما المقصود بسرقة الحديث؟ ما المقصود بسرقة الحديث؟ أين أصحاب البيقونية؟ نعم، عندك: متى يقال للرجل: سارق الحديث؟ المدلس. نعم، نعم، نعم، خلاص، طيب، أحسنت. إذن سرقة الحديث هو أن يحسن الإسناد، فيجعل الإسناد بدلاً من أنه عن رجل ضعيف، فيجعله مثلاً من طريق مالك عن نافع عن ابن عمر، ونحوها، كي يلفت أنظار أهل الحديث إلى أن يأخذوا عنه. وقوله: خفيف الحمل، أي العمل، أي العلم خفيف الحمل، يوجد حيث كنت. وهذا يا إخوان من فوائد العلم وفضائله أنه ينتقل معك حيث توجد، فلا تخشى من فقدانه، بخلاف الكنوز الأخرى. أنت لو ألقيت القبض على رجل ثري وغني وقلت له: إما أن تأتي بمليار الآن من ثروتك أو أقتلك، ما عنده مليار، ما عنده مليار، ممكن يحمل شيئاً من المال، لكن هو مكنوز ومخزون في خزائنه. لكن العلم حيث كنت، المقصود بهذا أن العلم الذي في الصدور، وليس المقصود به العلم الذي في الكتب. ولهذا قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى كما في ديوانه: علمي معي حيث ما يممت، كان معي، وقلبي وعاء له، لا بطن صندوق. إن كنت في البيت كان العلم فيه معي، أو كنت في السوق كان العلم في السوق. وما أجمل ما ذكره وأنشده الإمام أبو محمد ابن حزم رحمه الله تعالى حين أحرقوا كتبه، أحرقوا كتبه، فأنشد قائلاً: إن تحرق القرطاس لا تحرق الذي تضمنه القرطاس بل هو في صدري يسير معي حيث استقلت ركائبي أي حيث استقلت الركاب، يعني الإبل. قال: وينزل إن أنزل، ويدفن في قبري، ويدفن في قبري. هكذا كما في ديوان الإمام أبي محمد ابن حزم رحمه الله تعالى. وهذا مما يدل على فضل العلم على أهله، فأسأل المولى تبارك وتعالى أن يرزقنا علماً نافعاً، ونعوذ به من علم لا ينفع. وأخذنا في هذه الليلة بيتين، اثنين، ألا وهو قوله رحمه الله تعالى: هو العضب المهند ليس ينبو تصيب به مقاتل من أردت وكنز لا تخاف عليه لص خفيف الحمل يوجد حيث كنت فهذان البيتان يحفظون، أو يحفظان، والله تعالى المعين والموفق. صلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.