المسجد الأقصى بين الماضي والحاضر

الخطبة بعنوان المسجد الأقصى بين الماضي والحاضر، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 5 ربيع الآخر 1445هـ الموافق 20 أكتوبر 2023م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

بداية الفتوحات الإسلامية في الشام

بعد انتهاء حروب الردة، وجه أبو بكر الصديق الجيوش لفتح الشام. تم إرسال أربعة جيوش بقيادة يزيد بن أبي سفيان وأبي عبيدة بن الجراح وشرحبيل بن حسنة وعمرو بن العاص.

معركة اليرموك وانتصار المسلمين

دارت معركة اليرموك بين المسلمين بقيادة خالد بن الوليد والروم، وانتصر المسلمون رغم قلة عددهم. ثم توجه أبو عبيدة بجيوش المسلمين إلى بيت المقدس وفتحها.

تحليل تاريخي لصراع بيت المقدس

يتحدث الخطيب عن تاريخ الصراع حول بيت المقدس بين المسلمين وأهل الكتاب، ويشير إلى أن المسلمين سيحررون بيت المقدس من اليهود كما فعلوا مع الصليبيين.

دعاء للأمن والنصر على الأعداء

دعاء يطلب الأمن والفرج للمسلمين والنصر على اليهود والأعداء، ويشمل تفرقة شملهم وغرس الرعب في قلوبهم. الدعاء ينتهي بالصلاة على النبي محمد.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، إن أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه بعدما انتهى من محاربة المرتدين وذلك في أيام خلافته، وقضى على هذه الحركة في الجزيرة العربية، تطلع رضي الله تعالى عنه إلى فتح بلاد الشام وإلى تحرير بيت المقدس من عباد الصلبان، والتي كانت مرتعا خصبا لوجود النصارى لأحقاب كثيرة وسنوات عديدة حكموا البلاد وتصلطوا على رقاب العباد، والمسجد الأقصى في قبضتهم تتلى فيه الأناجيل وتضرب فيه النواقيس وتعلق عليه التصاليب. فكان الأمر كما أراد الصديق رضي الله تعالى عنه، فجهز الجيوش ووجهها إلى صوب بلاد الشام، فكون أربعة جيوش، فأرسل جيش يزيد بن أبي سفيان إلى دمشق، وجيش أبي عبيدة بن الجراح إلى حمص، وأرسل جيش شرحبيل بن حسنة إلى الأردن، وأرسل جيش عمرو بن العاص إلى فلسطين. فبدأت هذه الجيوش زحفها حيثما أمر أن تذهب إليه، فالتقى جيش يزيد مع جيش شرحبيل في منطقة تبوك وتشاركا في قتال من كان من معسكر الروم هناك حتى قضوا عليهم ولاذوا بالفرار. وجيش أبي عبيدة وصل إلى بلقاء الأردن فانتصر على أهلها، ثم توجه إلى بصرى وهي منطقة تقع في جنوب دمشق، ثم توجه إلى بصرى والتقى هناك بجيش يزيد وشرحبيل، فضربوا الحصار على أهل بصرى حتى خضعوا واستسلموا وتم الصلح بينهم وبين المسلمين. أما عمرو بن العاص ففي ذهابه إلى فلسطين واجه جحافل الروم، فدارت بينه وبينهم معارك شتى حرج فيها جيشه منتصرا، ولكن نظرا لكثرة عدد الروم فهم في ديارهم، ولكثرة تحصيناتهم واتساع أراضيهم، طلب أبو عبيدة من خليفة المسلمين أبي بكر أن يرسل إليهم بالمدد، فأصدر أبو بكر أوامره إلى خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه والذي كان متواجدا في أرض العراق يقود الفتح هنالك، فرسله الصديق على انتقاله وذهب من العراق إلى الشام. فسارع خالد رضي الله تعالى عنه بالذهاب ومعه تسعة آلاف من مقاتليه، وهناك وفي أرض الشام استمرت المعارك الكثيرة في جبهات عديدة، وليس المقام مقام ذكرها وبيان أمرها، إلا أنها تجلت بافتتاح الكثير من بلدان الشام كفتح نابلس ويافا وعسقلان وفتح عمواس والرملة، وهكذا فتحت عكا والرفح وغزة وهكذا مدن شتى. وكان إمبراطور الروم وهو هرقل يتابع هذه الأخبار وما وصل به الحال من هزيمة جيوشه المتتابعة وبانتصار المسلمين المتلاحقة وبقربهم من بيت المقدس، فحينها استنفر جميع جيشه وأعده بكامل عدة، فجمع جيشا كثيفا ضخما كثيرا يقدر بمئتين وأربعين ألف مقاتل. حينها قام خالد بن الوليد بصفته أمير الجند بتجميع جيوش المسلمين وتم اجتماعهم في اليرموك، وكان عدد جيش المسلمين والذي به توغلوا إلى بلاد الشام وكان به بفضل من الله أن تحقق لهم الانتصارات الكثيرة وإنزال الهزائم الوفيرة والكثيرة على أعداء الدين، وما كان على أيديهم من افتتاح المدن العديدة، كان عددهم يقدر بأربعين ألفا. فيا سبحان الله، وحين أن التقى الجمعان وتواجه الفريقان في معركة لا تخطر على بال، أربعون ألفا بمقابلة مئتي وأربعين ألفا، ما هذه المعركة؟ أقدمت الروم بجيوشها بكبريائها وغطرستها، وقد سدوا الأفق كأنهم غمامة سوداء، وهم يصيحون بأصوات مرتفعة، وقد حملوا الصليب ورهبانهم يتلون عليهم الإنجيل ويحرصونهم على القتل والتقتيل في المسلمين. بينما كان المسلمون قد قام أمراؤهم بوعظ الجند وبتذكيرهم بأيام الله وما أعده الله للمجاهدين من خير الدنيا والدين. قال أهل التاريخ والسير: كان في صفوف المسلمين ألف من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، ومنهم مئة من أهل بدر. الله أكبر، فلا زال المسلمون وهم يتلون القرآن ويذكرون الرحمن ويستنجدون بالله دعاء وتضرعا والتجاء، حتى التحم الصفان في معركة قال فيها ابن كثير رحمه الله: لم ير الناس يوم اليرموك إلا مخا نازلا ومعصما صافطا وكفا طائرا لشدة البلاء وعظيم القتال والنزال. وقد أبلى المسلمون بلاء حسنا، فهم مع قلة عددهم استطاعوا بشن هجوم مضاد على الروم بكافة الجبهات في تشكيلة لم تعرفها العرب من ذي قبل، وحينها ظهرت عبقرية خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه، فما كان من الروم إلا أن تساقطوا صرعى في ساحة الوغى، حتى قتل منهم في هذه الواقعة أكثر من مئة ألف مقاتل، بينما البقية من أهل الروم لاذوا بالفرار. وبينما القتال دائر إذ جاءت الأخبار بموت خليفة المسلمين أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، وأن الخلافة قد عقدت لعمر الفاروق رضي الله تعالى عنه وأرضاه، والذي أمر بأن تولية الجيش تكون لأبي عبيدة. ومع هذا استمر المسلمون في القتال ولحقوا بمن بقي من الروم من الأحياء الذين تجمعوا في دمشق فحوصروا حتى استسلموا وطالبوا بالصلح، ثم توجه أبو عبيدة بجيوش المسلمين إلى بيت المقدس وكاتب أهلها إما الإسلام وإما ببذل الجزية وإما بالقتال، فأبوا أن يستجيبوا. فحينها قام أبو عبيدة وضيق عليهم الخناق وضيق عليهم الحصار حتى وافقوا على الصلح شريطة أن يأتي أمير المؤمنين عمر هو الذي يبرم الصلح والعهد بنفسه، فأخبر عمر بذلك فوافق، فأتى من المدينة إلى أرض الشام وأخذ بإبرام الصلح والهدنة بين المسلمين وبين الروم على استلام بيت المقدس، وأن الروم يذهب إلى ديارهم وبلادهم. وفي هذه المواطن قال عمر عبارته الشهيرة: «نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فإن ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله». أقول قولي هذا وأستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيما لشأنه، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الداعي لرضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه. عباد الله، ما مضى ذكره هو تاريخنا، هو مجدنا، هو عزنا، وليس تاريخنا زمنا قد مضى وانقضى أو ذهب وولى، بل هو باق وسيبقى وسيكون نبراسا لنا نقتفي أثره في حاضرنا وفي مستقبلنا. وتلك الأيام نداولها بين الناس، وها هو التاريخ يعيد نفسه من خلال تاريخنا عنا، كيف أن أهل الكتاب يحومون حول بيت المقدس، بالأمس كان مع النصارى الصليبيين، واليوم هو مع اليهود الغاصبين، وها هم اليوم يسومون أهل فلسطين ألوانا وأصنافا من العذاب والتنكيل ومن التخريب والتدمير ومن القتل والتهجير، ما سلم منهم رجل طاعن كبير ولا مريض عليل سقيم، وما سلم منهم امرأة ولا طفل رضيع. حسبنا الله ونعم الوكيل، من خلال تاريخنا علمنا أن بيت المقدس من تزع من النصارى إلا على أيدي أهل الإسلام، وهم الذين كذلك سينتزعونه من اليهود كما أخبر بذلك الصادق المصدوق، حيث قال: «لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون، فيختبئ اليهودي خلف الشجر وخلف الحجر، فيقول الشجر والحجر: يا مسلم، يا عبد الله، هذا يهودي خلفي، تعالى فاقتله». إن هذه البشارات إشارات عباد الله هي آتية آتية لا شك في ذلك ولا ريب، إن لم يكن اليوم فغدا، وإن لم يكن غدا فبعد غد، فوعد الله حق لا يرد، وعد الله لا يخلف الله وعده. من خلال تاريخنا علمنا أن أعداءنا مهما تكالبوا وتحالفوا وجمعوا وتجمعوا وأقبلوا من كل حدب وصوب وتزودوا بالعدة والعدد، فإن ذلك لن يضر أهل الإسلام شيئا، ولن يغير، كما مضى في غزوة اليرموك آنفا كيف لطائفة قليلة أن انتصرت وغلبت تلكم الجيوش الكثيرة الوفيرة. وكما قال الله: ﴿وَكَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾. إن حقيقة قوة المسلم لا تنحصر في عدته وعدده، وإنما تكمن في توحيده وطاعته ومدى تمسكه واعتماده على ربه. إن تنصر الله ينصركم ويثبت أقدامكم، إن تنصر الله ينصركم ويثبت أقدامكم، فإنه من دعا الله ورجاه وصدق في التوكل عليه ورجاه، فالله سبحانه وتعالى لا يتولى بل هو جل في علاه سيتولى هزيمة كل من عاداه. فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم، وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى، نعم يا عبد الله، من كان مع الله كان الله معه. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، يا مجيب الدعوات. اللهم احفظ إخواننا في فلسطين، اللهم احفظ إخواننا في فلسطين، اللهم كن معهم عونا ومعينا وناصرا وظهيرا، اللهم أيدهم بتأييدك وانزل عليهم مددا من عندك. اللهم سدد رميهم وثبت أقدامهم وقوي عزائمهم وانزل السكينة عليهم واربط على قلوبهم، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم. اللهم نجي إخواننا المستضعفين من المسلمين في فلسطين، اللهم نجيهم يا كريم، اللهم أيدهم بتأييدك واحفظهم بحفظ من عندك. اللهم تقبل موتاهم وداوي جرحاهم وفك أسراهم وعافي مبتلاهم، اللهم اجبر كسرهم، اللهم اجبر كسرهم، اللهم اجبر كسرهم، يا جابر المنكسرين، يا ذا الجلال والإكرام. اللهم اجعل لهم من كل ضيق مخرجا ومن كل هم فرجا، اللهم آمنهم في بلدانهم وديارهم، اللهم آمنهم في ديارهم وبلدانهم. اللهم عليك باليهود الغاصبين وبكل عدو لهذا الدين، اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك، اللهم شتت جمعهم وفرق شملهم واجعل الدائرة عليهم، واززل الأرض من تحت أقدامهم، واغرس الرعب في قلوبهم، واجعلهم وأموالهم غنيمة للإسلام والمسلمين. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وقوموا إلى صلاتكم رعاكم الله ورشدوا، ألا إله إلا الله.