شرح كتاب التوحيد 209

شرح كتاب التوحيد 209

الدرس في شرح كتاب التوحيد 209، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

التحذير من اتباع الآراء دون دليل وخطورة مخالفة أمر الرسول

يناقش التحذير من اتباع الآراء دون النظر إلى الدليل، ويحذر من مخالفة أمر الرسول صلى الله عليه وسلم ورد أقواله. المقلد يعتبر مخالفا لأمر الله ورسوله وقد توعد الله المخالفين بعقوبتين.

معنى الفتنة في القرآن وعلاقتها بالشرك والمعارضة لأمر الرسول

يفسر المقطع القرآني 'والفتنة أكبر من القتل' بأن الفتنة هنا تعني الشرك، ويوضح أن معارضة أمر الرسول قد تؤدي إلى الوقوع في الشرك والكفر، مستشهدا بأقوال السلف.

أهمية الطاعة للثبات على الدين وتجنب المخالفة

الطاعة لله ورسوله تعزز الثبات على الدين، بينما المخالفة والمعارضة لأمرهما تؤدي إلى الزحزحة عنه تدريجيا. الإنسان يجب أن يوطن نفسه على الطاعة ليبقى على الدين.

  • 22 جمادى الأولى 1445هـ - 04/12/2023مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد. مواصل إخواني في الله فيما نحن بصدده من قول المؤلف رحمه الله تعالى: «باب من أطاع العلماء والأمراء في تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله فقد اتخذهم أربابا». أورد المؤلف رحمه الله تعالى تحت هذا الباب هذا الأثر، وهي عبارة عن عبارة من الإمام أحمد رحمه الله، قال الإمام أحمد: «عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته ويذهبون إلى رأي سفيان، والله تعالى يقول: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾، أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، إذا رد بعض قوله عليه الصلاة والسلام أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك». أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذه العبارة، ومن العبارات العظيمة الثابتة عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى في مسألة ضرورة التمسك بالكتاب والسنة وعدم التعظيم وعدم التقديس وعدم التقليد للأشخاص والأعيان. وهذا الأثر جاء من رواية الفضل بن زياد رحمه الله تعالى، قال: «قال الإمام أحمد: نظرت في المصحف فوجدت طاعة رسول الله في ثلاثة وثلاثين موضعا، ثم جعل يتلو قول الله: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره﴾، قال: وجعل يكررها ويقول: وما الفتنة إلا الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك». إذن هذا مما ثبت عن الإمام أحمد في الرواية الصحيحة عنه رحمه الله. وفي هذه العبارة قوله رحمه الله: «عجبت»، وهذا استنكار، استنكار لما سيأتي ذكره مما تعجب الإمام. قال: «عجبت لقوم»، وهؤلاء الذين تعجب منهم ليسوا من جهلة الناس وليسوا من العامة، بل من صفتهم: «عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته»، إذن هو يتكلم عن طائفة من الناس ليسوا من العوام ولا من الدهماء، وإنما هم طبقة من المتعلمين من المتثقفين لدرجة أنهم علموا الإسناد وعلموا صحته. فماذا يحتاجون بعد ذلكم؟ ما الذي يحتاجون بعد ذلكم وقد وفر الله لهم آلات العلم وآلات النظر والحكم على مسائل العلم؟ فيتعجب الإمام أحمد من هؤلاء، قال: «عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته ويذهبون إلى رأي سفيان». وسفيان هنا هو سفيان الثوري رحمه الله تعالى، من أئمة السنة، من الثقات الأثبات، من العباد الزهاد. وكان هذا الإمام رحمه الله تعالى له أتباع وله تلاميذ، بل قيل إن له مذهبا. قال إمام أحمد رحمه الله: «عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته ويذهبون إلى رأي سفيان». وفي كلام الإمام أحمد إشارة إلى محل العطل وإلى موطن الخلل، أنهم أخذوا رأي هذا الإمام مجردا فقط لأن سفيانا قاله. نحن نقول به، طب أين الأحاديث التي عندكم؟ أين الأدلة التي تعلمتموها؟ أين الأسانيد والمتون التي حفظتموها؟ أين هي؟ كل هذا يلغى لأجل أن فلانا تكلم بكلام، قلتم بقوله بغض النظر عن دليله. هنا محل الإعجاب والإنكار، تعجب الإمام أحمد واستنكر هذا الصنيع. ولا يزال هذا الاستنكار إلى الآن في هذه الأزمان، تجد أن من الناس من أعطاهم الله رقولا وعلوما وشهادات ورقيا في الجامعات والكليات، ثم في آخر أمره يسلم عقله إلى غيره. ماذا تقول؟ قال: أقول بقول شيخ الفلاني والحبيب الفلاني. وأنت ماذا تقول؟ الأدلة معك. قال: يا أخي أنا ألغي هذا كله أمام شيخي وأمام من جعلته أمانا في عنقي. المقلد مقلد، قال علماء: إنما المقلد سمي مقلدا كالذي يقلد نفسه قلادة ثم يجعل زماما لغيره يقوده. هذا المقلد، فإمام أحمد رحمه الله تعالى أنكر على أمثال هؤلاء. ثم استدل عليهم بقوله سبحانه وتعالى: «والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره﴾»، فليحذر، هذا وعيد وتهديد من رب العباد سبحانه وتعالى. احذروا مما سيأتيكم إن كان هذا وصفكم. ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره﴾، أمره، أمر هنا مفرد، والقاعدة البلاغية الأصولية: المفرد إذا أضيف يفيد العموم. أمره، أي أوامره، فمن تجرأ على أن يخالف شيئا من أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو متوعد بهذا التحذير. أمره، أي أوامره عليه الصلاة والسلام. قال: «والله يقول: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾». وفي هذه الآية توعد الله عز وجل المخالفين والمعارضين والمعاندين لأمر الله وأمر رسوله عليه الصلاة والسلام بعقوبتين: فتنة أو عذاب أليم. الفتنة هي عقوبة معجلة دنيوية، وعذاب أليم عقوبة مؤخرة مؤجلة في الآخرة. أي أن صاحب هذه المخالفة يعذبه الله في الدنيا والآخرة، في دنياه فتنة يجعله الله جل وعلا عرضة للفتن، هذه عقوبة الدنيا المعجلة، مع ما يدخر له من عقوبة الآخرة، وهي العذاب الأليم، أي عذاب مؤلم. نسأل الله السلامة والعافية. دل ذلك على عظيم هذا الإثم وعلى شدة جرمه، وأن الله عز وجل توعد أصحابه بالعذاب الشديد والنكال العظيم. وفي قوله سبحانه وتعالى: ﴿فتنة﴾ هنا نكرة: ﴿أن تصيبهم فتنة﴾ نكرة، فتعم أي فتنة، أي فتنة تضر في دينك أو دنياك، في نفسك أو في أهلك، فتنة في مالك أو في جسمك، أي فتنة. وكم جاءت الأحاديث المروية عن رسول الله على أن من الفتن ما تكون عقوبة لك يا عبد الله في جسدك. في حال ذاك الرجل الذي أكل بحضرة رسول الله عليه الصلاة والسلام إلا أنه أكل بشماله، أكل بشماله، رآه نبينا، قال: «كل بيمينك، كل بيمينك». فقال الرجل: «لا أستطيع». بقي قوله: «لا أستطيع»، قالها بحق أم ادعاء؟ لأن قد يقول الرجل: «أنا ما أستطيع آكل بيميني»، يده مشلولة أو يده مكسورة أو يده مجبورة أو يده مقطوعة، يكون له عذر. لكن قال الراوي: «ما منعه إلا الكبر»، استكبارا أن يذعن لرسول الله، كالذي يقول: «أنا! تقول لي تأمرني أن آكل باليمين أو الشمال؟ أنت من أنت حتى تأمرني؟» قال: «ما منعه إلا الكبر». لما قال: «لا أستطيع»، قال: «لا استطعت». قال الراوي: «فشلت يده، مسكت يده، حبست وصلبت، فأصبحت مشلولة، فما استطاع أن يرفعها». هذه فتنة، عقوبة الدنيا معجلة، هذا في حق من يسترسل في معارضة أمر رسول الله عليه الصلاة والسلام. قال: «أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم». ثم قال إمام أحمد: «أتدري ما الفتنة؟ قال: الفتنة الشرك». هنا الإمام أحمد، الآية عامة كما أشرنا، الفتنة هنا مطلقة، تدخل فيها أي فتن، كل أنواع الشر، كل أنواع الشر تدخل في معنى الفتنة، إلا أن الإمام أحمد اختارها هنا أن تفسر الفتنة هنا بالشرك، لأن من أسماء الشرك يسمى بالفتنة، كما قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿والفتنة أكبر من القتل﴾. ما معنى هذه الآية؟ والفتنة - أعني - بعض الكثير عند العامة يفسرون القرآن بتفسيرهم الشخصي، يقول: «الفتنة لما تفتن بين اثنين، لما تجعل الفتنة بين اثنين هذا عظيم، الفتنة أكبر من القتل». من قال هذا؟ ليس هذا المعنى، الفتنة هنا بمعنى الكفر والشرك، هنا الآية: ﴿والفتنة أكبر من القتل﴾ أي أن وقوعك في الكفر ووقوعك في الشرك أعظم من وقوعك في القتل، هنا معنى الفتنة. فالإمام أحمد فسر الفتنة هنا بالشرك، أي أنك إن عاربت أمر رسول الله فأنت متوعد بأن تقع في الشرك. قال إمام أحمد رحمه الله: «أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك». علمنا أن لهذا أصل، والفتنة أكبر من القتل. ثم علل، قال: «إذا رد»، وهذا قول جماع من السلف، كما قال إسحاق بن راهويه: «قال من رد حديثا صحيحا عن رسول الله وهو يعتقد صحته فقد كفر». قال إسحاق بن راهويه. وكان شيخنا مقبل رحمه الله تعالى كثيرا ما يكرر هذا الأثر، قال إسحاق بن راهويه: «من رد حديثا صحيحا عن رسول الله وهو يعتقد صحته فقد كفر». فهذا كان يقوي به طائفة: أن المعارض لأمر رسول الله هكذا مجازفة، إباء واستكبارا، هوى وعدم انصياع لأمره، هذا يوصل صاحبه إلى الكفر. فقال إمام أحمد: «الفتنة الشرك إذا رد»، قال: «إذا رد بعض قوله عليه الصلاة والسلام أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك». هنا السبب وقوع الإنسان في الشرك إذا عارض أمر رسول الله، أن هذه المعارضة القولية: «أنا ما سأفعل، أنا ما سأنصاع، أنا ما سأطيع رسول الله في أوامره»، هذا القول منك يا عبد الله ما رده على القلب؟ ما رده على القلب؟ فالقلب يتأثر، فهناك علاقة بين الظاهر وبين الباطن، كما أن الباطن يسير الظاهر، فالظاهر يؤثر على الباطن. والدليل على ذلك في قول ربنا جل وعلا: ﴿فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم﴾. متى جاء زوغان القلب؟ جاء زوغان القلب بعدما زاغت الظواهر. فلما يجد أن الإنسان من نفسه أنه يعارض أمر رسول الله معارضة ثم معارضة ثم معارضة، يجد أن الله يضرب على قلبه بالختم، وهذا الختم قد يستفحل إلى درجة الطبع، فيموت الإنسان على الكفر. ولهذا تجد أن من أشد الناس وقوعا في الكفر من؟ أهل البدع، أهل البدع، ما صنيعهم؟ المعارضة، الفرق الضالة من الخوارج وأهل الرأي والماتريدية والكلابية والقدرية والمعتزلة الذين عارضوا أمر رسول الله في عقائدهم في أحكامهم، معارضة له، المعارضة أدت بهم ذلك كثرة المعارضة إلى زيغان القلب، فأتوا بأقوال فضيعة، تعدوا جدا عن السنة، أتوا بأقوال فجة ما يقبلها العقل ولا الحس، بل حتى أن أكثرهم من يقع - ما أكثر بعضهم يقع في آخر أمره - إلى أن يختم عليه بسوء. ولهذا قال ابن سيرين رحمه الله: «أسرع الناس ردة أهل الأهواء»، أسرع الناس ردة أهل الأهواء، لأنه من أعظم الناس معارضة لأمر رسول الله عليه الصلاة والسلام. فالأمر كما قال المؤلف، كما قال إمام أحمد رحمه الله تعالى، فإنه إذا رد بعض قول رسول الله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك. وأعظم صور الهلاك أن يموت الإنسان على الكفر. ولهذا الإنسان يوطن نفسه على أنه يكون مطيعا لله ولرسوله عليه الصلاة والسلام، فإن بها الثبات على الدين، والعكس بالعكس، فإن المخالفة والمعارضة لأمر الله ورسوله فإنها تزحزحك يا عبد الله عن الدين قليلا قليلا إلى أن تخرج بالكلية عن الدين والملة. هذا ما أذكره في هذا المقام. أسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.