مسائل وأحكام من حديث الرضى بالله والنبي والإسلام 5

مسائل وأحكام من حديث الرضى بالله والنبي والإسلام 5

الدرس في مسائل وأحكام من حديث الرضى بالله والنبي والإسلام 5، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

معنى الرضا بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم

يتناول شرح معنى الرضا بمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًا ورسولًا وأهمية طاعته. يشير إلى أن طاعة الرسول قرنت بطاعة الله في القرآن.

أهمية التصديق بأخبار النبي

يتحدث عن أهمية تصديق أخبار النبي صلى الله عليه وسلم والالتزام بها، ويشير إلى أخبار غيبية ومستقبلية يجب الإيمان بها دون شك.

اتباع سنة النبي والتمسك بمنهجه

يؤكد على ضرورة اتباع سنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم والتمسك بمنهجه في كل أمور الحياة، ويحذر من الابتداع وتغيير دين الله.

ختام بالدعاء والصلاة على النبي

يتضمن الدعاء للنبي محمد بالصلاة والسلام، ويطلب من المولى أن ينفع السامعين، ويختتم بالصلاة على النبي وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، لازلنا إخواني في الله في هذا الذكر العظيم، وفي هذا الورد الكريم: رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًا ورسولًا، هذا الورد الذي جعل من الأذكار العامة، وأيضًا من الأوراد الخاصة، يقال في أذكار الصباح والمساء، ويقال بعد الأذان، كل ذلك إشارة إلى عظمته. كانت الإشارة فيما خلت من الدروس في بيان معانيه، علمنا ما يتعلق بمختصر رضيت بالله ربا، وكان معنى بالأمس وبالإسلام دينا، ونحن في هذا المقام بإذن الله بصدد الكلام عن معنى قولك: وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًا ورسولًا. إن الله سبحانه وتعالى بعث إلينا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم بشيرًا ونذيرًا ونبيًا ورسولًا، وإن الله سبحانه وتعالى أمر الخلق كافة بأن يذعن له بالنبوة والرسالة، فقال سبحانه: ﴿محمد رسول الله﴾، فهو رسول الله ونبيه. إن هذه المسألة بهذه العقيدة أن تعتقد بنبوته ورسالته، وهذه الكلمات لربما زاحم علينا معناها غيرنا، فغزا حمنا أهل النفاق، فهم يكررونها يرددونها، ﴿إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله﴾، فهم يدعونها، لكن القيام بهذه الكلمة إخواني في الله يكون بالتزام بلوازمها. ومن خلالها تكون يا عبد الله حقًا قد رضيت بمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًا ورسولًا، وإن في هذا المقام لأشير إشارات كما ذكرنا في معاني الكلمات السابقات، ما هي المقامات التي ينبغي أن تتوفر فيك حتى تكون راضيا عن الله ربا، وراضيا عن الدين، عن الإسلام دين. أولى هذه المقامات يا عبد الله أن تلتزم بطاعته عليه الصلاة والسلام، تلتزم بطاعته، تنقض لأوامره، تجتنب ما كان من زواجره ونواهيه عليه الصلاة والسلام. وإن من تأمل في كتاب الله جل وعلا يرى أن هذا المبدأ، مبدأ الطاعة، من أعظم ما أشار إليه ربنا في كتابه. بل ما تكاد يا عبد الله تجد أن طاعة الله تذكر إلا وذكر معها طاعة الرسول، قل أطيعوا الله والرسول، يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول، حتى قال إمام أحمد رحمه الله تعالى: نظرت في المصحف فوجدت أن طاعة الرسول قرنت بطاعة الله في ثلاث وثلاثين موضعًا. ما ذكر طاعة الله إلا وذكر معها طاعة الرسول عليه الصلاة والسلام، إشارة إلى عظيم منزلة طاعته، إلى عظيم منزلة الطاعة لرسول الله عليه الصلاة والسلام، حتى أن هذا المقام هو الفيصل ما بين أهل الإسلام وبين غيرهم من أهل الكفر والشقاق والعناد من أهل النفاق. قال سبحانه: «قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين»، طاعتك لله، طاعتك لرسوله، والأصل خلافك عن ذلك يوقعك في الكفر. يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون. ولتكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون، إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون، ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم، ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون. هذا حال أهل النفاق وأهل الشقاق، ما يملكون إزاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا الصد والإعراض. بخلاف أهل الإيمان، أنهم يستجيبون لله ولرسوله عليه الصلاة والسلام، ولهذا كانت المقامات العظيمة في الدنيا والآخرة قد جعلها ربنا عز وجل لمن وطن نفسه لطاعة رسوله، فجعل الهداية لأهلها: ﴿وإن تطيعوه تهتدوا﴾، من أطاع الرسول تأتيه الهداية. وهكذا الجنان، ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار، قال عليه الصلاة والسلام: «كلكم يدخل الجنة إلا من أبى»، من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى. ومن هنا إخواني في الله كان لزامًا إذا كنت يا عبد الله كما تزعم تعتقد بأن محمد بن عبد الله هو نبيك وهو رسولك، برهن على ذلك بما يكون من طاعتك له. إن كان حبك صادقًا لأطعته، إن المحب لمن يحب مطيع. المقام الثاني مما يقتضيه معنى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد طاعته والالتزام بأوامره ونواهيه، ما يكون من صدق أخباره، من صدق حديثه. نبينا عليه الصلاة والسلام يخبر بأخبار، الإيمان بها يحتاج إلى قوة في التصديق، يخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم بأمور سلفت، بقصص ما كان منذ أن خلق الله جل وعلا الخليقة، أخبرنا نبينا عن قصة خلق آدم، وكم بين رسول الله وبين آدم أحقابًا، المئات والآلاف من السنين، لا يعلم بها إلا الله. ها هو نبينا يحدثنا بها، ثم ما بعد ذلك من الأجيال، من الأمم والشعوب، يخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم، هل نصدق بها؟ لا شك أن ذلك حق وصدق. ها هو نبينا عليه الصلاة والسلام يخبرنا بما غاب عن علمنا، يخبرنا بما تحت الأرض، بما يكون من البرزخ، بما يكون من عذاب القبر، بما يكون من نعيم القبر، بما يكون من فتنة القبر. ما يكون من الحياة البرزخية تحت أقدامنا، لا أحد يدري بهذا، حتى وجدنا من الزنادقة من المعتزلة من ربما يتشكك في أحاديث رسول الله، يقول: ماذا تقولون عن الحياة البرزخية؟ أهذا حق؟ ها نحن نبحث ونحفر القبور، فما نجد إلا هياكل عظمية. أين الذي تذكرونه أن القبر يتمدد، أن القبر يضيق على صاحبه إن كان معذبًا؟ أين ما تحكونه أنه روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران؟ نحن لا نصدق بهذا، نقول: نعم، لأنكم زنادقة، ولأنكم ضلال، لكن نحن كأهل إسلام نؤمن، نصدق، نكذب أعيننا ونصدق بما سمعناه بآذاننا عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. يخبرنا نبينا عن ما كان في السماء، عن ما كان في طبقات السماء العلا، عن عالم الملائكة، هذا العالم الغيبي، عن أشكالهم، عن وظائفهم، عن أعمالهم، عن ما يكون في السماء، وما أحد طائع، ولا أحد راغب، لكن نؤمن بهذا، نوقن بهذا، ما عندنا أدنى شك، أدنى شك بخبره، بصدقه عليه الصلاة والسلام. أخبر نبينا بما سيكون في المستقبل، وما يعبر عنه بدلائل النبوة، بدلائل النبوة، عن غزوات، عن معارك، عن ما سيكون من ملاحم، وعما يقع من تغيرات في مجريات أحوال الناس، ومع ذلك نقول بالعقل أن هذا إن لم يقع في حياتنا، فوالله سيقع في حياة أحفادنا، وبعد أحفادنا، ولو إلى آخر الزمن، لم تقوم الساعة حتى تقع ما أخبر به نبينا. نقولها عقيدة، هذا هو الإيمان إخواني في الله، الإيمان بكل ما أخبر به نبينا صلى الله عليه وسلم، وهذا هو المحك، عندما وقعت قضية الإسراء والمعراج، صعد نبينا وأسري به، الرحلة الأولى الرحلة الأرضية من المسجد الحرام إلى بيت المقدس، ثم الرحلة العلوية من بيت المقدس إلى السماء، ثم كان النزول. خيل يا عبد الله، فيأتي نبينا ويخبر الناس بما قد صار، وكان من هذا الذي سيتقبل هذا الخبر، حتى أن الكفار وجدوا أن هذا الخبر فرصة، فرصة في الطعن في دين رسول الله، من يصدق بهذا؟ تذهب وتصعد وتنزل في ليلة، ثم تصبح أنت بين ظهرانيهم، تذهب إلى بيت المقدس، تدركه بأكباد الإبل أشهر، ثم تقول: في ليلة ذهبت وراجعت، تقول: بهذا، قال: أنا أقول بهذا. حتى قال أبو جهل: قال يا محمد تنتظر حتى أجمع لك الناس، قال: أنتظر، فجاء أن جمع الناس، قال: قل يا محمد بما أخبرتني به، فأخبره نبينا مستيقنًا، فكان من بعض من أهل الإسلام من كان فيه شك، حتى جاء عند الصديق، قال: ألا ترى ما قال صاحبه؟ قال: وماذا قال؟ قال: أنه أسري به إلى بيت المقدس، ثم أعرج به. فقال: إني لا أصدقه بما هو أبعد من هذا عندكم، هذا فقط هذا الذي حيركم، أنا أصدق به، أن خبر السماء يأتيه في لحظة، هذا لا شيء، ومنه سمي أبو بكر بالصديق، صديق الأمة، ما عنده شك. فعلى قدر تصديقك يا عبد الله سترتقي في مقام الصديقية. وهذا المقام للأسف مثل هذه الأزمان أصبح يتهاوى، يتهاوى عند كثير من المسلمين، يتشككون في أخباره عليه الصلاة والسلام، وفيما يحدث به. لا يا عبد الله، من مقتضى الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًا ورسولًا أن تعلم أن الله قد أوحى إليه، ويوحي إليه، وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى. بل قال عليه الصلاة والسلام لأصحابه، وقال لكاتبه: «اكتب، اكتب، فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه -وأشار إلى فمه- ما يخرج منه إلا حقًا». فمن باب من أعظم مقامات التصديق بنبوة نبينا التصديق لأخباره. أخيرًا إخواني في الله، مما يقتضيه المقام في الإيمان بمحمد نبيًا ورسولًا ما يكون من الاتباع لسنته، والتمسك بمنهجه، والاقتداء بآثاره صلى الله عليه وسلم، فإن الله جل وعلا أرسل نبينا بهذا الدين، وبهذا الصراط المستقيم، وبهذا المنهج القويم، ثم أمرنا جميعًا أن نقتدي به. قد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر، تريد يا عبد الله أن يكون لك قدوة، أسوة، فعليك برسول الله، هو أسوتك، وهو قدوتك في ماذا؟ في كل شيء، في أقوالك، في أفعالك، في حركاتك، في سكناتك، في عقيدتك، في تعبدك لربك جل وعلا، في كل شيء، تأتسي به، تجعله نبراسك، وهو إمامك، تستمسك بغرزه، فلن تضل بعد ذلك. وإلا فالخروج عن منهجه ضلال، قال ربنا جل وعلا: «فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم»، وهذا هو مضمار أهل البدع، عندما شاقوا السنة النبوية، نبينا صلى الله عليه وسلم، لما يشرع العبادات أمر الناس أن يأخذوا بهديه. عندما يتوضأ ويتوضأ قال: «من توضأ نحو وضوء هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه». وضوءنا، طهارتنا، من فعله على هديه، صلاتنا على المثل في البخاري، صلى نبينا على منبره، فلما انتهى من صلاته قال: «يا أيها الناس إنما فعلت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي»، أراد أن يعلمنا كيفية الصلاة التي صلاها. ولهذا جاء في الصحيح: «صلوا كما رأيتموني أصلي». وهكذا قس في باب مناسك الحج والعمرة، ليست لأهوائنا، ولا آرائنا، ولا لساداتنا، ولا لأحد من مشايخنا، يزاحم السنة، قال عليه الصلاة والسلام: «خذوا عني مناسككم»، خذوا عني مناسككم. وهكذا قس يا عبد الله في سائر أبواب الدين، عقيدة، ومنهاج، وطريقة، وسبيل، وفقه، ومعاملة، وتعامل، كلها خذوا من بابه عليه الصلاة والسلام، هذه السنة التي أتى بها نبينا صلى الله عليه وسلم، والخروج عنها محل انتقاد، محل انتقاد على صاحبه. ولنا عبر في الثلاثة الذين سألوا عن عبادة رسول الله، فكأنهم تقالوها، فكأنهم تقالوها، حتى أرادوا الخروج عن هديه، فقال أحدهم: أما أنا فأصوم ولا أنام، أقوم ولا أنام، وقال الآخر: أما أنا فأصوم ولا أفطر، وقال الثالث: أما أنا فلا أتزوج النساء. فلما علم نبينا بهم قال: «ما بال أقوام يقولون كذا وكذا؟ أما إني أتقاكم لله وأعلمكم بالله وأخشاكم له»، أما إني أصوم وأفطر، وأقوم وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني، براءة، براءة. إذا كان هؤلاء في قوم أرادوا أن يشتهروا في عبادات محضة، فما ظنك بالذي يأتي بالطبل ويأتي بالدفوف، ويأتي بالرخص، ويأتي بابتداع، ويأتي بمخالفات، بل ويأتي ببدع على حساب السنة، يقيم بدع على حساب السنة، كيف يكون نبيه يتعامل معه؟ ولهذا جاء في الصحيح في يوم القيامة إذا اجتمع الناس على حوضه، فيمنع ناس من الشرب من حوضه، قال رسول الله: «فأنادي يا رب أمتي أمتي»، فيقال لي يا محمد إنك لا تدري ما أحدث بعدك، إنهم غيروا وبدلوا، قال: «فأقول سحقًا سحقًا سحقًا لمن بدل وغير». فلا تبدل ولا تغير، امضي يا عبد الله على ما مضى عليه نبيك صلى الله عليه وسلم من هذه الأعمال، فاقتدي به، واقتد به، وبهذا تكون يا عبد الله قد حققت مقام رضيت بمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًا ورسولًا. وبهذا المقام إخواني في الله نكون قد انتهينا من هذه الدروس، والتي فيها تنقلنا بين مباحث هذا الورد العظيم، بما كان من فضائله، بما كان من مناسباته، بما كان من معانيه، فحق على كل مسلم ومسلمة أن يذلل لسانه في اليوم والليلة بتكرار هذا الدعاء، بما يكون من معانيه، والقيام بما يرميه: رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًا ورسولًا. أقول ما تسمعون، وأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما سمعنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.