ما يستقبل به رمضان 1

الدرس في ما يستقبل به رمضان 1، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في أهمية مواسم الخير

يُشير الخطيب إلى أهمية مواسم الخير المتتابعة مثل شعبان ورمضان وشوال وذي الحجة، ويبين أن الهدف من هذه المواسم هو العمل الصالح. العمل الصالح هو السبيل لنيل حظ الدنيا والآخرة والحياة الطيبة.

أثر المواسم الدينية في استمرارية العمل الصالح

العمل الصالح هو سبب لتغير الأحوال للأفضل في الدنيا والآخرة، وتتابع المواسم الدينية يساعد على استمرار هذا العمل رغم الضعف والكلل الذي قد يصيب الإنسان. يُبين أهمية استمرار العمل الصالح في حياة المسلم.

اغتنام العمر في طاعة الله وحسن العمل

يُنبه الخطيب إلى أهمية استغلال العمر في طاعة الله، ويشير إلى أن طول العمر مع حسن العمل هو من علامات الخير. يُستشهد بحديث النبي عليه الصلاة والسلام الذي يدل على فضيلة العمر وحسن العمل.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، عباد الله، ها نحن الآن على أبواب موسم عظيم، ما هي إلا أيام وسيحل علينا زمن يعد من خيرة الأزمان، ألا وهو شهر رمضان، زين الشهور والأيام، سيد المواسم في كل زمان، هو شهر المغفرة والغفران، وشهر الرحمة والقرآن، شهر تتضاعف فيه الأجور والحسنات، وتزداد فيه الخيرات والبركات. وقبل الشروع، إخواني في الله، في ذكر ما ينبغي أن يستقبل به هذا الشهر المفضل، أود أن أشير إلى ما نحن فيه من تتابع المواسم علينا، ها نحن الآن نستظل بظل شهر شعبان، هو كذلك من مواسم أهل الإسلام، ففيه ترفع الأعمال إلى ربنا المتعال جل في علاه، ثم بعد شعبان رمضان، ثم بعد رمضان شوال، وهكذا يا عبد الله، شوال من الأزمان الفاضلة التي حث ربنا جل وعلا على اغتنامها وعلى صوم ست من أيامه. ثم بعد ذلكم يأتي شهر ذي الحجة بكماله وفضله وتمامه، بدءًا بالعشر الأول منه، وما يكون فيه من يوم عرفة، ومن يوم النحر، ومن أيام التشريق، وهكذا، فقس يا عبد الله ما أنعم الله به علينا من تتابع المواسم. إن كان من سؤال ينبغي أن يسأل ويطرح، ونحن نقلب ناظرين بين هذه المواسم التي أنعم الله بها علينا، ما الحكم؟ ما الحكم المستفادة من هذه المواسم المتتابعة؟ إخواني في الله، إن كان من استلهام، وإن كان من استخلاص للفوائد والعبر والعظات من تتابع مواسم الخيرات، فهي كالتالي: أولًا، فيها الإشارة والبيان والإيضاح لأهمية العمل الصالح، العمل الصالح هو الهدف المنشود والقصد المطلوب الذي لأجله أوجد الله هذا الوجود، ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾، هو الغاية الكبرى، وهي الغاية العظمى التي لأجلها أوجد الله جل وعلا الأنام، بل بقاؤنا وسر وجودنا على وجه الأرض إنما يكمن في أعمالنا، بوجود الأعمال وجدنا، وبذهاب الأعمال خسف الله جل وعلا بنا، ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون﴾. إذا كانت العبادات قائمة، يقيمها الأفراد والمجتمعات، فالله جل وعلا يرفع الشد والضراء والعذاب والنكال عن أهل الطاعات والعبادات، العمل الصالح يا عبد الله الذي به ننال حظ الدنيا والآخرة، ﴿من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة﴾، قال العلماء: الحياة الطيبة المرجوة من العمل الصالح تعود إلى الحياة الطيبة في الدنيا والحياة الطيبة في الآخرة، تكون بالعمل الصالح. ويؤيد هذا المعنى ما جاء في صحيح مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله لا يظلم مؤمنًا حسنة يعطى بها في الدنيا ويجازى بها في الآخرة»، هذه هي ثمرة الأعمال الصالحة، عطاء في الدنيا وجزاء في الآخرة، الأعمال سبب عظيم من أعظم أسباب تغير الأحوال، وهذا ما تجده يا عبد الله في دنياك من ستر الحال، ومن حسن البال، وسعة الأرزاق والأموال، وجمع الشمل بالأقارب والأحباب، وما يكون من نعمة صحة الأبدان والأجساد، وعموم الأمن والأمان في ربوع البلدان والأوطان. كل ذلك يا عبد الله سره يكمن في العمل الصالح، ﴿ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض﴾، ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغير ما بأنفسهم﴾، فالشاهد إخواني في الله أن العمل الصالح مهم جدًا في حياة كل مسلم ومسلمة. لكن الإنسان المسلم مطالب بالأعمال على وجه الدوام، كما قال ربنا جل في علاه: ﴿واعبد ربك حتى يأتيك اليقين﴾، حتى يأتيك الموت وأنت في طاعة وعبادة من صلاة وصيام وقراءة وذكر وخير وصلاح وفلاح. وإن الإنسان وهو يخوض غمار الأعمال ومطالب بالاستمرار إلى أن يتوفاه الله جل وعلا، لربما يعتريه ما يعتري كل إنسان من الضعف ومن الكلل ومن الملل ومن الفتور والضجر، ناهيك عما يبتلى به كل واحد منا من وسواس الشيطان الذي يضعفه ويعجزه ويثقله في استمراره لعبوديته لربه جل وعلا، ناهيك عن النفس الأمارة بالسوء، وهكذا ما يكون من تتابع الشهوات وأضرارها والفتن وشدتها. هذه الحواجز الكثيرة تحول بيننا وبين استمرارنا لعبادة ربنا جل وعلا، فهنا تأتي المواسم، تأتي المواسم هذه التي سمعتموها قبل قليل، تأتي المواسم إخواني في الله تحرك ما في القلوب وتحرك ما في الصدور من ضرورة الاستمرار والمشي إلى الله جل وعلا. لربما يعترينا الكسل والضعف، لكن يأتي هذا الموسم فنعلم أن فيه من عظمة الأجور ما فيه، فنقوم ونمضي، ثم يدب إلينا الكسل، ثم يأتينا موسم آخر فيأخذ بأيدينا ونمشي، ثم نتوقف، فيأتينا موسم ثالث وموسم رابع، وهكذا تتوالى المواسم على مدار العام، وكأنها في الحقيقة تدفع بنا دفعًا إلى أن نمضي إلى الله قدمًا في أعمالنا الصالحة. فلله الحكمة البالغة جل في علاه، لهذا فالمسلم يحمد الله حمدًا بعد حمد على ما من به علينا من تتابع المواسم المباركة المتتابعة تترى علينا، وهذه من أعظم الحكم التي يستفيدها كل مسلم ومسلمة من تتابع مواسم الخيرات. كذلك من الفوائد المستفادة من تتابع المواسم علينا إخواني في الله ما يكون فيه الإشارة إلى فضيلة إطالة الأعمار، نعمة العمر أن تجد أن الله جل وعلا قد مد في عمرك وأعطاك فسحة من دهرك، فها أنت يا عبد الله تتبع الموسم والآخر، تأتيك المواسم وأنت على قيد الحياة، تستغلها تغتنمها، ما ضيعتها، تتابع المواسم بين ناظريك، تدل على فضيلة وعظيم ما أنعم الله عليك من إطالة العمر. كم من أناس هم أشد منا حرصًا وأكثر منا حبًا أن يكونوا معنا، لكن سبقتهم الآجال وأخذتهم المنية وقضوا نحبهم وحيل بينهم وبين ما يشتهون، فأصبحوا من أهل القبور، تأتي المواسم وهم في قبورهم لا يستطيعون الحضور ولا المشاركة ولا الفعل ولا العمل، حبسوا وأصبحوا رهن أعمالهم التي عملوها. بينما أنا وأنت ها نحن على قيد الحياة، ها نحن في شعبان، ونسأل الله جل وعلا أن يبلغنا رمضان، ومن بعده شوال، ومن بعده ذي الحجة، ومن بعده شهر الله المحرم، هكذا تتاب علينا المواسم ونحن على قيد الحياة، نستغلها في طاعة الله، فهذه من أعظم نعم الله على من شاء من خلقه. قال عليه الصلاة والسلام: «ألا أنبئكم بخياركم؟» قلنا: بلى يا رسول الله، قال: «خياركم أطولكم أعمارًا أحسنكم أعمالًا»، خياركم أطولكم أعمارًا أحسنكم أعمالًا، إذا رأيت أن الله أطال في عمرك مع حسن عملك، فاعلم أن الله أراد بك خيرًا. وسئل عليه الصلاة والسلام: «يا رسول الله، من خير الناس؟» فقال: «خير الناس من طال عمره وحسن عمله»، فلينظر كل منا إلى نفسه، وها هو الرب جل وعلا أطال في أعمارنا، كيف تمضي؟ وإلى أين تذهب وتولي؟ فإن رأيناها أن الله قد أعاننا على استغلال هذه الأعمار في اغتنام مثل هذه المواسم، فلنعلم أن الله إنما أراد بنا خيرًا. وتأمل يا عبد الله في هذا الحديث الذي يدلك على فضيلة العمر، وهما رواه شيخ، وما ذكره شيخنا مقبل رحمه الله تعالى في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين، من حديث عبيد بن خالد في قصة الرجلين الذين آخى نبينا بينهما، فقتل أحدهما، ثم مات الآخر بعده بفترة، في رواية: ب«جمعة»، فلما مات الأخير منهما، قال عبيد: «فصلينا عليه»، قال نبينا: «ماذا قلتم؟» أي: في دعائكم، قلنا: يا رسول الله، دعونا الله له: «اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، اللهم ألحقه بصاحبه»، أي: يكون في درجة واحدة الذي مات قبله بأسبوع، هذا يدركه في درجة واحدة. فقال عليه الصلاة والسلام: «فأين صلاته من بعد صلاته؟ وأين صومه من بعد صومه؟ وأين عمله من بعد عمله؟» فلما بينهما كما بين السماء والأرض، ما يمكن أن يكون في درجة واحدة، مع أن الفارق أسبوع، لكن في هذا الأسبوع صلى وصام وقام وقرأ القرآن وذكر الرحمن وشغلها بطاعة الرب جل وعلا، فأحدث هذا الفرق. إذا كان هذا في حق من فرق بينه وبين أخيه بأسبوع، فما ظنك بالذي يطيل الله في عمره لسنوات وأنت تحضر مثل هذه المواسم؟ فهذا من عظيم إنعام الله على العباد. فهأنذا يا عبد الله تحضر رمضان تلو رمضان، ليس ذلك فحسب، بل وبقية المواسم تحضر رمضان وشعبان وشوال وذي الحجة وغيرها من المواسم العظيمة، وتشمر فيها عن ساعد الجد، اعلم أن الله أراد بك خيرًا. فالإنسان يستذكر دائمًا إذا مرت عليه مثل هذه المواسم، فليستذكر مثل هذه العبر والفوائد، فإن فيها بيان أهمية العمل الصالح، والتي لأجلها شرع الله جل وعلا لنا هذه المواسم، وفي هذه المواسم إشارة إلى عظيم ما أنعم الله به علينا من إطالة الأعمار. فنحمد الله جل وعلا حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه على ما أنعم علينا من نعمه ومن آلائه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.