الدرس في مختارات من الرياض الناضرة والحدائق النيرة الزاهرة 5، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح المقطع حكمة مشروعية الاجتماع في الصلوات الخمس وصلاة الجمعة والعيد، مبينًا أن ذلك يحقق التنافس في الخيرات وينشط المصلين ويعلم الجاهل. ويضرب مثالًا بصلاة التراويح كيف أن الجماعة تسهل الأداء وتزيل الكسل، موضحًا أن تكرار الاجتماع يجمع المسلمين على الخير بشكل لا يتيسر بغيره.
يستعرض المقطع ثمار الاجتماع على الصلوات الخمس منها الاقتداء بالصالحين وتعزيز الأخوة الإيمانية بالسؤال عن الغائبين. كما يذكر مضاعفة الأجر بنزول السكينة والرحمة وحضور الملائكة، وكثرة الخطى إلى المساجد التي تقوي الإيمان وتكشف صدق العبد.
يبيّن المقطع عظيم أجر كثرة الخطى إلى المساجد وانتظار الصلاة، ويؤكد أن المساجد بُنيت لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن لا للحديث الدنيوي. كما يحذر من استخفاف القلوب بحرمة المساجد ويطالب بتربية الأبناء على تعظيمها امتثالاً للآية الكريمة.
يؤكد المقطع على وجوب تعظيم المساجد باعتبارها بيوت الله المخصصة للعبادة، ويحث على تربية الأبناء على احترامها وعدم التعامل معها كالأماكن العادية. وينصح بتجنب القيل والقال فيها داعياً الله أن ينفع بذلك ويجعل المستمعين من المتبعين لأحسن القول.
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فلا يزال المؤلف رحمه الله تعالى، الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله، يعدد لنا فوائد الصلاة. قال رحمه الله تعالى: «وقد شرع الشارع الاجتماع للصلوات الخمس والجمعة والعيد، لما في الاجتماع من حصول التنافس في الخيرات والتنشيط عليها، والتعليم لأحكامها، والتعلم والتعليم لأحكامها؛ فإن العالم ينبه الجاهل، والجاهل يتعلم بالقول والفعل من العالم، ويقتدي الناس بعضهم ببعض». هذه كذلك فائدة عظيمة وحكمة جليلة من فوائد وحكم الاجتماع على الصلوات. فإن هذه الصلوات الخمس فرض ربنا سبحانه وتعالى على الرجال أداءها في جماعة في بيوت الله، هذا هو القول الصحيح من أقوال أهل العلم: أن صلاة الجماعة واجبة على الرجال البالغين في المساجد. فهذه الشعيرة العظيمة عندما تؤدى بهذه الكيفية فيها فوائد عظيمة. أولًا: الصلوات الخمس يجتمع فيها الناس كل يوم خمس مرات، كل يوم خمس مرات يجتمع المسلمون أو أهل الحارة الواحدة وأهل الحي الواحد في بيت من بيوت الله سبحانه وتعالى. وهذا الاجتماع فيه فوائد عظيمة، فمن فوائده كما ذكر: حصول التنافس في الخيرات والتنشيط عليها. فلا شك أن المسلم إذا رأى إخوانه الساجدين الراكعين المجتهدين التالين لكتاب الله، المحافظين على أوقاتهم، الخاشعين، الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات، يتأثر بهذا المحيط الذي يعيشه، فيزداد نشاطًا ويزداد رغبة في الخير. ونضرب لذلك مثالًا: صلاة التراويح. صلاة التراويح شرعت في هذا الشهر المبارك في جماعة، فصلاتها في جماعة من السنن المستحبة، من السنن المستحبة. فلو أن المسلم صلى هذه الصلاة في بيته لربما يفتر، لربما يكسل، لربما يتعذر بالأعذار: تارة أنه ما يحفظ كثيرًا من القرآن، وتارة أن الزوجة أو الأولاد شغلوه عن هذه الصلاة، وتارة وتارة. لكن لما تصلى في المساجد وفي بيوت الله مع الإمام، فإن المسلم ينشط في هذه الصلاة، وتسهل عليه، تسهل عليه هذه الصلاة، ويؤديها بكل سهولة ويسر، بكل سهولة ويسر. فهذا كمثال لفوائد الاجتماع لمثل هذه الصلوات. كذلك في هذا الاجتماع تعليم للجاهل وإرشاد للغافل. ففي هذه المساجد تلقى النصائح والدروس والعلم والخير، فيستفيد المسلم، يستفيد المسلم من هذا الاجتماع. نحن الآن أدينا صلاة العصر، فبعد هذه الصلاة جلسنا في المسجد، فسمعنا هذا الدرس وغيره وغيره من الدروس. فلا شك أن هذه من فوائد الاجتماع على الصلاة. ولولا هذه الصلوات لما استطعنا أن نجمع هذا الجمع في مثل هذا الوقت. ما استطعنا لو عملت إعلانًا: «معنا اجتماع في بيتي كذا وكذا، أو في مكان كذا وكذا»، ربما لو استطعت مرة ومرتين، أما في اليوم خمس مرات فسيمل الناس وسيترك الناس ذلك. لكن انظر كيف يجتمع المسلمون كل يوم خمس مرات في المسجد، وما ذلك إلا ثمرة وفائدة من فوائد هذه الصلوات. هذا بالنسبة للصلوات الخمس. ثم انظر إلى اجتماع المسلمين في غيرها من الصلوات كصلاة الجمعة، الصلاة الأسبوعية التي ربما يجتمع فيها أهل حارات كثيرة وأهل قرى ومناطق عديدة؛ لأن الصلوات الخمس محصورة في المسجد الذي يقرب من ساكنيه، لكن الجمعة ربما يجتمع لها عدة حارات وعدة مساجد صغيرة لا تقام فيها الجمعة. فاجتماع يوم الجمعة اجتماع أكبر، اجتماع أكبر أسبوعي. ثم انظر إلى اجتماع المسلمين لصلاة العيد، هذا اجتماع سنوي يجتمع الناس في صلاة العيد. ولذلك السنة في صلاة العيد أن يجتمع أهل البلد كلهم، أن يجتمع أهل البلد كلهم في مصلى واحد، يجتمعون ويستمعون الذكرى ويصلون صلاة العيد. فهذا يعتبر كذلك اجتماعًا موسعًا كبيرًا، يجتمع ربما الإنسان لا يرى أحد زملائه أو أحد أحبائه إلا في صلاة العيد؛ لأنه في مكان بعيد، ربما ما اجتمع به إلا في هذا الوقت. فهذا أيضًا من فوائد وثمار هذه الصلوات. هذه الصلوات... ثم قال: «ويقتد الناس بعضهم ببعض». لما تأتي إلى المسجد ترى صلاة العالم فتقتدي بصلاته، تقتدي بصلاته، ترى اجتهاد المجتهد فتجتهد باجتهاده، ترى كذلك سمت العالم وذوق الخلق الحسن فتقتدي به. وهكذا يقتدي الناس بعضهم ببعض، وما ذاك إلا باجتماعهم على هذه الصلوات. ثم هناك فائدة أخرى عظيمة اجتماعية ذكرها هنا المؤلف، قال: «وكذلك ما في الاجتماع من التواد والتواصل بين المسلمين وعدم التقاطع، وعدم التقاطع». هذا أيضًا فائدة عظيمة. لما تجتمع بأخيك المسلم في اليوم خمس مرات يكون بينك وبينه من السلام والجلوس والتفقد الأحوال. فإذا غاب سألت عنه: لعله يكون مريضًا، لعله يكون مريضًا يحتاج إلى زيارة وعيادة، لعله يكون مشغولا فيحتاج إلى إعانة، لعله يكون كذلك مسافرًا فهو يحتاج إلى استوداع تستودعه. وهكذا قس على ذلك أسباب غياب الأخ عن أخيه المسلم، فيكون في ذلك من التواد ومن السؤال ومن الأخبار التي بها يتراحم الناس ويتعاطف الناس. وهذا معنى من معاني الأخوة الإيمانية: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى». هب أننا لا نجتمع هذه الاجتماعات، هل ستعرف عن أخيك؟ هل ستلتقي به؟ وأين ستلتقي به؟ ربما ما يلتقي الجار مع جاره ولا الأخ مع أخيه إلا في الصلوات الخمس، إلا في الصلوات الخمس في المساجد. فهذه فائدة عظيمة جليلة من فوائد وثمار الصلاة. لماذا نحن والعلماء يذكرون هذه الفوائد؟ حتى تزداد محبتنا لهذه العبادة، وحتى نعلم حكم الشرع، فيزداد إيماننا ويزداد يقيننا بما شرع الله عز وجل لنا، فنزداد تمسكًا ومحبة لهذا الدين ولأحكامه وتعاليمه. فهذه الفوائد مما يزاد بها الإيمان. وهو كذلك من فوائد الاجتماع قال: «وما في ذلك من معرفة حال المصلين والمحافظين على الصلاة والمتهاونين». إذا أردت أن تعرف مدى صلاح وتقوى وإيمان العبد فقس صلاته، قس صلاته: هل هو من المحافظين عليها؟ هل هو من المحبين لها؟ هل هو من الحريصين عليها؟ ولذلك كان الصحابة يعرفون أهل النفاق بتخلفهم عن صلاة الجماعة، خصوصًا صلاة الفجر، كما قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: «وما رأيتنا يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق». فبهذه الصلوات يعلم المحافظ على الصلاة، كذلك المصلي، كذلك المحب لهذه الصلاة، فيعرف صلاح المرء من فساده. حتى إنك لترى الشاب يتقدم لخطبة الفتاة، فأول ما يسألون: هل هو يصلي؟ هل هو من أهل الصلاة؟ هل هو من أهل المساجد؟ لماذا يسألون عن هذه الخصلة أولًا؟ لأن صلاح الصلاة صلاح لأحوال العبد جميعا، كما تقدم معنا في مواضع عدة. فهذه أيضًا فائدة بها يعرف أحوال المصلين وأحوال الناس. قال: «ومضاعفة الأجر بالاجتماع». فمن فوائد الاجتماع كثرة الأجر. ولذلك قيدت أحاديث كثيرة وأجور عظيمة بالاجتماع، كقول النبي عليه الصلاة والسلام: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده». يعني هذه الأجور وهذه الجوائز مقيدة بأمرين اثنين: الأمر الأول أن تكون في المساجد: «في بيت من بيوت الله»، الأمر الثاني أن تكون باجتماع؛ لأنه قال: «مجتمع قوم»، والقوم هم الجماعة، والقوم هم الجماعة. فانظر إلى فضل الجلوس والمكوث في بيوت الله، وإلى فضل الاجتماع فيها، إلى فضل الاجتماع فيها: نزول السكينة، وكذلك الرحمة والملائكة ونحو ذلك. كل هذه ينالها المجتمعون في بيوت الله سبحانه وتعالى. قال: «وكثرة الخطى إلى المساجد». في اليوم خمس مرات تتردد على بيت الله سبحانه وتعالى، هذا يعد من الكثرة لأنه أكثر من الثلاثة، فثلاثة فأكثر هذا يعد يعني جمعًا، يعد جمعًا. فكيف بمن يتردد غير هذه الصلوات الخمس كالتكرار على صلاة النافلة أو التردد على الجلوس لسماع العلم أو التردد لذكر الله عز وجل في بيوت الله؟ فلا شك أن هذه الخطى فيها أجر عظيم، كما جاء في مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال عليه الصلاة والسلام: «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟» قلنا: بلى يا رسول الله. قال: «إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط». هذه أيضًا فائدة جليلة وعظيمة من فوائد الصلاة. فإن الغالب فيمن يتردد إلى المساجد من أجل أداء هذه الصلوات الخمس قصورًا... قال: «وما يتبع ذلك من قراءة وذكر وعبادات تفعل في المساجد بأسباب الصلوات». بل من جلس للصلاة يذكر الله فهو في صلاة، ما كانت الصلاة تحبسه. إذا كان جلس من أجل الصلاة فجلوسه كأنه في صلاة، كأنه يصلي. انظروا إلى عظيم فضل الجلوس في المساجد من أجل الصلاوات. ثم أنت تنتظر الصلاة فتقرأ القرآن، تدعو الله عز وجل، تذكر الله سبحانه وتعالى. ما تجد أحدًا ينتظر الصلاة وهو غافل، وهو لاهٍ، وهو يتحدث بحديث الناس، إلا من مرض قلبه ولم يستشعر فضل ذكر الله عز وجل في المساجد، والنهي عن كلام الناس وكلام الدنيا في المساجد. فما تنتشر من عادات في المساجد من حديث الناس بعضهم إلى بعض في أمور الدنيا، هذا مما جاء النهي عنه، ولم تبنَ المساجد لذلك. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [النور: 36]. هذه هي مهمة المساجد: ذكر الله، الصلوات الخمس، طلب العلم النافع، الدعاء، الاستغفار. فهذا هو المسلم الحق الذي يعرف فضل ومكانة المساجد. ولذلك لما جاء ذلك الأعرابي في حديث أنس في الصحيحين، فبال في طائفة المسجد، فزجره الناس، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك. فلما قضى بوله دعاه النبي عليه الصلاة والسلام وقال له: «إن هذه المساجد لا يصلح فيها شيء من هذا الأذى، وإنما هي للصلاة وذكر الله وقراءة القرآن». انظر حصر النبي صلى الله عليه وسلم يعني مهمة المساجد في هذه الخصال وهذه العبادات: الصلاة، ذكر الله، قراءة القرآن. فينبغي أن نعظم المساجد وأن نربي أولادنا على تعظيمها. ما نراه من ظواهر سيئة في المساجد من لعب الأطفال، ومن ربما رفع الأصوات أثناء الصلوات، أثناء صلاة التراويح تجد بعض الشباب في مؤخرة المسجد، وبعض الأولاد في يعني صحن المسجد يجرون ويلعبون ويرفعون أصواتهم. هذا في الحقيقة قد هانت في قلوبهم المساجد. وتجد هؤلاء الأبناء ليسوا ممن أتانا من خارج حارتنا، بل هم من أولادنا، وآباؤهم يصلون معنا. فلماذا لا يؤدب كل أب ابنه ويعلمه تعظيم المساجد؟ وأن هذه المساجد ليست كالشوارع، وليست كغيرها من البيوت، إنها بيوت الله سبحانه وتعالى، ينبغي أن تعظم، وينبغي أن ترفع عن كل ما لا يليق بها، عن كل ما لا يليق بها. ينبغي علينا أن نتعاون على هذا الأمر، وأن نمنع كل ظاهرة تؤدي إلى يعني عدم تعظيم المساجد، وعدم كذلك تعظيم ذكر الله عز وجل فيها. فقد قال ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32]. وأعظم شعائر الله، وأعظم شعائر الله هذه المساجد، هذه المساجد. فكما ذكر المؤلف أن هذه المساجد إنما هي لقراءة وذكر وعبادات، لا لقيل وقال، ولا للعب وجري، وكلام من كلام الناس، وإنما هي لذكر الله سبحانه وتعالى. ربما بعد الجمعة تجد حلقًا حلقًا ورفعًا للأصوات، كأنها ليست مساجد وإنما هي أسواق. وقال النبي صلى الله عليه وسلم وقد ارتفعت بعض الأصوات: «إياكم وهيشات الأسواق». هيشات الأسواق يعني رفع الصوت: هذا ينادي البضاعة بكذا وكذا، وعلى كذا وكذا، تعال عندي، وكذا، دي يصيح، وهذا يصيح، وهذا يرفع صوت. هذا من شأن الأسواق، لا من شأن المساجد. ينبغي أن تعظم المساجد، وأن يربى أولادنا على تعظيمها، وأن يفهموا أن هذه المساجد ليست كالشارع، وليست كبيوتنا، لأنها بيوت الله سبحانه وتعالى، أمرنا بتعظيمها، وهي مكان للمصلين، للساجدين، للراكعين، للداعين، للقارئين، لا للقيل والقال ونحو ذلك. فهذه نصيحة رأيت من المناسب أن أنصح بها في هذا المقام. ونسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا وإياكم بذلك، وأن يجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه. إلى هنا، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.