الدرس في رمضان والمقامات الحسان - مقام المحاسبة 11، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتحدث الخطيب عن أهمية محاسبة النفس في شهر رمضان لضبط النفس الأمارة بالسوء وتجنب الخسران. يشدد على ضرورة محاسبة النفس على الأعمال والتقصير في حق الله.
يُشدد على أهمية محاسبة النفس قبل يوم القيامة ويُذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم عن المحاسبة. يُوضح أن سلفنا الصالح عظموا أمر المحاسبة وبلغوا درجات عالية بفضلها.
يُحث الخطيب المسلمين على اغتنام ما تبقى من رمضان في الطاعات والعبادات، مع التركيز على العشر الأواخر باعتبارها أعظم من سابقتها. يشجع على أداء صلاة التراويح والتهجد وتلاوة القرآن.
يختم الخطيب الدرس بدعاء بأن ينفع الله المستمعين ويجعلهم يتبعون أحسن الأقوال، ويصلي على النبي محمد وآله وصحبه.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، عباد الله، إخواني في الله، فها نحن في منتصف رمضان، فإن كان من مقام نستضيفه في هذا اللقاء، فإنه سيكون حول محاسبة النفس. عباد الله، إن الإنسان في سيره إلى الله ليواجه العديد من العقبات والسدود التي تُثنيه عن المسير وعن الوصول إلى ربه الجليل جل وعلا، كالدنيا وزينتها، والشيطان ووساوسه، والشهوات ولذتها، والشبهات وأضرارها، والفتن وشدتها. وعلى رأس هذه القائمة التي تصدُّك عن سيرك إلى الله ما كان من أمر النفس الأمارة بالسوء. فقد اتفق السالكون على اختلاف مذاهبهم وتباين مشاربهم على أن النفس قاطعة بين القلب وبين الوصول إلى الرب، وأن الإنسان لن يصل إلى ربه إلا بعد مخالفتها. والناس على قسمين: قسم ضفر بنفسه فأفلح وأنجح، وقسم ضفرت به نفسه فخاب وخسر. فأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى، فإن الجنة هي المأوى. وإن الإنسان، إخواني في الله، متى ما أطلق لنفسه العنان بفعل ما تشتهي وتريد، فإنها تصدها، فإنها تصده عن الطريق، كما قال ربنا جل في علا: ﴿وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء﴾. بل ها هو نبينا، صلوات ربي وسلام عليه، كان يستعيذ بالله من شر هذه النفس، إذ إن هذه النفس فيها من الشرور، فكان يقول عليه الصلاة والسلام: «ونعوذ بالله من شرور أنفسنا». إخواني في الله، فهذه النفس التي بين جنوبنا لربما كانت سببًا من أعظم أسباب هلاكنا وبعدنا عن ربنا. ومن هنا تفطَّن العلماء إلى مقامات عظام من أعظم مقامات الدين والإسلام، هذه المقامات تضبط بها النفس، تضبط عليها النفس الأمارة بالسوء، حتى تكون كما أراد الله: معظمة لشرعه، منقادة لحكمه، مجتنبة لنهيه وزجره. ومن أعظم هذه المقامات التي ينبغي أن تربى عليها النفس مقام المحاسبة. إخواني في الله، إن الواحد منا في هذه الدنيا لو عمل أو اشتغل في حرفة، في مهنة، في عمل، في تجارة، فإنه بين الفينة والأخرى يحاسب نفسه على ما كان من مشاريعه، وما كان في خضم حياته، يحاسب نفسه على الخسائر التي تكبدها، على النواقص التي وقعت في فعله وأمره، ثم يعدل، ثم يصحح. هذا حال الناس في أمر الدنيا، لكن قل لي بربك كيف أحوالنا في ديننا؟ كيف نحن في ديننا في محاسبة لأنفسنا؟ الواحد منا لربما قد بلغ إلى الأربعين والخمسين ومن عمره إلى السبعين والثمانين، وما حاسب نفسه يومًا قط على ما فرط في جنب ربه، ما حاسب نفسه يومًا ما على كم من صلاة ضيّعها، كم من واجبات أهدرها، كم من نوافل أهملها، كم من صلة رحم قطعها، كم من معاص اقترفها، كم من حرمات انتهكها؟ إخواني في الله، إن من عظيم إنعام الله علينا أن الله جل وعلا أمد بأعمارنا لكي نصلح ما فات. فإن السعيد من تعظ بغيره. فكم من أناس كانوا قد وقعت منهم الهنات والزلات، لكن باغتهم الأجل ووافتهم المنية، فما استطاعوا أن يصلحوا ما فات، ولا أن يعوضوا ما عما سيأتي، فأصبحوا في أهل القبور رهنًا لأعمالهم. بينما نحن، إخواني في الله، نمشي وندب على وجه الأرض، فهل لا حاسبنا أنفسنا؟ يقول نبينا صلى الله عليه وسلم: «لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه - محاسبة - وعن شبابه فيما أبلاه - محاسبة - وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن علمه ماذا عمل به». هذا هو مقام المحاسبة، نحاسب أنفسنا على أعمارنا، على شبابنا، على ما مضى من أموالنا، وما كان من علمنا. ولهذا، ولغيره، إخواني في الله، عظم سلفنا الصالح من أمر المحاسبة عظموه جدًا. فلما كان هذا من تعظيمهم، حينها بلغنا من أخبارهم ما علمنا عن أحوالهم من الوصول إلى أعالي الدرجات والمسابقة والتنافس على الطاعات. ما كان هذا منهم إلا لما ربوا أنفسهم على مقام المحاسبة، دائمًا في محاسبة لأنفسهم. يقول عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن لكم، وتزينوا للعرض الأكبر، يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية». فقه عظيم يا عبد الله، عجل يا عبد الله قبل أن تنتظر أحدًا يحاسبك، أو أن يزن أعمالك، قم أنت الآن بوزنها، قم أنت الآن بفحصها. هل تحب أن تلقى بها ربك جل وعلا أم لا؟ «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن لكم». وكان الحسن البصري رحمه الله تعالى يقول: «المؤمن قوام على نفسه، يحاسب نفسه لله، فإنما خف الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر بمحاسبة، وإنما شق الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة». فالحساب، عباد الله، مقامه عظيم. فالذي دائمًا في محاسبة لنفسه يتابع أعماله، ما مضى من قضى ما كان من تفريطه في جنب ربه، ما دام في محاسبة ولا زال يصحح ويعدل من وضعه، فإنه سيأتي على أحسن حال يوم القيامة. فإنما خف الحساب يوم القيامة على قوم حاسبوا أنفسهم، وإنما شق الحساب على قوم أخذوا هذا الأمر بغير محاسبة. يمشي ولا يلتفت إلى الوراء، كم من نواقص، كم من ضياع، كم من خسران، كم من كبائر، كم من جرائم، كم من عظائم، ولا يلتفت إليها، ويتكدس عليه، فيأتي عند ربه جل وعلا، حين يقال: انظر الوراء، فينظر، لكن ماذا ينفعه النظر والندم حينها؟ فالله الله يا عبد الله بالمحاسبة. قال مالك بن دينار رحمه الله تعالى: «رحم الله عبدًا قال لنفسه: ألستِ صاحبة كذا؟ ألستِ صاحبة كذا؟ صاحبة ما مضى يحاسبها، يعاتبها، يوبخها توبيخ الدنيا ولا توبيخ الآخرة». فيقول: «رحم الله امرأة قالت لنفسها: ألستِ صاحبة كذا؟ ألستِ صاحبة كذا؟ ثم ذمها، ثم خطمها، فألزمها كتاب الله، فكان لها قائدة». هذا الذي ولده المحاسبة: تصحيح المسار. إخواني في الله، الآثار في هذا الباب كثيرة وكثيرة جدًا، تدل على ما كان من تعظيم سلفنا الصالح لمقام المحاسبة. وهذا المقام، إخواني في الله، ينبغي أن يكون معنا دومًا ما دامت هذه النفس تضطرب بين جنوبنا، فلابد أن نحاسبها، لابد من المحاسبة حتى نلقى ربنا جل وعلا. لكن المحاسبة في مثل هذه المواسم هي أكد، هي آكد توكيدًا، وينبغي أن نلقي لها بالا واهتمامًا. المحاسبة في مثل هذه المواسم التي حبانا الله جل وعلا بها لا بحولنا ولا بقوتنا، وإنما هو فضل محض من ربنا أن أخذ بنواصينا وأطال في عمرنا، وأن جعل فسحة لنا من دهرنا لحضور هذه المواسم العظام. فكان ينبغي، إخواني في الله، أن ننشغل عظيم الانشغال بمحاسبة أنفسنا. ها نحن، إخواني، في منتصف رمضان، خمسة عشر يومًا قد مضت من هذا الشهر المفضال، كيف كنا معه؟ أيامه تمضي سراعًا، ولياليه تنقضي تباعًا، فليحاسب كل منا نفسه، لا ينتظر أحدًا يحاسبه. كيف نحن، إخواني في الله، مع صلاة التراويح والتهجد؟ هل أديناها؟ هل تنافسنا عليها؟ أم أن الكسل سرعان ما دب إلينا؟ ولاحظ يا عبد الله إلى حال المصلين في بيوت الله، أصبحت الأعداد تتقلص، لا زلنا في المنتصف. الله يعيننا إذا وصلنا إلى الآخر. من الذي عسى أن نجد؟ ما نجد إلا من كان من أهل الصبر والاحتساب، وأهل الصدق مع الله. لكن يا عبد الله، حاسب نفسك: أين أنت من صلاة التراويح؟ أين أنت من صلاة التهجد؟ أين أنت من قيام الليل بشكل عام؟ أم أنك انشغلت عن ذلكم بالسمر واللعب والسهر؟ كما نرى من كثير من الشباب، للأسف، لو ربما يقضي الساعات الطوال على أرصفة الشوارع والطرقات، أو لو ربما تحت الشاشات لمتابعة هذه السخافات، وما كان من أمر الدورات والدوريات التي تقام في المباريات، وتأمر عليه الساعات الطوال، والناس قيام لبيوت الله، وهذا تحت الشاشة. حاسب نفسك يا عبد الله: أين أنت من كتاب الله؟ من القرآن قراءة وإقبالًا وتدبرًا وتفهما؟ هذا القرآن هو كتاب الله، أنزله بين يديك، ليس أي كتاب، هذا الكتاب ليس أي كتاب، هو كتاب الله. تأمل في العبارة: كتاب الله. الله جل وعلا تكلم به، فجعله بين يديك، فكيف أنت معه؟ هل أعطيته حظًا من وقتك في ليلك أو نهارك أو صبحك أو مسائك؟ هل أعطيته الحظ الذي ينبغي أن يليق بمقام القرآن في شهر الصيام أم لا؟ وهكذا قس في سائر الطاعات والعبادات والأعمال والأحوال والأقوال، كيف نحن معها؟ إخواني في الله، فكان لزامًا على كل واحد منا أن ينظر إلى ما قد مضى وانقضى من أعماله، ومن تقصيره، ومن تفريطه في حق ربه. فنحن في هذا الموسم، يا عبد الله، من أعظم مواسم أهل الإسلام، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة. احسبها، والله لن تستطع على هذه المعادلة: حسنة اضربها بعشرة، اضربها بسبعمائة، ثم اضربها، لا نهاية. هذا أجر ماذا؟ أجر كل عمل صالح، ليس الصوم، ليس الصوم فقط. حتى قال إبراهيم النخعي رحمه الله تعالى: «تسبيحة في رمضان خير من ألف تسبيحة في غيره، وركعة في رمضان خير من ألف ركعة سوى رمضان». تسبيحة ولا ركعة أفضل وأعظم أجرًا عند الله من ألف تسبيحة في أي شهر مضى وانقضى. تجد الساعات تمر علينا لا نستفيد فيها لا في عمل دين ولا في عمل آخرة. ولهذا، إخواني، فلا نحن في تجارة مع الله من خاض فيها لن تبور تجارة، وليس الدنيا. فالله الله يا عبد الله، ونحن في هذا اليوم، ونحن في منتصف رمضان. ومع ذلك، يا عبد الله، لا تيأسن، واعلم أن فضل الله واسع. ومن أعظم ما نبشر به أنفسنا، ونسل بها أنفسنا المقصرة التي غلبتنا في هذه الأيام التي مضت، أن ضيعت علينا من أوقاتنا، أن نسل أنفسنا بأننا نشمر عن ساعد الجد فيما سيأتي، لأن ما سيأتي أعظم ممن قد مضى. فالمواسم في آخرها أعظم أجر من أولها. ولهذا، العشر الأول من رمضان عظيمة، أعظم منها العشر الأواسط من رمضان، أعظم منها العشر الأخير من رمضان. ولهذا، يا عبد الله، فهذه فرصة لا زالت سانحة لنا، يا من قد صرت في حق ربك جل وعلا، فاجعل لله عوضًا فيما سيأتيك. وأما من صابر وثابر، فيا عبد الله، اصبر، فما بقي إلا القليل، فهي أياما معدودات، تستمر على ما كنت عليه من إقبالك على الصيام والقيام، وعلى ذكر الله وقراءة القرآن، وعلى البر والإحسان، حتى ينقضي هذا الشهر المفضل وأنت على أحسن حال. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.