الدرس في كتاب الصيام 15، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبيّن المقطع خلاف العلماء فيمن أخّر قضاء رمضان حتى دخل رمضان آخر، حيث أوجب الجمهور القضاء مع الفدية على المفرط بينما اقتصر الحنفية على القضاء فقط. ويُفرّق بين المعذور شرعاً الذي يكتفي بالقضاء والمفرط بغير عذر الذي يترتب عليه الخلاف المذكور.
يتفق العلماء على وجوب قضاء أيام النذر إذا لم يُصمها الناذر، واختلفوا في وجوب الفدية (كفارة اليمين) معها فرُجّح استحبابها احتياطاً. ومن أفطر في النذر بغير عذر وجب عليه القضاء مع كفارة اليمين لكون النذر يميناً.
يناقش المقطع الخلاف الفقهي في وجوب التتابع في قضاء رمضان والنذر، مرجحاً عدم وجوبه واستحباب المبادرة بالقضاء متتابعاً. والصحيح أن التتابع والفورية مستحبان لا واجبان، فيجوز تفريق أيام القضاء وتأخيره.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين. الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: بالمعاني البديعة. مسألة: عند الشافعي إذا لم يمكنه قضاء رمضان حتى دخل رمضان آخر، قضى ما عليه ولا فدية عليه. هذا، أخذنا المسألة. قال: مسألة عند الشافعي ومالك وإسحاق وأحمد وابن عباس وابن عمر وأبي هريرة وأكثر العلماء: أنه إذا لم يكن له عذر في التأخير، أنه يصوم رمضان الحاضر، ثم يقضي ما عليه بعده، ويلزمه مع القضاء عن كل يوم مدا. وبه قال من الزيدية: يحيى، على الصحيح من مذهبه. وعند الحسن والنخعي وأبي حنيفة وصاحبيه والمزني: يقضي الصوم ولا فدية عليه. وبه قال من الزيدية: الناصر وزيد بن علي، واختاره منهم المؤيد أيضا. هذه المسألة: إذا كانت هناك أيام على شخص ولم يقضيها حتى دخل رمضان الآخر، فإن من يكون معذورا عنده عذر، فإذا كان معذورا فيبقى عليه القضاء ولو بعد رمضان الآخر. مثل: امرأة عليها أيام من رمضان وحملت، أو كانت حائضا، معنى: مريضة، أو رجل مريض، أو غيره، أو مشغولا جدا ما استطاع أن يصوم. فإن كان معذورا عن القضاء، فإنه لا شيء عليه، لا يلزمه الكفارة أو الفدية، وإنما يلزمه القضاء فقط، كما قال الله عز وجل: ﴿أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ ۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. يقضيها في أيام أخر. لكن إذا لم يكن معذورا، ما عنده عذر، وإنما تفريط، فرط في القضاء حتى جاء عليه ودخل عليه رمضان وهو لم يقضي الأيام التي عليه. وهنا قال هؤلاء الذين ذكروا المؤلف: هم جمهور العلماء. وجاء أيضا عن الصحابة: عن ابن عباس، وعن أبي هريرة، وأكثر العلماء: على أنه مع القضاء أيضا يطعم عن كل يوم مدا، يطعم عن كل يوم مسكينا. هذا مع القضاء. وهناك من العلماء من يقول: لا، ليس عليه فدية. والأصل من ناحية الأدلة: لم يأت شيء يدل على الفدية، بل قال الله عز وجل: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، ولم يحدد هذه الأيام، فلذا فالقضاء ثابت. وأما من ناحية الفدية: فمن فعلها احتياطا أفضل لقول الصحابة، لأنه قد جاء هذا القول عن الصحابة: عن ابن عمر، وابن عباس، وأبي هريرة. فلذا من باب الاحتياط فعلها، وإلا لم يأت في الأدلة هذه الفدية، وإنما جاء القضاء: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. قال: مثل عند الشافعي وأبي حنيفة: إذا نذر صيام شهر بعينه فلم يصمه لعذر أو لغير عذر، وجب عليه القضاء، ولا يلزمه مع القضاء كفارة يمين. وعند أحمد: إن تركه لغير عذر ثم صام، لزمه مع القضاء كفارة يمين. وإن تركه لعذر وصام، لزمه مع القضاء كفارة يمين على رواية. وعند الإمامية: إذا تركه لغير عذر، وجب عليه القضاء والكفارة. هذه الآن المسألة: إذا نذر إنسان صيام شهر بعينه أو أيام بعينها، فنذر لله عز وجل أن يصوم هذه الأيام، ثم لم يصومها إما لعذر أو لغير عذر، فهنا يجب عليه القضاء، وهذا لا خلاف فيه، لا بد أن يقضي هذه الأيام التي نذر أن يصومها، لأنه بنذره أوجب على نفسه هذا الصيام. والنبي عليه الصلاة والسلام قال: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ». فما دام أنه نذر نذر طاعة، فيجب عليه الوفاء، فيجب عليه أن يفي بهذا النذر. فقال: مثلا نذرت لله أن أصوم ثلاثة أيام من هذا الأسبوع، أو نذرت أن أصوم شهر الله المحرم، هو مستحب، لكن بنذره يكون واجبا. إذا نذر يكون واجبا. فإذا أوجب على نفسه صيام شيء ثم لم يصمه، واجب عليه القضاء، واجب عليه أن يقضي هذه لأنها واجب عليه. لكن هل فيه كفارة؟ هل يلزمه الكفارة؟ فمن أهل العلم من قال: يلزمه الكفارة، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ»، أي مع القضاء. ومن أهل العلم من يقول: أنه لا تلزمه، لأنه قد قضى، قد قضى هذه الأيام. لكن الظاهر: الكفارة من باب الاحتياط، لأنه قد أوجب على نفسه أن يصوم تلك الأيام وهو لم يفي بهذا النذر، وأيضا بدون عذر. أما إذا كان عنده عذر، فلا كفارة عليه، إذا كان مثلا مريضا أو سافر في تلك الأيام أو كذا، فلا كفارة عليه. لكن إذا لم يكن معذورا، فإنه يقضي ويكفر، يقضي ويكفر عن يمينه، لأن النذر يمين، لأن النذر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ». قال: مسألة: عند الشافعي وأكثر العلماء وأحمد: يستحب أن يقضي ما عليه متتابعا. وعند الطحاوي: التتابع والتفريق سواء. وعند داود: لا يصح إلا متتابعا. مسألة القضاء: هل يقضي متتابعا أو لا؟ الصحيح أنه لم يأت ما يدل على التتابع. الصحيح أنه لم يأت ما يدل على التتابع. لكن يستحب أن يقضي فورا، يستحب أن يقضي في مثلا شوال، ويتتابع عليه، هذا الأفضل لأنه ألزم للأمر. وإن لم يستطع أو لم يصم، فلا شيء عليه، ولم يأت ما يدل على الإلزام. وقد كانت عائشة رضي الله عنها تقضي أيامها في شعبان لشغلها برسول الله صلى الله عليه وسلم، فيدل على جواز لو أخر. وأيضا لو فرق، ولو فرق الصيام لا بأس، لا بأس أنه يفرق الصيام، يصوم يوم، ويصوم بعد أسبوع يوما، بعد شهر يوما، ما في شيء. لكن الأفضل أنه يقضي ما عليه، يقضي ما عليه، لأن هذا دين، مثل ما قال النبي صلى الله عليه وسلم لتلك المرأة: «إِذَا كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَتَهُ؟» قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: «فَدِينُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى» أو قال: «حَقُّ اللَّهِ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ». فدين الله أحق بالقضاء. أن هذا الذي يكون عليه أيام من رمضان أو أيام من نذر أو غيره فهو في ذمته، فهو دين عليه لله، فلابد أن يفيه. فلذا قال النبي عليه الصلاة والسلام لهذه المرأة هكذا. قال: عند الشافعي وأبي هريرة وأنس ومعاذ ورافع بن خديج ومالك وأبي حنيفة وصاحبيه وسائر الزيدية والأوزاعي: لا يجب التتابع في قضاء رمضان. وعند علي بن عمر وعائشة والحسن وعروة والنخعي وداود من أهل الظاهر: التتابع واجب. فهذا قال من الزيدية: أنه سواء أفطر متتابعا أو متفرقا. الصحيح كما ذكرنا: أنه لا يجب، وإنما يستحب، كما تقدم في المسألة الأولى، يستحب التتابع، وأيضا الفورية في القضاء. وإن لم يقضي أو فرقه، فهو جائز. تفريق القضاء أيضا جائز. طيب، إن شاء الله تعالى نكتفي بهذا، ونكمل في درس لاحق. الله تعالى أعلم. شكراً للمشاهدة.