التحذير من الغرور 4

التحذير من الغرور 4

الدرس في التحذير من الغرور 4، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

صفات أهل الغرور وخطورتها

يتحدث عن صفات أهل الغرور مثل احتقار الآخرين وعدم أخذ النصح، ويبين خطورة الغرور والترفع واعتبارهما من الصفات الذميمة التي يعاقب عليها الله.

علاج الغرور بالتواضع وشكر الله

يتناول علاج الغرور بالتواضع والتفكر في مصدر النعم، وأهمية شكر الله تعالى على النعم التي أنعم بها على الإنسان وتوجيهها فيما يقرب إلى الله.

ختام وتأكيد على أهمية الصلاة على النبي

يختتم بالتأكيد على أهمية الصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه، ويظهر الدعاء بالنبي وآله في الختام.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، في درس سابق، إخواني في الله، تحدثنا عما يتعلق بظاهرة الغرور، وما يكون من أمر العجب بالنفس والترفع على الغير، ما يكون من ذكر أعظم سبب من أسبابه، ألا وهو الشعور بالقوة في أي جانب من جوانب الحياة، لكان هذا الباب من أعظم الأسباب في اغترار الآدمي على غيره، سواء كان قوة في البدن، قوة في المال، قوة في النفوذ، قوة في الصحة، قوة في العتاد، قوة في الجمال، قوة في الأحساب والأنساب. ثم أشرنا، إخواني في الله، إلى ما ينبغي، وهنا نعرج إلى مسألة وهي إلى بعض ما يتعلق بصفات أهل الغرور. وأشرنا أن من أعظم صفاتهم ما يكون من احتقار الآخرين، وأيضا ما يكون من عدم أخذ النصح بقول الغير، وأيضا كذلك ما يكون من تميز أهل الغرور أنفسهم بأقوال أو أفعال أو أحوال. وأيضا مما يذكر من صفات أهل الغرور، إخواني في الله، ما يكون من عدم إنزال الناس منازلهم، فهو يدعي على حد زعمه أن الناس عنده سواسية، الناس عنده سواسية فيعامل الكل على معاملة واحدة، وهذا ليس بصحيح. صحيح أن الناس سواسية، لكن أمام ماذا؟ أمام شرع الله، الناس سواسية أمام شرع الله جل وعلا، لا فرق بين هذا والكل ينقاد لشرع الله، لكن في باب التعامل الناس ليسوا سواسية. قال عليه الصلاة والسلام: «ليس منا من لم يوقر كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعالمنا حقه». فالشرع غاير في التعامل بين الناس، فلابد أن المسلم الحصيف يعطي لكل إنسان منزلته. أما أهل الغرور، لما في نفسه، لا يريد أن يرفع أحد على أحد، بل يجعل الناس كلهم دون حيث تكون رفعة له فقط لا غيره. كذلك من صفات أهل الغرور، إخواني في الله، ما يكون من اعتزاز المغرور بنفسه واعتزازه بقوله ورأيه، فهو يرى أنه هو الكل في الكل، فما هناك رأي إلا رأيه والقول قوله. ويتفرع من ذلك، من هذا السلوك المشين من اعتزاز المغرور برأيه، يتفرع من ذلك مثلا أنه لا يستشير أحدا في أموره، مع أن الشورى أمرها طيب، بل ندب الله إليها وحث عليها ورغب فيها، وأمر شورى بينهم. وقيل: «وما خاب من استشار». تستشير غيرك حتى تكتمل العقول في الوصول إلى نتيجة سلمية، لكن المغرور يقول: من هذا الذي أستشيره في أمري؟ لا أحد ما يرى الناس يوازونه في عقله، فيرى أنه هو المهيمن، فلا يتنازل إلى مسألة الشورى، فلا يشاور غيره، وهذا من صفة أهل العجب والغرور. كذلك من صفته أنه يعتز برأيه، أنه دائما يتحدث عن نفسه: «أنا وأنا وأنا»، ما إن يجلس مجلسا إلا وحبذا يشير لا لغيره، ما يشير إلى الناس، يشير إلى فلان أو فلان مدحا أو كذلكم شكرا أو ثناء، إن كان سيشير. إن من إشارة دارة إشارة إلى نفسه: «أنا أنا أنا فعلت وأنا صويت وأنا كذا وأنا لي مواقف وأنا لي مشاهد وأنا». ومقابل ذلك أنه يغمر الناس حقهم، وهذه من صفة أهل العجب والغرور، لا يرى أن أحدا له مواقف إلا هو، فهو دائما يتحدث عن نفسه: «أنا وأنا»، ويكأنه ليس في الكون أحد له فضائل إلا هو. إخواني في الله، هذه بعض ما يتعلق بصفات أهل الغرور. نأتي إلى المبحث الأخير من المباحث المهمة في هذه الصفة الذميمة: كيف يعالج المرء نفسه من هذا الداء؟ كيف يتعالج من مرض العجب؟ من مرض الكبر؟ من مرض الغرور؟ من مرض الاغترار على عباد الله؟ المبحث الطويل، إخواني في الله، لكن حسب أن أشير إلى هذه المسألة ببعض الإشارات. من أعظم ما نندفع أو ندفع جميعا عن أنفسنا هذه الصفة الذميمة أن نستشعر بعظيم الإثم الذي يناله المغرور من جراء فعله وقوله وحاله. إثمه عظيم، مر معنا في درس الظهر قول النبي عليه الصلاة والسلام: «من لبس ثوب شهرة ألبسه الله ثوب مذلة يوم القيامة». فهذا المغرور يعامله الله جل وعلا على نقيض فعله. ناهيك عما يكون من الكبر ومن الترفع، وكل هذه أمراض قلبية وأمراض خلقية يحاسب عليها المرء. وأمر الأخلاق والآداب، إخواني في الله، من أعظم أمور الدين، بها يكون الحساب والعقاب، بها يكون الجنة والنار. فاحذر يا عبد الله أن تترفع، لأن في ذلك من الإثم العظيم ما الله به عليم. بل أخبر نبينا صلى الله عليه وسلم عن رجل خرج على الناس بجبته، فلا يزال يتبختر بها حتى خسف الله به الأرض، يتبختر يتبختر بمشيته، يتبختر بلبسته، كحال أهل الغرور والترفع، يرى الناس أنهم كالدر دونه وهو الكل، فالكل غضب الله عليه، فخسف الله به الأرض. فما سلم يا عبد الله إلا التواضع، أنت تواضع، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله. ولنا عبر برسول الله عليه الصلاة والسلام، فقد كان إمام المتواضعين. مما يعالج به، إخواني في الله، خلق الغرور والعجب أن هذا المغرور عليه أن يتأمل في هذا الجانب القوي الذي به اغتر على غيره. أن لك هذا، أن لك هذا من أين جئت بهذه القوة؟ من أين جئت بالنفوذ؟ من أين جئت بالمال؟ من أين جئت بالسلطان؟ من أين جئت بهذه النعم التي جعلتها مطية أن تترفع على غيرك فيها؟ يا عبد الله، ليست من جيبك، وليست من كدك، ولا من كد أبيك، ولا من كد أمك، إنما هو فضل محض من ربك، فضل محض من ربك سبحانه وتعالى، لا تملك أنت إزاءه شيئا، وإنما الله جل فعلا هو الذي جعلك على الذي أنت الآن فيه على هذه الحالة. وقال ربنا جل وعلا: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾. الله عز وجل هو الذي أنعم عليك، هو الذي جعل سبحانه وتعالى جعل هذا غنيا ثريا مليونيرا بفضل من الله، بالمقابل جعل الله جل وعلا هذا العبد فقيرا مسكينا معدما، بالمقابل جعل الله جل وعلا هذا قويا صحته بغاية الصحة والقوة والجلدة، ليقابله جعل الله جل وعلا من الناس من هو مريض سقيم مقعد مشلول لا يتحرك. وهذا جعله الله جل وعلا له المناصب العالية التي دانت له رقاب العباد، وذاك جعله ربنا جل وعلا حقيرا في مجتمعه لا يؤبه له، إن شفع لا يشفع، وإن استأذن لم يؤذن له لحقارة عند أعين الناس. هذه الأحوال، هذه الأوباع هي من الله سبحانه وتعالى. والله فضل بعضكم على بعض في الرزق. الله سبحانه وتعالى هو الذي فضل الناس وجعل الناس على درجات وعلى مراتب. قل: «اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير». وأنت يا عبد الله يا من أعطاك الله الجمال والدلال وهذا الصفاء والنقاء والبهاء وجعلك حسنا، من أن لك هذا؟ هل أنت شكلت هذا الوجه على هذا المنح بأن جعلت لك الآن في الطول والشعر الأشقر؟ هذا ليس لك، هو إنما خلقة الله، خلقة الله، خلقك الله هو سبحانه هو الذي أوجدك. وهكذا قس يا من أعطاه الله النعم، فما من نعمة من نعمة المال أو الصحة أو القوة أو النفوذ أو العقار، اعلم يا عبد الله أن الله هو الذي تفضل بها عليك لا بحولك لا بقوتك. فعلى ما تستكبر يا عبد الله على خلق الله؟ ويكأنك تحوز هذه النعمة إلى نفسك، ويكأنك بكدك وكد أبيك وأمك، لا. فإن المغرور والله لو استشعر بهذه الحقيقة لم اغتر على عباد الله، لم اغتر على عباد الله، لعلمه أن الله هو الذي تفضل عليك، هو الذي أعطاك ومنع ذاك، سبحانه هو الذي أعطاك ومنع ذاك. أخيرا، إخواني في الله، في هذا المقام مما أذكره مما يعالج به مسألة العجب والغرور والتفاخر أن هذه النعم ينبغي أن تستغل بالشكر، هذا الواجب يا عبد الله إزاء نعمة الله. إذا أنعم الله عليك بنعمة ما لها سبيل إلا الشكر، أنك تتوجَّه إلى مزديها وإلى موليها وإلى معطيها وهو الله جل وعلا، أن تُقبل عليه بالحمد والثناء والشكر والعطاء، وأن تستغل هذه النعمة التي حباها الله لك تستغل فيما تُقربك إلى الله، هذا الذي ينبغي. اغتنم خمسا قبل خمس: اغتنم حياتك قبل موتك، وصحتك قبل سقمك، وشبابك قبل هرمك، وغناك قبل فقرك. فهذه نعم حباك الله بها، كيف تُستغل؟ تُستغل أنك تستغل فيما يُقربك إلى الله سبحانه وتعالى. وأعظم ما يُقربك إلى الله مقام الشكر، فإن النعمة كلما عظمت فإن شكرها يعظم، هذه قاعدة الأصل. أنك تحمد الله وتشكر الله على كل نعمة، كما جاء في الصحيح: «إن الله يحب العبد إذا أكل الأكلة يحمده عليها وإذا شرب الشربة يحمده عليها». يحب الله هذا منك على ماذا؟ على الطعمة وعلى الشربة، على أي شيء من نعم الله. إذا كان هذا في سائر النعم، فما ظنك بنعمة ميزك الله جل وعلا بها من دون سائر الناس؟ أعطاك الله فيها قوة وكثرة ووفرة، أعطاك الله نفوذا وسلطانا، أعطاك الله مالا كثيرا، أعطاك الله حسبا وأصلا ونسبا، أعطاك الله صحة وعافية، أعطاك الله جمالا ودلالا. إذن هذه النعم لما تزداد في رصيدنا، من الذي يقابل؟ سيزداد لابد يزداد مقام الشكر. ولهذا قال ربنا سبحانه وتعالى، أو قال نبينا عليه الصلاة والسلام لما علق نبينا بعظيم إنعام الله عليه: «وكان فضل الله عليك عظيما»، فضل الله على نبيه كبير عظيم، ما الذي فعل نبينا؟ إذا هذا الفضل العظيم ضاعف الشكر، ضاعف حتى أنه كان يقوم من الليل حتى تتورم قدمه، يسأل عن هذا الجهد الجهيد، قال: «أفلا أكون عبدا شكورا»؟ شكر شكر قوي لأن الإنعام عظيم. فلهذا، إخواني في الله، فمن أعطاه الله نعم وأعطاه الله كثرة وأفر في أي باب، سبيلك يا عبد الله أنك تشكر، لأن الشكر فيه ماذا؟ بقاء لهذه النعمة، وأيضا فيه الزيادة، كما قال ربنا: ﴿وَلَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾. فمن كان عنده مال فشكر الله أكثر الله من ماله، من كانت عنده جاه وسلطان فشكر الله قوى الله سلطانه، من كان عنده صحة وعافية فشكر الله مده الله عز وجل صحة فوق صحته، وهكذا قس يا عبد الله. ومن كان رفيعا في قومه بأصله ونسبه وحسبه فشكر الله وحمد الله رفع الله مقامه وعز سلطانه، وهكذا قس. هذا هو الأصل يا عبد الله في تعاملنا مع نعم الله، لا أنك تنتظر من الناس أن يشكرونك، كحال المغرور، المغرور هذا الذي تنعكس عنده الآية، عنده نعم فيريد أن هذا النعم الذي ميز بها أنه يريد من الناس ما الذي يريد من الناس؟ الثناء، الشكر، الإشارة إليه بالبنان، ذكره بحسن اللسان، أنه يميزونه، أنه يمجدونه، أنه يقدمونه، أنهم يعظمونه، لا. يا عبد الله، أليس الأمر كذلك؟ بل يعكس، إذا كان عندك نعمة ميزت بها، لا تنتظر من الناس، وإنما الله ينتظر منك أنت أنك تقدم على شكره وحمده. فهذا، إخواني في الله، من أعظم ما يعالج به مرض المغرور، ومن ابتلي بمرض العجب بما أنعم الله عز وجل عليه بالنعم. وبقي أمر آخر نرجو الكلام عليه إن شاء الله في درس غد، وهو من أعظم أسباب علاج هذا المرض الذي يتسلل إلى قلوبنا ونفوسنا. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.