شرح كتاب الصلاة من عمدة الأحكام 65

الدرس في شرح كتاب الصلاة من عمدة الأحكام 65، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

أحكام وآداب صلاة الاستسقاء والأدعية الواردة فيها

يستعرض المقطع أحكام صلاة الاستسقاء وآدابها مستنداً إلى كتاب «عمدة الأحكام»، مبيناً مشروعية التوسل بالصالحين كما فعل عمر مع العباس، ومعاوية مع يزيد بن الأسود. كما يذكر أدعية الاستسقاء قبل المطر وعند نزوله وبعده، مع بيان درجة صحة الأحاديث الواردة في ذلك.

مشروعية صلاة الخوف وكيفياتها وحكمها بعد وفاة النبي ﷺ

يشرح المقطع مشروعية صلاة الخوف ونزولها في السنة السادسة هجرية، مبيناً أنها ليست صلاة مستقلة بل أداء للفريضة في حال الخوف من عدو أو غير ذلك. يستعرض كيفياتها المتعددة (حتى ستة عشر وجهاً) وأنها من باب اختلاف التنوع لا التضاد، ويناقش خلاف العلماء في بقاء مشروعيتها بعد وفاة النبي ﷺ، مرجحاً قول الجمهور باستمرارها لعمل الصحابة بها ولعموم الخطاب القرآني.

الصور الثابتة لصلاة الخوف عن النبي ﷺ واختلاف كيفياتها

يستعرض المقطع ثلاث صور لصلاة الخوف صلاها النبي صلى الله عليه وسلم: الأولى بصفين والعدو خلفهم يتناوبون الركوع والسجود، والثانية يقوم الإمام بعد الركعة الأولى لتتم الطائفة الأولى ثم يجلس لتتم الطائفة الثانية، والثالثة والعدو أمامهم تجاه القبلة فيسجد الصف المقدم والمؤخر بالتناوب. ويختم بقول الخطابي إن الصور متفقة في المعنى ويُختار الأحوط للصلاة وأبلغ في الحراسة، مع الإشارة إلى صلاة المسايفة عند شدة الخوف.

خاتمة الدرس والدعاء بالختم

يختتم المتحدث الجلسة بالاكتفاء بما ذُكر، ويصلي على النبي محمد وآله، ويحمد الله رب العالمين، مفوضاً العلم لله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فقد مر معنا في الدرس الماضي الكلام حول باب الاستسقاء من كتاب الصلاة من «عمدة الأحكام» للإمام الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور المقدسي رحمه الله تعالى. وذكر رحمه الله تعالى في هذا الباب حديثين: حديث عبد الله بن زيد، وحديث أنس رضي الله تعالى عنهما. من الفوائد المتعلقة بالاستسقاء ما جاء في صحيح الإمام مسلم من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: «أصابنا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مطر، قال: فحسر ثوبه حتى أصابه المطر». فحسر ثوبه يعني كشف عن ثوبه، قال: «حتى أصابه المطر، وقال: إنه حديث عهد بربه». أخذ من هذا الحديث من قال من أهل العلم باستحباب أن يكشف المسلم شيئًا من جسده لكي يصيبه المطر. وهذا الحديث جاء من طريق جعفر بن سليمان الضبعي، يرويه عن ثابت البناني عن أنس بن مالك رضي الله عنه. وذكر عن جعفر بن سليمان الضبعي أنه ينفرد بأحاديث عدة مما ينكر عليه، كما ذكر ذلك الإمام الذهبي رحمه الله تعالى في «ميزان الاعتدال». ولهذا اختلف الحفاظ في هذا الحديث. كذلك أيضًا جاء في صحيح الإمام البخاري رحمه الله تعالى من حديث أنس أيضًا قال: «كان عمر رضي الله عنه إذا قحطوا» -أي إذا تأخر نزول المطر ويبست الأرض- «يستسقي بالعباس بن عبد المطلب» -أي عم النبي صلى الله عليه وسلم- «ويقول: اللهم إنا كنا نستسقي بنبيك فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبيك فاسقنا، قال: فيسقون». فما ذهبوا إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم وهو بين أظهرهم، وإنما استسقوا بدعاء العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم. قال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: «يستحب أن يستسقى بمن ظهر صلاحه»، قال: «لأنه أقرب إلى إجابة الدعاء». ثم ذكر ابن قدامة أثر معاوية بن أبي سفيان أنه خرج يستسقي، فلما جلس على المنبر قال: «أين يزيد بن الأسود الجرشي؟» أين يزيد بن الأسود الجرشي؟ فقام يزيد، قال: فأجلسه معاوية عند رجليه، ثم قال: «اللهم إنا نستشفع إليك بخيرنا وأفضلنا يزيد بن الأسود، ثم قال: يا يزيد ارفع يديك وادع الله تبارك وتعالى». قال أنس رضي الله تعالى عنه: «فارتفعت في الغرب سحابة مثل الترس، وهب لها ريح، قال: فسقوا حتى كادوا لا يبلغوا منازلهم». وهذا الحديث أو هذا الأثر أخرجه الإمام الفسوي في كتابه «المعرفة» بسند صححه جماعة من أهل العلم. وكذلك أيضًا جاء في «المعرفة» للفسوي أن أبا ضحاك بن قيس الفهري استسقى بالأسود بن يزيد أيضًا، وإسناده حسنه جماعة من أهل العلم. وجاء عند الإمام الدارقطني والحاكم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: «خرج سليمان عليه الصلاة والسلام» -سليمان نبي الله عليه الصلاة والسلام- «يستسقي» -أي يطلب السقيا للناس- «فرأى نملة مستلقية على ظهرها رافعة قوائمها إلى السماء تقول: اللهم إنا خلق من خلقك، ليس بنا غنى عن سقياك، اللهم إنا خلق من خلقك، ليس لنا غنى عن سقياك. فقال سليمان لأصحابه: ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم». وهذا الحديث لا يصح، فهو من طريق محمد بن عون مولى يحيى بن الحكم، هو وأبوه مجهولان، وأبوه يروي عن الزهري، قال فيه البخاري رحمه الله تعالى: «مرسل». وهكذا الحديث روي عن الزهري موقوفًا عليه بسند صححه بعض أهل العلم، وأيضًا جاء مرفوعًا من طريق أخرى عند الطحاوي في «مشكل الآثار»، وهكذا أيضًا جاء عند الخطيب البغدادي، وفي إسناده محمد بن عزيز وسلام بن روح أو روح، وكلاهما فيه ضعف، ولهذا ضعفه الإمام الألباني رحمه الله تعالى كما في كتابه «الإرواء». وكذلك أيضًا من الفوائد المتعلقة بباب الاستسقاء أنه ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم من أدعية الاستسقاء: دعاء يؤتى به قبل نزول المطر. فماذا يقال قبل نزول المطر؟ على ما مر معنا: قبل نزول المطر ماذا يقال؟ «اللهم أغثنا»، كما مر معنا في حديث أنس رضي الله تعالى عنه في استسقاء النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة: استقبل القبلة ورفع يديه إلى السماء، قال: «اللهم أغثنا، اللهم أغثنا». وكذلك أيضًا جاء في حديث جابر عند الإمام أبي داود قال عليه الصلاة والسلام: «اللهم اسقنا غيثًا مغيثًا مريئًا مريعًا عاجلًا غير آجل نافعًا غير ضار». جابر يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه دعا في دعاء الاستسقاء قبل أن ينزل المطر قال: «اللهم اسقنا غيثًا مغيثًا مريئًا مريعًا عاجلًا غير آجل نافعًا غير ضار». قال جابر: «فأطبقت عليهم السماء». وهذا الحديث صححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى كما في «مشكاة المصابيح». أيضًا جاء عند أبي داود من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا في الاستفتاح فقال: «اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث، واجعل ما أنزلت لنا قوة وبلاغًا إلى حين». وحسنه العلامة الألباني رحمه الله كما في «مشكاة المصابيح». أما عند نزول المطر فماذا يقال؟ يا إخوان، عند نزول المطر ماذا يقال؟ الذي بجانبك العرباط... نعم، عند نزول المطر ماذا يقال؟ عندك... نعم، إذا نزل المطر ماذا يقول المسلم؟ اللهم... نعم، ماذا يقول المسلم؟ بلغ يا أبا حذيفة، وضح له السؤال... الله أعلم... أحسنت، نعم يا أبا مصطفى: «اللهم صيبًا نافعًا». اللهم صيبًا نافعًا. هكذا جاء في صحيح البخاري من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: ماذا يقول؟ «اللهم صيبًا نافعًا، اللهم صيبًا نافعًا». كان إذا رأى المطر قال: «اللهم صيبًا نافعًا». طيب، بعد المطر... بعد المطر نعم، بعد المطر يا خان خالد، بعد المطر ماذا يقال؟ انتهى المطر، ماذا نقول؟ أحسنت، نقول: «مطرنا بفضل الله ورحمته»، كما في حديث... من... من يذكر؟ «أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فمن قال: مطرنا بنوء كذا، فهذا كافر بي مؤمن بالكوكب، ومن قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فهذا مؤمن بي كافر بالكوكب». هذا من حديث... نعم، من حديث «من أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر». عندك يا بازل؟ من حديث من؟ هذا الحديث من صحابيه؟ أحسنت يا أبا محمد، من صحابيه... نعم، من يقول؟ أنا لا... ليس ابن مسعود... نعم، من عندك أو من مكان آخر؟ من عندك... أحسنت، لله يدرك يا أبا حذيفة. كان شيخنا الوادعي رحمه الله يقول: «من عندك أو من عندي، الجيران، واليوم يستغني الواحد عن الجيران بالجوال». ممكن بحث سريع... طيب، لا بأس، جزاك الله خيرًا وبارك فيك. من حديث زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه. طيب، إذا زاد المطر وتضرر الناس ماذا يقال؟ ماذا يقال؟ نعم: «اللهم حوالينا ولا علينا». لاحظوا عظمة هذا الدعاء، ما يقول: «ما نبغي شيء مطر» كما يقول بعض الناس، لا، بل: «اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والضراب وبطون الأودية ومنابت الشجر». هكذا كان يدعو النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. بسم الله الرحمن الرحيم. قال رحمه الله تعالى: «باب الخوف» أو «باب صلاة الخوف». باب صلاة الخوف، والمراد بها الصلاة أو كيفية الصلاة في حال الخوف، في حال الخوف. وهذا الخوف قد يكون من عدو، وليس معناه أن هناك صلاة خاصة هي تكون لصلاة الخوف كالاستسقاء والكسوف والعيدين ونحوها، لا، وإنما هذه الصلاة المفروضة كيف تؤدى في حال الخوف، كيف تؤدى في حال الخوف.كذا ذكر العلماء. وأنزل الله تعالى مشروعية صلاة الخوف في السنة السادسة من الهجرة. وأول غزوة غزاها النبي صلى الله عليه وسلم هي غزوة عسفان، وكانت قبل غزوة خيبر. قال رحمه الله تعالى: «وبالنسبة لصلاة الخوف». يا إخوان، الخوف هذا هو العذر الثالث من الأعذار التي تختلف بها الصلاة في هيئاتها وفي عدد ركعاتها. وقد تقدم معنا الكلام حول صلاة المريض، وهكذا أيضًا صلاة المسافر. وصلاة المريض وهكذا أيضًا صلاة المسافر، واليوم معنا صلاة الخوف. قال رحمه الله تعالى: «قال: عن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف في بعض أيامه التي لقي فيها العدو. قال: فقامت طائفة معه» -قامت طائفة أي من الجيش قامت معه أي صلوا- «وطائفة بإزاء العدو» -بإزاء العدو أي في وجه العدو- «قال: فصلى بالذين معه ركعة، ثم ذهبوا» -أي يحرسون- «وجاءت وجاء الآخرون فصلى بهم ركعة، وقضت الطائفتان ركعة ركعة ركعة ركعة ركعة». هذا الحديث يا إخوان فيه بيان لنوع من أنواع صلاة الخوف. غير أن هنا تنبيهًا: ما هو هذا التنبيه في قوله: «صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف في بعض أيامه» ماذا بعدها؟ «التي لقي فيها العدو»، «التي لقي فيها العدو»، «التي لقي فيها العدو». ضعها بين قوسين لأنها زيادة في بعض نسخ «العمدة» وهي ليست في الصحيحين. وقد ذكر الإمام أبو محمد بن حزم رحمه الله تعالى قال: «يشرع لمن حضره خوف من عدو ظالم كافر أو باغ من المسلمين، أو من سيل، أو من نار، أو من حنش» -يعني ثعبان- «أو من سبع أو غير ذلك، قال: وهي من ثلاثة فصاعدًا» -يعني صلاة الخوف تصلى من ثلاثة أشخاص فما فوق-. وهذا الحديث يا إخوان فيه دليل على مشروعية صلاة الخوف. صلاة الخوف واختلفت كيفيات وصور صلاة الخوف نظرا لاختلاف الروايات الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأخذ بكل من هذه الكيفيات جماعة من أهل العلم. ذكر النووي رحمه الله تعالى قال: «إنه يبلغ مجموع أنواع صلاة الخوف ستة عشر وجهًا، ستة عشر وجهًا، قال: كلها جائزة، كلها جائزة». وهكذا ذكر الإمام أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى قال: «صحت ستة عشر رواية وغير ذلك من الأقوال التي وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكلها جائزة». وهذا الاختلاف في كيفية صلاة الخوف هو من باب اختلاف... من باب اختلاف... نعم يا أبا زكريا؟ من باب اختلاف... التنوع. أحسن، من باب اختلاف التنوع، وليس من باب اختلاف... ما هي أنواع الاختلاف يا إخوان؟ يا بالفاروق: خلاف تنوع، كالاختلاف في كيفية صلاة الخوف، وتضاد -أي الذي المخالف فيه يضاد ويخالف ما جاء في الكتاب والسنة-، والنوع الثالث: أفهام، أفهام، اختلاف أفهام. والذي يحصل فيه الإنكار هو اختلاف التضاد، أما اختلاف الأفهام أو التنوع فهذا ليس فيه إنكار، ليس فيه إنكار. وصلاة الخوف يا إخوان فيها تخفيف من الله عز وجل على عبيده، وهكذا فيها رحمة بهم، وأيضًا فيها تحصيل لمصلحتين. لاحظوا يا إخوان، صلاة الخوف فيها تحصيل لمصلحتين: المصلحة الأولى: أداء الصلاة في وقتها، لا تترك الصلاة حتى يخرج وقتها. واحد. المصلحة الثانية: هي ماذا؟ هي أخذ الحذر من العدو، كما قال عز وجل: ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾. ولهذا في بعض الغزوات قال المشركون: «انتظروا، ستأتي عليهم صلاة هي أحب إليهم من أولادهم وأموالهم»، يعني سيذهبون ويصلون، وعندها فرصة أن تقضوا عليهم. فأنزل الله عز وجل مشروعية صلاة الخوف، مشروعية صلاة الخوف، وشرع الله لعباده أن يصلوا هذه الصلاة. ذهب بعض أهل العلم إلى أن صلاة الخوف هذه خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم، فلما مات زال مشروعية هذه الصلاة. وهذا ذهب إليه الإمام أبو يوسف يعقوب صاحب أبي حنيفة، وهكذا أيضًا قال به المزني. واستدلوا على ذلك بقوله عز وجل: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ الآيات. قالوا: الله عز وجل يقول: «وإذا كنت فيهم»، فإذا مات النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: إذن ماذا؟ ليس هناك صلاة عند الخوف تشرع. وذهب الجماهير من السلف والخلف إلى مشروعية صلاة الخوف إذا وجد سببها ولو بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم. واستدلوا على ذلك بأن الصحابة لا زالوا يصلون صلاة الخوف بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، كما جاء عن علي وأبي موسى الأشعري، وجاء عن أبي هريرة رضي الله عنهم جميعًا. قالوا: وليس المراد بالآية الخصوصية، ليس المراد بالآية «وإذا كنت فيهم» ليس المراد بها أن ذلك خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم، وإنما هي كقوله عز وجل: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾. قالوا: فالآية خطاب مواجهة لأن أو لأنه عليه الصلاة والسلام هو المبلغ عن الله عز وجل، وليس الخطاب خطاب تخصيص بالحكم. قال الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: «جمهور العلماء على بقاء حكم صلاة الخوف في زماننا كما صلاها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما صلاها النبي صلى الله عليه وسلم». قال رحمه الله تعالى: «قال: وعن يزيد بن رومان» -ويزيد بن رومان هو الأسدي، أبو روح، القرشي، المدني، مولى آل الزبير، تابعي ثقة، عالم، كثير الحديث، كثير الحديث- «قال: عن يزيد بن رومان عن صالح بن خوات بن جبير عن من صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم». قيل: المقصود بمن صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم هو سهل بن أبي حثمة، وقيل: المقصود به خواط بن جبير والد صالح. هاهنا قال: «مع رسول... قال: عن من صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة ذات الرقاع» -صلاة الخوف- «أن طائفة صفت معه» -أي مع النبي صلى الله عليه وسلم-. لاحظوا يا إخوان هذه صورة أخرى من صور صلاة الخوف. أولًا: ما هي الصورة الأولى التي وردت في حديث عبد الله بن عمر؟ ما هي الصورة الأولى يا أبا جعفر؟ طائفة الإمام ويصلي خلفه طائفة، صلوا بهم كم ركعة؟ واحدة، ثم يذهبون ويأتي الفريق الثاني، الطائفة الأخرى، وتصل ماذا خلف الإمام؟ ركعة أخرى. لاحظوا: الفرقة الأولى إذا جاءت الفرقة الثانية تقدموا وجعلوا يحرسون، جعلوا يحرسون. فإذا صلى الطائفة الثانية الركعة الثانية مع الإمام، يكمل كل من الطائفتين ركعة ثانية. الجماعة الأخرى تصلي ركعة ثانية مع الركعة الأولى الذين صلوا ركعة أولى مع الإمام يأتون بركعة ثانية. هذه الحالة الأولى والصورة الأولى من صور صلاة الخوف. الآن معنا صورة أخرى. لاحظوا يا إخوان قال: «أن طائفة صفت معه» -أي مع النبي صلى الله عليه وسلم- «وطائفة كانت في وجه العدو» -طائفة كانت في وجه العدو- «فصلى بالذين معه ركعة ثم ثبت قائمًا وأتموا لأنفسهم ثم انصرفوا» -العدو كان خلفهم- «فصلى بالفرقة الأولى ركعة ثم قام وبقي قائمًا والفرقة الأولى التي صلت معه تكمل ركعة ثانية، فإذا أكملوا ركعة ثانية ذهبوا ورجعوا يحرسون مكان إخوانهم، وتأتي الفرقة الثانية وتصلي مع الإمام ركعة هي الثانية عند الإمام والأولى بالنسبة لهم، فإذا انتهى من الركعة الثانية بقي الإمام جالسًا، ثبت جالسًا، وتقوم هذه الفرقة الثانية وتأتي بركعة، فإذا أكملوا ركعة أتوا وجلسوا مع الإمام وتشهد بهم وسلم بهم» -تسليمتين انتهاء الصلاة-. قال: «أن طائفة صفت معه وطائفة وجاه العدو» -أي في وجه العدو- «قال: فصلى بالذين معه ركعة ثم ثبت قائمًا وأتموا لأنفسهم ثم انصرفوا، قال: فصفوا وجاه العدو وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت وهي الثانية، ثم ثبت جالسًا، ثم ثبت جالسًا، قال: وأتموا لأنفسهم ثم سلم بهم، ثم سلم بهم». قال: «الرجل الذي صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم هو سهل بن أبي حثمة، وقيل: لا يصح أن يكون سهل، لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم توفي وسهل بن أبي حثمة له ثمان سنوات، إذن في هذه الغزوة سيكون عمره أربع سنوات، صعب، يستحيل يخرج في هذا السن مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة، ولهذا رجح جماعة من الحفاظ أنه خواط بن جبير والد صالح، والد صالح الذي هو أحد رجال إسناد هذا الحديث». قال رحمه الله تعالى: «قال: عن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما قال: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف». وهذه يا إخوان صورة ثالثة من صور صلاة الخوف الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال: «فصففنا صفين خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم والعدو بيننا وبين القبلة». في الكيفية السابقة العدو خلفهم، وفي هذه الكيفية العدو أمامهم. قال: «فكبر النبي صلى الله عليه وسلم وكبرنا جميعًا» -الطائفة الأولى والطائفة الثانية-. لاحظوا يا إخوان: العدو أمامهم، فكانوا على قسمين، كلهم كبروا مع النبي صلى الله عليه وسلم. قال: «فكبر النبي صلى الله عليه وسلم وكبرنا جميعًا، ثم ركع وركعنا جميعًا، قال: ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعًا». إلى هنا واضح، واضح إلى هنا، وكاشة واضح. يعني: كبر كبروا جميعًا، ركع ركعوا جميعًا، العدو أمامهم يرونه، رفعوا من الركوع رفعوا جميعًا. الآن سجود: هل سيسجدوا جميعًا؟ الجواب: لا، العدو منتظر، ماذا؟ منتظر فرصة. قال: «ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه الذي خلفه فقط الذي يليه، وقام الصف المؤخر في نحو العدو». قال: «فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم السجود وقام الصف الذي يليه، قاموا من السجود، ماذا يفعل الصف الثاني؟ قال: آه، ماذا قال؟ انحدر الصف المؤخر بالسجود وقاموا، سجدوا سجدتين وقاموا مع النبي صلى الله عليه وسلم». قال: «ثم تقدم الصف المؤخر، أصبح الصف الأول، والصف الأول تأخر إلى الصف الثاني، قال: وتأخر الصف المقدم». قال: «ثم ركع النبي صلى الله عليه وسلم وركعنا جميعًا، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعًا». قال: «ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه الذي كان مؤخرًا في الركعة الأولى، قال: فقام الصف المؤخر في نحور العدو، فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم السجود والصف الذي يليه، انحدر الصف المؤخر بالسجود فسجدوا، ثم سلم صلى الله عليه وسلم وسلمنا جميعًا». إذن ماذا؟ هذا لأن العدو أمامهم، هذا لأن العدو أمامهم، ففعلوا ذلك، ففعلوا ذلك. وهنا فائدة نختم بها هذا الباب، باب صلاة الخوف. قال الخطابي رحمه الله تعالى: «صلاة الخوف أنواع، صلاها النبي صلى الله عليه وسلم في أيام مختلفة وأشكال متباينة، قال: يتحرى في كلها ما هو أحوط للصلاة وأبلغ في الحراسة» -يعني يختار الكيفية التي تكون ماذا؟ تكون أحوط في الصلاة وأبلغ في الحراسة والانتباه من العدو- «قال: فهي على اختلاف صورها متفقة في المعنى». وصلاة الخوف إلى يومنا هذا، ومنها صلاة المسايفة: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾. إذا لم يستطيعوا أن يصلوا جماعة يصلوا فرادى، إذا لم يتوقف القتال يصلوا وهم يقاتلون ويومئون إيماءً: الله أكبر، سمع الله لمن حمده، الله أكبر، وهكذا، ولا يتركوا الصلاة حتى يخرج وقتها. بهذا نكون قد انتهينا من هذا الباب الذي يتعلق بصلاة الخوف، ويأتي معنا في دروس لاحقة إن شاء الله عز وجل إذا أطال الله في الأعمار وأعان الكلام حول باب الجنائز. طيب، نكتفي بهذا، وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.