الدرس في شرح منظومة أصول الفقه وقواعده 8، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش هذا الفصل أقسام النهي وأثرها على الفعل، حيث يبين أن النهي العائد لذات المنهي عنه يقتضي الفساد، ويشرح الفرق بين الفاسد والباطل عند بعض الفقهاء. كما يوضح أثر النهي على صحة العبادات والمعاملات.
يتناول هذا الفصل الأصل في المعاملات وهو الحل والإباحة حتى يأتي دليل بالتحريم، بينما الأصل في العبادات هو الحظر والمنع إلا بإذن الشارع، مستندة إلى أدلة من القرآن والسنة النبوية وإجماع السلف.
يشرح هذا الفصل تعريف البدعة عند السلف الصالح، حيث يبين أنهم يطلقون البدعة على العبادات التي لم تثبت في الشرع، مما يدل على أنهم يعتبرون البدعة كل ما ليس له أصل في الشريعة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه، ومن والاه. ما بعد، طيب. خذناه ما نهي عنه من التعبد أو غيره أفسده لا تردد، فكل نهي عاد للذوات أو للشروط مفسدا سيأتي، وإن يعد لخارج كالعمة فلن يضير، فافهم العلة. على هذه القاعدة، كما قلنا، أنه يقتضي الفساد، سواء كان في التعبد أو في المعاملات. قال: «من التعبد أو غيره أفسده لا تردد»، أنا أتردد في إفساده، يعني أنه يحكم عليه بالفساد كما تقدمه. وثم قال: «وإن يعد لخارج كالعمة» أو قال: «فكل نهي عاد للذوات أو للشروط مفسدا سيأتي، وإن يعد لخارج كالعمة فلن يضير، فافهم العلة». معنى هذا النهي الذي يقتضي الفساد: النهي له أقسام، إما أن يكون عائدا إلى ذات المنهي عنه، وإما أن يكون عائدا إلى ذات المنهي عنه، فهذا يقتضي الفساد، وهذا هو قول أكثر العلماء. مثل مثلا: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»، هنا نفى وجود الصلاة لذاتها، «لا صلاة»، فهذا يدل على أن النهي هنا عائد لذات الصلاة. لذات الصلاة، وهنا ما دام أنه عائد لذات الصلاة، فهو يقتضي الفساد. ومعنى يقتضي الفساد: أنه لا يترتب على الفعل الآثار المقصودة منه. لا يترتب على الفعل الآثار المقصودة منه، على مثلا صلى بغير وضوء، صلاته باطلة. أنا الآن هذه الصلاة آثارها أو المقصود منها ما حصل. وسواء في العبادات أو في العادات والعقود، وهذا هو مذهب عامة العلماء. وغالبا العلماء لا يفرقون بين الفاسد والباطل، أنه يقتضي الفساد. معنى البطلان، هناك الحنفية يفرقون، فعندهم الفاسد ما نهي عنه لوصفه، والباطل ما نهي عنه لأصله. وأيضا بعض الحنابلة يفرق بين الفاسد والباطل في بعض المسائل، في مسألة في الحج ومسألة في النكاح مثلا، يقولون: «نكاح المتعة باطل»، «نكاح المتعة باطل» لأنه مجمع على تحريمه، المتعة مجمع على تحريمه. ويقولون: «النكاح بلا ولي فاسد»، «النكاح بلا ولي فاسد» لأن النكاح بلا ولي ليس مجمع عليه. فكل ما عاد إليه النهي لذاته فيعتبر فاسدا، مثل مثلا نهي عن صوم يوم العيد. نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صيام يوم العيد، فهذا نهي لذاته، فإذا صامه الإنسان فصيامه فاسد وباطل أيضا. «ولا تنكحوا ما نكح أباؤكم من النساء»، فمن نكح محرمه مثلا زوجة أبيه أو كذا، فهو نكاح باطل وهكذا. ثم قال: «وَإِيَّاكَ أَنْ تَعِدَّ لِخَارِجٍ كَالْعِمَّةِ». معنى العمة: العمامة التي من الحرير. يصلي في عمامة حرير، فهذا لا يتعلق بذات الصلاة. والصحيح أنه لا يقتضي الفساد أيضا. صلى وعليه خاتم من ذهب أو صلى ولبس الخاتم في أصبعه الكبير، هذا من يعني، فهذا صلاته صحيحة. القسم الثالث من أقسام النهي: أن يكون النهي يعود إلى شرط العبادة أو المعاملة على وجه يختص بتلك العبادة أو المعاملة. وهذا عند جمهور العلماء أنه يقتضي الفساد. مثلا إذا جاء مثلا في السلم، نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون الثمن أو أن يكون الأجل غير معلوم، فإذا حصل هذا، فهذا يعود إلى ركن من أركان المعاملة. القسم الرابع من أقسام النهي: أن يكون النهي يعود إلى شرط العبادة أو المعاملة على وجه لا يختص بتلك العبادة أو المعاملة. فهل يقتضي الفساد أو لا يقتضي الفساد؟ فهذه الصورة أكثر الخلاف فيها. أن يعود النهي إلى شرط العبادة أو المعاملة على وجه لا يختص بالعبادة. ومن ذلك كما قلنا: الوضوء بماء مغصوب. عند الحنابلة أنه عندهم أنه لا يعتبر باطلا، معنى الوضوء باطل. قال المؤلف رحمه الله: «فلن يضير»، معنى إذا كان عائدا إلى أمر خارج، فهو لا يضير هذا الشيء. «وإن يعد لخارج كالعمة فلن يضير، فافهم العلة». معنى يقول: أنك لابد أن تفهم العلة في كل المسائل. والعلة سيأتي الكلام عليها في قواعدها، لأن المؤلف سيذكر معنى العلة، وكل حكم فلعلة ينتبه، وهذا مسألة التعليل. تعليل الأحكام هو يعتبر من الأمور المهمة للفقه. قال رحمه الله تعالى: إن شاء الله، هذه القاعدة مفهومة. أنه يقتضي الفساد إما أن يعود لذات الشيء وشرطه أو ركن من أركانه. لذاته، معنى لهذا الشيء نفسه، أنه يعود لذات الشيء، فهذا يقتضي الفساد عند عامة العلماء. وإذا كان لا يعود لذات الشيء وإنما لخارج عنه، فهذا لا يقتضي الفساد. وإن كان يعود لشرط فيه يختص بذلك الشرط أو بذلك العبادة، فهذا أيضا يقتضي الفساد. وإذا كان لا يختص بتلك العبادة، فهذا لا يقتضي الفساد. قال: «والأصل في الأشياء حل ومنع عبادة إلا بإذن الشارع». أن هذه قاعدة فقهية، وهي قاعدة مندرجة تحت بعض القواعد أو إحدى القواعد الخمسة الكلية، وهي قولهم: «اليقين لا يزول بالشك». الأصل في الأشياء الحل، أو بعضهم يقول: «الأصل في الأشياء الإباحة». فالأصل في المعاملات وغيرها، المعاملات من بيع وإيجار وغيرها، فهذا الأصل فيها الحل. كذلك التبرعات من هبات وأوقاف ووصايا، وأيضا باب الأطعمة، والأصل في الخيل مثلا أو في الطيور والحيوانات والملابسة وغيرها، الأصل فيها الحل، لقول الله عز وجل: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾، وقال جل وعلا: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾. فهذه الآيات تدل على أن الأصل في الأشياء أنها مباحة أو أنها على الحل حتى يأتي دليل يدل على أنها محرمة. قال: «ومنع عبادة إلا بإذن الشارع»، معنى الأصل في الأشياء الحل، ما لم يأت التحريم. لكن قال: «ومنع عبادة إلا بإذن»، معنى فيقول: العبادات هنا لابد أن يكون بإذن الشارع. الأصل في العبادات الحظر والمنع، فلا يتعبد الإنسان بأي عبادة إلا بإبادة جاءت في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. كما قال شيخ الإسلام: «العبادة مبنى على الشرع والاتباع لا على الهوى والابتداع». كما قال جل وعلا: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾، وقال جل وعلا: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾، وقال جل وعلا: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾. وأيضا قول النبي عليه الصلاة والسلام: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، فهو رد، أي مردود. فكل عبادة أحدثت ولم يكن لها ولم يؤمر بها الشرع، فهي محدثة لا تجوز. وقد حكى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أيضا إجماع السلف على أن الأصل في العبادات الحظر والمنع. ولهذا جاءت عن السلف إطلاق البدعة في أشياء كثيرة من العبادات التي لم تثبت عن الشرع في الشرع.