كتاب الأمور المنهي عنها 27

كتاب الأمور المنهي عنها 27

الدرس في كتاب الأمور المنهي عنها 27، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

النهي عن إظهار الشماتة بالمسلم وأدلته الشرعية

يشرح المحور حرمة الشماتة بالأخ المسلم مستنداً إلى آيات قرآنية وأحاديث نبوية، مؤكداً أن الأخوة الإيمانية تقتضي الحزن لمصيبة المسلم لا الفرح بها. ويبين أن من يفرح بمصيبة أخيه يعرض نفسه للابتلاء والعذاب الإلهي.

ضعف حديث النهي عن الشماتة وصحة معناه وأقوال العلماء

يبيّن المقطع أن الحديث الوارد في النهي عن إظهار الشماتة ضعيف الإسناد لكن معناه صحيح وموافق لأدلة الشرع الداعية للتراحم بين المؤمنين. ويستعرض أقوال العلماء في ذم الشماتة وتعوذ النبي ﷺ منها، وتأكيد ابن القيم أن تعيير المسلم بذنبه أعظم إثماً من الذنب نفسه.

آداب المواساة والتعامل مع المذنبين وطلاب العلم

يؤكد المحور على تحريم الشماتة بالمذنبين مبيناً أن توبة العاصي وانكساره قد تكون خيراً من طاعة المتكبر، ويحث على نظر الرحمة للعصاة ومحبتهم للخير. كما يوضح آداب مواساة المبتلى بالتعزية النبوية والدعاء بالعافية، ويخص طلاب العلم بضرورة التحلي بهذا الأدب.

الخاتمة بالصلاة على النبي والحمد لله

يختتم المتحدث كلامه بالصلاة على النبي محمد وآله، ويحمد الله رب العالمين، ويفوض العلم المطلق لله تعالى. وتكون هذه الخاتمة ختاماً للمجلس العلمي والدعوي.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، قال الإمام أبو زكريا يحيى بن شرف النووي رحمه الله تعالى وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين، في كتاب الأمور المنهية عنها من رياض الصالحين: قال رحمه الله تعالى: «باب النهي عن إظهار الشماتة بالمسلم». النهي عن إظهار الشماتة بالمسلم، والشماتة كما عرفها بعض أهل العلم: هي الفرح ببلية من تعاديه ويعاديك، أن يفرح الشخص بحلول مصيبة أو نزول بلية على شخص بينه وبينه عداوة، فهذه تسمى شماتة. قال رحمه الله تعالى: قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾. مضى تفسيرها في باب النهي عن التباغض والتقاطع والتدابر. ولاحظوا كيف أن الأخوة الإيمانية والمحبة الإسلامية توجب على المسلم أن يحب لأخيه ما يحبه لنفسه، يفرح بما يفرح أخاه، وهكذا يحزن لما يحزنه، وليأتِ إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه، الذي يحب أن يؤتى إليه. ومن ذلكم أنه لا يشمت بأخيه المسلم، لا يشمت؛ فيكفي أخاه المسلم ما حل به من بلاء وما نزل به من مصاب، فلا يزيد ذلك بأن يظهر الفرح بنزول هذه البلية أو حلول هذه المصيبة. قال رحمه الله تعالى: وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾. وهذا يا إخوان فيه تأديب من الله عز وجل بأن المسلم لا يحب الشر في أخيه، ولا يفرح بالمصيبة إذا حلت بساحة أخيه. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا﴾، فماذا؟ فالمصنف رحمه الله تعالى استشهد بهذه الآية في باب النهي عن إظهار الشماتة بالمسلم، بالمسلم؛ لأنه أو لأن الله عز وجل في هذه الآية توعد على أمر، ألا وهو محبة شيوع الفاحشة، وهي الأمر القبيح الذي ارتكبه المسلم المذنب. فمن كان يحب ذلك، أي إشاعته، فهذا متوعد بالعذاب الأليم عند الله عز وجل، وذلك في الدارين: في الدنيا والآخرة، لما في ذلك من الإضرار والأذية التي يترتب على إظهار هذا الفرح بنزول هذه المصيبة وهذه البلية. ولاحظوا يا إخوان كيف أن ديننا ينهى المسلم أن يشمت بأخيه المسلم. فهذا هارون مع أخيه موسى، قال هارون لأخيه موسى كما قال الله عز وجل: ﴿قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. فلا تشمت بي الأعداء، ماذا سيقولون؟ موسى يضرب أخاه، موسى غضب على أخيه. ﴿فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ﴾. وهذا يا إخوان من الآداب السامية العظيمة التي، التي يأمرنا ربنا عز وجل أن نتأدب، أن نتأدب بها. وربنا عز وجل أخبر أن الأعداء يشمتون بأهل الإسلام إذا حلت بهم المصائب، قال ربنا عز وجل: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾، يفرحوا بها، يفرحوا بالمصائب إذا حلت بأهل الإسلام، إذا حلت بأهل الإسلام. قال رحمه الله تعالى: قال، وعن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَا تُظْهِرِ الشَّمَاتَةَ بِأَخِيكَ، فَيَرْحَمَهُ اللَّهُ وَيَبْتَلِيَكَ». لا تظهر الشماتة بأخيك، فماذا قال؟ فيرحمه الله ويبتليك، فيرحمه الله ويبتليك. وهذا الحديث قال: رواه الترمذي، وقال: حديث حسن، وقال: حديث حسن. وهذا الحديث تكلم العلماء في إسناده، تكلم العلماء في إسناده، وأن إسناده ضعيف. فأخرجه الترمذي من طريق حفص بن غياث عن برد بن سنان عن مكحول عن واثلة بن الأسقع، عن واثلة بن الأسقع. ومكحول، ومكحول الشامي ويكنى بأبي عبد الله، كان عبدا فأعتق. وماذا قيل؟ لم يسمع من واثلة بن الأسقع. وهكذا أيضا الحديث له طرق بأسانيد ضعيفة، وبعضها ضعيف جدا، فبعضها من طريق محمد بن الحسن، وقد كذب. ولهذا ضعفه جماعة من أهل العلم، منهم العلامة الألباني رحمه الله تعالى. وقوله ها هنا: «لَا تُظْهِرِ الشَّمَاتَةَ بِأَخِيكَ»، يعني: لا تظهر الفرح بالمصيبة التي تنزل بأخيك المسلم. إياك ثم إياك، فإن الله عز وجل قد يعافيه منها ويبتليك بمثلها، أو أشد منها، أو أشد منها. وهذا الحديث يا إخوان، وإن كان إسناده ضعيف، إلا أن معناه صحيح، إلا أن معناه صحيح، وقد جاءت أدلة كثيرة من القرآن والسنة تدل على أن النهي عن ذلك، تدل على أن النهي عن ذلك. فعمومات الشريعة تشهد لما جاء في هذا الحديث. ومن ذلك أن الشريعة أمرت بالتراحم بين المسلم وبين أخيه المسلم، وأنه يتألم لألم أخيه، لألم أخيه. فالمسلم والمؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا، كما جاء في حديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه. وهكذا في حديث النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ، كَمَثَلِ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى»، بالسهر والحمى. وهكذا أيضا النبي صلى الله عليه وسلم، كما في حديث أبي هريرة في الصحيحين، كان يتعوذ بالله عز وجل من أربع: من سوء القضاء، ومن درك الشقاء، ومن جهد البلاء، وهكذا من شماتة الأعداء، شماتة الأعداء. هذا من الأمور التي تؤلم المؤمن، تؤلم المؤمن، أن الأعداء يشمت بهذا المسلم، ويفرح بما حل به ونزل به من المصيبة. وهذه من الأدعية الجامعة التي كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يتعوذ بالله منها، ومنها شماتة الأعداء. قال الإمام ابن بطال رحمه الله تعالى: قال: شماتة الأعداء ما ينكأ القلب، ويبلغ من النفس أشد مبلغ. قال: وإنما تعوذ النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك تعليما لأمته، فإن الله تعالى آمنه من جميع ذلك، من جميع ذلك. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: قال: ولا يتعين ذلك، بل يحتمل أن يكون استعاذ بربه من وقوع ذلك بأمته، من وقوع ذلك بأمته. والنبي صلى الله عليه وسلم يعلمنا دروسا عظيمة نافعة من ماذا؟ من الاستعاذة بالله عز وجل من شماتة الأعداء. ويوم أن يشمت المسلم بأخيه المسلم، تقع به مصيبة، فيأتي أخوه ويقول: استاهل، عاد قليل في حقه، عاد قليل في حقه. هذا يا إخوان شماته، وأيما شماته. والشماتة يا إخوان، والتعيير، تعيير المسلم بالذنب، هذا يعتبر ذنبا قد يكون أعظم من الذنب الذي وقع فيه ذلكم المسلم، ذلكم المسلم. ولهذا ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى، كما في كتابه مدارج السالكين، قال: «إِنَّ تَعْيِيرَكَ لِأَخِيكَ بِذَنْبِهِ»، لاحظ، قال: «إِنَّ تَعْيِيرَكَ لِأَخِيكَ بِذَنْبِهِ أَعْظَمُ إِثْمًا مِنْ ذَنْبِهِ، وَأَشَدُّ مِنْ مَعْصِيَتِهِ». قال: «لِمَا فِيهِ مِنْ صَوْلَةِ الطَّاعَةِ وَتَزْكِيَةِ النَّفْسِ وَشُكْرِهَا». قال: «وَالْمُنَادَاةِ عَلَيْهَا بِالْبَرَاءَةِ مِنَ الذَّنْبِ». قال: «وَأَنَّ أَخَاكَ بَاءَ بِهِ». قال: «وَلَعَلَّ كَسْرَتَهُ بِذَنْبِهِ، وَمَا أَحْدَثَ لَهُ مِنَ الذُّلَّةِ وَالْخُضُوعِ وَالِازْدِرَاءِ عَلَى نَفْسِهِ، وَالتَّخَلُّصِ مِنْ مَرَضِ الدَّعْوَةِ وَالْكِبْرِ وَالْعَجَبِ، وَوُقُوفِهِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ نَاكِسَ الرَّأْسِ خَاشِعَ الطَّرْفِ مُنْكَسِرَ الْقَلْبِ، أَنْفَعَ لَهُ». المذنب يا إخوان قد يقف بعد أن وقع في الذنب، قد يقع ويقف بين يدي الله عز وجل، هذا حاله، أنه ناكس الرأس وخاشع الطرف ومنكسر القلب. قال: هذا الحال لربما كان أنفع له، وخير من صولة طاعتك. هذا الانكسار والندم بين يدي الله عز وجل لربما كان خيرا من ماذا؟ من وقوف بعض الناس في طاعة بين يدي الله عز وجل. قال: «وَخَيْرٌ مِنْ صَوْلَةِ طَاعَتِكَ وَتَكَبُّرِكَ بِهَا وَاعْتِدَادِكَ بِهَا وَمَنِّكَ عَلَى اللَّهِ وَخَلْقِهِ بِهَا». قال: «فَمَا أَقْرَبَ هَذَا الْعَاصِيَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَمَا أَقْرَبَ هَذَا الْمُدِلَّ»، أي الذي يشمت بالمذنب ويعيره بذنبه، قال: «وَمَا أَقْرَبَ هَذَا الْمُدِلَّ مِنْ مَقْتِ اللَّهِ، مِنْ مَقْتِ اللَّهِ». وذكر كلاما نفيسا في كتابه مدارج السالكين. ولهذا مر معنا قصة ذلكم الرجل الذي، ماذا؟ أقيم عليه الحد، فقال بعض الصحابة: لعنه الله، ما أكثر ما يؤتى به. ماذا قال عليه الصلاة والسلام؟ قال: «لَا تُعِينُوا الشَّيْطَانَ عَلَى أَخِيكُمْ»، لا تعينوا الشيطان على أخيكم. وذاك الذي كان ينصح أخاه وأخاه لا زال مستمرا في الذنب، فقال له: والله لا يغفر الله لك. مر معنا قريبا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال الله تعالى: «مَنْ ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أَلَّا أَغْفِرَ لِفُلَانٍ؟ قَدْ غَفَرْتُ لَهُ وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ»، وأحبط عملك. وهذا يا إخوان يجرنا إلى أمر، ألا وهو أننا ننظر إلى المذنبين بنظر الرحمة والعطف، والعطف. وكذلكم أيضا نحب لهم ما نحب لأنفسنا من الخير، وهكذا نكره لهم ما نكره لأنفسنا من الشر. وليأتِ إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه، أن يؤتى إليه. كذلكم أيضا يا إخوان، شرع لنا مواساة أهل المصائب. من مات له قريب أو حبيب أو عزيز، فيستحب لإخوانه أن يقوم بتعزيته وتصبيره. وهكذا أيضا أن يعينوه على أن يتسلى على ذلكم المصاب الذي حلى، الذي حلى به، الذي حلى به. النبي صلى الله عليه وسلم، كما في حديث أسامة بن زيد، أرسلت إليه ابنته وهي، ماذا؟ إحدى بناته عليه الصلاة والسلام، تخبره أن ابنا لها قد احتضر، وتطلب منه أن يشهدهم ويحضر عندهم. فأرسل إليها يقرئها السلام، ويقول: «إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى، فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ»، فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ. قال العلماء: هذه الصيغة التي عز بها النبي صلى الله عليه وسلم ابنته تعتبر من أصح ومن أحسن صيغ التعزية التي ينبغي أن يعز المسلم بها أخاه المسلم. وهكذا أيضا فيما إذا مرض، أو مرض له قريب، أو سرق ماله، أو ذهبت تجارته، أو غيرها من المصائب. فيشرع يا إخوان للمسلم أن يشارك أخاه المسلم في أن يحمل هذا الهم، ويسعى إلى جلب السرور، وكذلك أيضا تخفيف ألم المصائب. كل ذلك وغيره كثير مما يدخل في هذا الباب، ألا وهو باب النهي عن إظهار الشماتة. فربنا عز وجل قادر أن يعافي ذلكم المبتلى، وأن يبتلي ذلكم المعافي. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه إذا رأى أحدهم مبتلى أن يقول: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانِي مِمَّا ابْتَلَاكَ بِهِ، وَفَضَّلَنِي عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلًا»، ممن خلق تفضيلا. وإذا رأينا كذلكم أيضا مبتلى، فإننا نتذكر نعمة العافية التي من بها ربنا تبارك وتعالى علينا. وطلاب العلم يا إخوان هم أحوج الناس إلى أن يتحلوا بهذا الأدب، وأن يلتزموا بهذا الحكم، ألا وهو أنه لا يشمت بأخيه المسلم، وإنما يدعو الله له بالعافية، وهكذا يسعى في ماذا؟ في دفع ذلكم الحزن وآثار تلكم البلية والمصيبة التي نزلت بأخيه المسلم. طيب، هذا بعض ما يذكر حول ما يتعلق بهذا الباب. وبقيت معنا أبواب هامة وأبواب عظيمة، يأتي مذاكرة بعضها في دروس لاحقة. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.