الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 98، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض المحاضر حديث عمر رضي الله عنه عن الشؤم في الفرس والدار والمرأة، ويوضح الإشكال الظاهري مع أحاديث النهي عن التطير. ويبين أن الجمع الأقوى عند أهل العلم هو أن الشؤم يلحق فقط من تطير وتشاءم، بينما من توكل على الله يسلم منه.
يفصل الدرس الفرق الجوهري بين الفأل المشروع الذي يحسن الظن بالله وينشط العبد على الخير، والتطير المحرم الذي يسوء الظن ويصد عن المضي أو يدفع للإقدام بغير حق. ويذكر علاج التطير بالدعاء المأثور «اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت…» مع بيان حكمه بين الشرك الأصغر والأكبر.
يختتم المحاضر الدرس لانتهاء الوقت ويؤجل الأحاديث المتبقية في الباب إلى الدروس القادمة. ويختم بقوله والله أعلم.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فما زلنا في باب مجاة في التطير، في ذكر الأحاديث الواردة في هذا الباب. قد تقدم معنا حديثان: حديث أبي هريرة، وحديث أنس: «لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر ولا عدو ولا طيرة». ويعجبني الفأل، قالوا: وما الفأل؟ قال: الكلمة الطيبة. سيأتي الكلام على الفأل. هنا مسألة أيضاً يذكرها أهل العلم تتعلق بالتشاؤم، وهو ما جاء في الصحيحين من حديث عمر رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن كان الشؤم في شيء ففي الفرس والدار والمرأة». فاستشكل على بعض أهل العلم هذا الحديث مع الأحاديث الواردة في ذم التشاؤم، وهنا فيه إثبات التشاؤم: «إن كان الشؤم في شيء ففي هذه الثلاثة». وللعلماء عدة أجوبة، وعدة كذلك أوجه جمعوا بها بين هذا الحديث وبين الأحاديث الواردة في النهي عن التشاؤم. الوجه الأول: أن هذا الحديث من المتشابه، وأن هذا الحديث قد جاء عن عائشة عند أحمد والحاكم قولها: «كذب الذي أنزل الفرقان على أبي القاسم». من حدث بها يعني: من حدث بهذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن كان الشؤم في شيء ففي هذه الثلاث: الفرس والدار والمرأة». ولكن عائشة تقول رضي الله تعالى عنها: «ولكن الرسول عليه وسلم كان يقول: كان أهل الجاهلية يقولون إن الطيرة في المرأة والدار والدابة». يعني أن هذا من فعل أهل الجاهلية، والنبي صلى الله عليه وسلم إنما نقل فعلهم، ولم يقل النبي صلى الله عليه وسلم أن الشؤم في هذه الثلاثة. هذا وجه من الأوجه، ولكن الحديث بهذا اللفظ في الصحيحين، وتلقت الأمة هذا الحديث بالقبول، ومن علم حجة على من لم يعلم. فرد هذا القول جماعة كثيرون من أهل العلم. والوجه الثاني: الوجه الثاني في الجمع بين هذين الحديثين أنه يشرع للعبد الفرار من قدر الله إلى قدر الله، أخذ بالأسباب ولا يتطير. فهو يخبر أن النفس قد تقع، النفس قد تقع في شيء من التشاؤم، خصوصاً في هذه الثلاث، خصوصاً في هذه الثلاث، فهي أكثر ما يتشاؤم منها الناس، أكثر ما يتشاؤم منها الناس. هذه الثلاث: المراد بالفرس المركوب، وفي هذا الزمان مثلاً السيارة، وكذلك المراد بالدار عن البيت الذي يسكنه الشخص، والمرأة الزوجة التي يتزوجها. فهنا كأن النبي صلى الله عليه وسلم يبين أن من وقع في شيء من ذلك فإنه يعلق قلبه بالله، ويجعل الأمر لله، ويتخذ الأسباب، ولا يتطير، لا يتطير. بعضهم ذكر هذا. والوجه الثالث: وهو أقوى الأوجه، أن المراد بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن كان الشؤم في شيء» أي: إن كان الشؤم في شيء ممن يلحق به هذا الشؤم، أي: ممن تشاءم، يعني: الذي يتشاءم فهو الذي يلحق به هذا التشاؤم، لا من توكل على الله ولم يتشاءم، ولم يتشاءم. هذا هو المعنى، وهو معنى واضح. يعني: «إن كان الشؤم في شيء» أي: إن كان الشؤم في شيء فهو يلحق في من تشاءم بها، وأما من لم يتشاءم بها ومن توكل على الله فهذا لا يلحقه شيء من التشاؤم، لم يلحقه شيء من التشاؤم. وذكر أيضاً من هذه الأوجه واستدل على هذا القول، وهو أن التشاؤم إنما يلحق في من تشاءم بها، بحديث سنده صحيح عند ابن حبان: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الطيرة على من تطير، الطيرة على من تطير». يعني: من تطير فتلحقه هذه الطيرة لضعف توكله على الله سبحانه وتعالى. ولذلك جاء عن ابن القيم عليه رحمة الله أنه قال: وهذا يدل على هذا المعنى، قال: «كل من خاف شيئاً غير الله سلط عليه». أنت الآن تخاف من هذا مثلاً، هذا مثلاً المعاق أو صوت هذا الطير، أو تخاف من شهر صفر، فإنك ستسلط أو سيسلط عليك هذا الذي تشاءمت منه، فينالك مما تخافه لأنك تشاءمت منه. هذا معنى قولي: «كل من خاف شيئاً غير الله سلط عليه». والعكس بالعكس: كما أن من أحب مع الله غيره عذب به، كذلك من رجى مع الله غيره خذل من جهته، خذل من جهته. فمن تعلق شيئاً وكل إليه: إذا تعلقت بمخلوق وكل الله عز وجل إلى هذا المخلوق، إذا تشاءمت بشيء وكل الله عز وجل إلى هذا الشيء الذي تشاءمت منه، الذي تشاءمت منه. فهذا هو المعنى الأقرب والله أعلم في الجمع بين هذه الأحاديث: «إن كان الشؤم في شيء» أي: إنما يلحق الشؤم من تشاءم بها، من تشاءم بها ينال هذا الشؤم، وأما من توكل على الله ولم يتشاءم فهذا يسلم من الشؤم، يسلم من الشؤم. هذا كذلك وجه من أوجه الجمع وهو أقواها لدلالة الحديث عليه: «الطيارة على من تطير، الطيارة على من تطير». ومن أوجه الجمع أيضاً: أن بعض أهل العلم ذهبوا أن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث لم يجزم بالشؤم، ما قال مثلاً: الشؤم في ثلاثة، إنما علقه بماذا؟ بالشرط. علقه بالشرط، قال: «إن كان الشؤم في شيء» فهو لم يجزم بالشؤم، فلا تعارض بين هذا الحديث وبين الأحاديث القاضية على النهي عن التطير، النهي عن التطير أو عن التشاؤم، لأن صلى الله عليه وسلم علقه بالشرط، الشرط. فهذه أوجه جمع بها أهل العلم بين هذا الحديث وبين الأحاديث الواردة في النهي عن التشاؤم. ثم جاء في آخر حديث أنس: «ويعجبني الفأل»، قال: وما الفأل؟ قال: الكلمة الطيبة. ورد أيضاً حديث آخر قال: «ولأبي داود بسند صحيح عن عقبة بن عامر قال: ذكرت الطيرة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أحسنها الفأل، ولا ترد مسلماً. فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك». وهذا الحديث فيه كذلك أنه عن الطيرة، لأن الطيرة ذكرت عند الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: «أحسنها الفأل». يعني: الفأل المشروع. هناك فأل مشروع، هناك فأل غير مشروع وهو بمعنى التطير، وهو بمعنى التطير، كما مر معنا. مثلاً يرى مثلاً في طريقه مثلاً شيئاً حسناً، أشجار طيبة، أو كذلك سيارة حسنة، أو نحو ذلك، فيتفاعل ويمضي في سيره وفي سفره، ولول ذلك لما مضى، فهذا هو التفاعل بمعنى التشاؤم، تفاعل بهذا الشيء بمعنى تشاؤم. لكن هناك فأل حسن كما مر معنا في حديث أنس: قالوا: وما الفأل؟ قال: الكلمة الطيبة. وهناك فرق بين الفأل وبين التطير، وبين التطير. ذكر الشيخ عثيمين عدة فروق بين الفأل وبين التطير. فالفأل هو: كل ما ينشط الإنسان عن شيء محمود من قول أو فعل، مرئي أو مسموع. ما معنى هذا الكلام؟ معنى هذا الكلام: أنت عزمت على السفر، أنت عزمت على السفر، فمشيت، فبينما أنت تمشي وفي بداية السفر جاءت الرياح الطيبة، وأظلتك السحب، ونزل شيء من المطر، فإن شرح صدرك وازداد نشاطك في هذا السفر فهذا من الفأل الحسن. لماذا؟ لأنك أنت ماضٍ في سفرك، ماضٍ. هذا الأمر الذي وقع لا يثنيك عن المضيف السير، لا يثنيك عن المضيف السير. نعم، فأنت ماشٍ، ماشٍ، أنت مسافر، مسافر. لكن لما وقع هذا الشيء زادك نشاطاً، وزادك انشراحاً، فمضيت في سيرك، مضيت في سيرك. ومثلها الكلمة الطيبة: أنت الآن تريد سفر، ماشٍ، بدأت، فوجدت صديقاً لك فقال لك: أين تريد؟ قال: والله أريد أن أسافر منطقة كذا وكذا. فدعا لك، قال: وفقك الله، سفر مبارك، سفر طيب. فشجعك ونشطك وحفزك على هذا السفر، فهذا يسمى ماذا؟ الفأل الحسن، الفأل الحسن. ما ردك عن ما كان سبباً في مضيك، ولو لم يقل لك هذا الشيء لما سافرت، لا، أنت مسافر، مسافر. لكن هذا الشيء زادك نشاطاً وانشراحاً ومضياً، فهذا هو الفأل. لكن بالعكس: لو مثلاً تريد أن تسافر، تريد أن تسافر، فرأيت رجلاً أعمى أو رجلاً أعرج، فقلت: هذا بداية السفر، قد أرى هذه المناظر القبيحة، إذن بطلنا في السفر. هذا هو ماذا؟ التشاؤم، هذا هو التشاؤم. كذلك أنت خرجت تريد السفر، فقلت: خلاص أنا سأترك السفر اليوم، سأترك السفر اليوم. فبينما أنت راجع إذا مثلاً ترى صورة جميلة، ترى شجرة حسنة، قلت: ما شاء الله، وقوع نظري على هذه الشجرة هذا فيه خير، إذن أنا سأسافر اليوم. شيء طيب، الآن نظرنا إليه، هذا الآن يعد ماذا؟ هذا يعد تشاؤماً. لأن ما الذي جعلك تمضي في سفرك؟ ما الذي جعلك تمضي في سفرك؟ هذا الشيء الذي رأيت، هذا الشيء الذي رأيت، هو ما نشطك، لأنك أنت تركت السفر أصلاً، أنت تركت السفر، فهذا هو التشاؤم، هذا هو التشاؤم بعينه. فإذن عرفنا الفرق الآن بين التشاؤم وبين التفاؤل. التفاؤل إنما هو يحفزك، لا يكون سبباً في مضيئك، لا يكون سبباً في مضيئك، ولولاه لتركت المضي. ومثل أيضاً بالزواج: خطبت أو تريد أن تخطب، عندك أناس، قيل لك: هذه البنت التي ستخطبها اسمها سعاد، تقول: ما شاء الله، هذا اسم طيب، هذا اسم طيب، إذن مدام اسمها طيب خلاص أنا أريد عند هؤلاء الناس. هذا تطير، لأنك ما جزمت الآن بالخطبة قبل أن تعرف اسمها، إنما تفاءلت بالاسم. لكن لو خطبت وعزمت على الخطبة وتمت الخطبة، ثم قيل لك: اسمها سعاد، فزادت الرغبة في هذا الزواج، وتنشط على أن تمضي في هذه الخطبة أو الخطبة، فهذا لا شيء فيه، لأنك أنت خاطب، خاطب، عرفت اسمها أو لم تعرف اسمها، أم لم تعرف اسمها؟ واضح. مثال آخر: خطبت، تريد أن تخطب، عندك أناس، قيل لك: شوف هذه البنت التي تخطبها، اسمها مثلاً صخرة، قيل: أعوذ بالله، صخرة، هكذا شدة الله، بطلنا في الخطبة من أول الخطبة. هذا يسمى ماذا؟ تشاؤم، لأنك تشاءمت من هذا الاسم، فصدك عن المضي في الخطبة. الأسماء والأشخاص لا يملكون إقداماً ولا إحجاماً، فأنت أحجمت الآن بسبب هذا الاسم. واضح، فهذا يسمى ماذا؟ كذلك التشاؤم، يسمى التشاؤم. نعم، فهذا هو الفرق أولاً بين الفأل والتطير. الفأل: كل ما ينشط الإنسان على شيء محمود، ينشط، لا يكون سبباً في مضيئه أو في الاستمرار فيه، لا، وإنما ينشطه ويشرح صدره لذلك. أما التطير فهو كما مر معنا: التشاؤم بمرئي أو مسموع أو معلوم من زمان أو مكان. ومن الفروق أيضاً: أن الفأل يزيد في التوكل، الفأل يزيد في التوكل. أنت أنت تسافر الآن، وجدت الجو طيب، ينشطك، يشرح صدرك، هذا يزيد توكلك على الله، وأن الله عز وجل سيعينك في سفرك، هذا. أما التطير فهو يضعف التوكل، لأن الله عز وجل يوكلك إلى من تشاءمت به، إلى من تشاءمت به. ومن الفرق أيضاً بين الفأل والتطير: أن حكم الفأل مستحب، لا يحرم ولا يمنع، فهو أمر مستحب. وأما التطير فهو دائر بين الشرك الأصغر والشرك الأكبر، فيكون شركاً أصغر إذا اعتقد أن ما تطير به سبب، ما تطير به سبب، ويكون شركاً أكبر إذا اعتقد تأثير من تشاءم به بنفسها، بنفس من تشاءم به، فهذا يعد من الشرك الأكبر، مثل ما مر معنا في التمائم والحروز ونحو ذلك. وأيضاً من الفروق بين الفأل والتطير: أن الفأل فيه حسن ظن بالله تعالى، وأما التطير ففيه سوء ظن بالله عز وجل. والفرق أيضاً: أن الفأل إنما يكون من الموحد المحقق للتوحيد، وأما التطير فإنه يكون من ضعيف الإيمان، أو من المنافق، أو الكافر، كما مر معنا أن التطير من صفات أهل الكفر. أيضاً الفأل يأتي بلا قصد ولا تكلف، لا تقصد تحري هذا الشيء الذي يتفاءل منه، وإنما قد يقع لك أثناء مضيئك، أثناء مضيئك، فيكون بلا قصد ولا تكلف. بخلاف التطير فإنه يأتي بقصد، يأتي بقصد، كما مر معنا أن يقصد زجر الطير، أو كذلك يقصد رمي الحجر أو الحصى، أو نحو ذلك. والفرق أيضاً بين الفأل والتطير: أن الفأل لا يجعلك تمضي ولا ترجع، لا يكون سبباً في مضيئك أو في رجوعك، في إقدامك أو في إحجامك، ولم يعتمد على ما سمع أو رأى، أو يعتمد على ما سمع أو رأى، ولكن فرحة ونشط فقط، يحفزك ويشجعك. بخلاف التطير فهو ما أمضاك أو ردك، لأن يعتمد على ما رأى أو سمع، وكان سبباً لإقدامه. ومن الفروق أخيراً: أن الفأل يوجب التعلق بالله، يوجب التعلق بالله عز وجل، وأن الله هو الذي سخر لك هذا السبب الذي نشطك وشجعك على المضي. وأما التطير فهو يوجب التعلق بالمتطير به. ثم ذكر ابن عثيمين أمثلة في الفرق بين التطير والتفاؤل، فقال: مثال: شخص أراد الزواج، فلما سأل عن اسم الفتاة قيل له: هنا، اسمه هنا من الهناوة، يعني طيب العيش، فمضى في الزواج. وآخر سأل عن اسم الفتاة فقيل له: صخرة، فتراجع. فكلاهما من باب التطير. لما؟ السبب الذي جعله يخطب الأولى: الاسم. لو لهذا الاسم لربما رجع عن الخطبة. وهكذا الثاني: ما السبب الذي جعله يتراجع عن الخطبة؟ الاسم. ولول هذا الاسم لمضى في خطبته. فهذا من التطير. مثال آخر: شخص سأل عن اسم الفتاة بعد أن مضى في الزواج، فلقد قد خطب، وقد يعني عقد، ربما فسأل أو علم أن اسمها أثناء العقد: سعاد، فلما وجده سعاداً استبشر به. هل في هذا شيء؟ ليس في هذا شيء، هذا من التفاؤل، تفاؤل بهذا الاسم، فهو سيسعد إن شاء الله بتفاؤله بهذا الاسم، فهذا من باب الفأل، لأنه لم يكن سبباً في مضيئه أو إحجامه، وإنما استبشر بعد، بعد أن مضى في الأمر. ثم ذكر هنا أيضاً مسألة قد تقع من بعض الناس، وهي من باب التشاؤم، قال: بعض الناس يفتح المصحف للتفاؤل، يأتي هكذا بشكل عشوائي، ويفتح المصحف تفاؤلاً، فإذا نظر ذكر النار تشاءم، وإذا نظر ذكر الجنة، وإذا نظر الجنة قال: هذا فأل طيب. فهذا مثل عمل الجاهلية الذين يستقسمون بالأزلام، لا يجوز هذا، لا يجوز هذا، أن تعلق قلبك بمجرد نظر في آية رحمة أو آية عذاب، هذا أيضاً مما يحذر منه، مما يحذر منه. وأما قوله: «لا ترد مسلماً»، أي: أن هذا الفعل لا يرد المسلم، إذا رد المسلم انتقل إلى ماذا؟ انتقل إلى التشاؤم، انتقل إلى التشاؤم. لكن هذا الفعل ما هو أثره؟ أثره فقط التنشيط وانشراح الصدر، وزيادة الثقة بالله سبحانه وتعالى، إذ يسر الله عز وجل له ما أراد، يسر الله له عز وجل ما أراد. مثلاً: أنت الآن تمشي بالسيارة، تيسرت الأمور، كنت تتوقع مثلاً أنك تتأخر في الطريق، أو نحو ذلك، فتيسرت أمورك، لا توجد زحمة في الشارع، ولا أيضاً عوائق، ولا شيء، فأنت تستمشر بهذا، تستبشر بهذا، وتفرح بهذا، هذا ما في شيء، هذا من الفأل الحسن، هذا من الفأل الحسن. لكن لو أول الطريق بنشر عليك طائر، قلت: ها البداية، هذا خلاص رجعنا، هذا يسمى ماذا؟ هذا يسمى تشاؤم، هذا يسمى تشاؤم، لأن هذا الشيء هو الذي يردك، وهذا أمر بقدر الله، هذا أمر بقدر الله. بعض الناس ربما تصدر منه هذه الكلمات، يقول لها: بداية الشيء، ونحن نقول لها في مصائب، إذا خلاص بطلنا في السفر، لا، هذا يعد من ضعف الإيمان، لأنك علقت ما يصيبك بهذه الأشياء المحسوسة التي وقعت لك. هذه مسائل حساسة ينبغي للمسلم أن يفقهها في باب الطيرة، في باب الطيرة. فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ولا ترد مسلمة». ولذلك ورد علاج للتطير إذا وقع من أحدنا، وسيأتي معنا كذلك حديث أخرى: «من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك»، فقالوا: ما كفارة ذلك؟ قال: «أن يقول: اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك». وسيأتي معنا الكلام على هذا. لكن في هذا الحديث، حديث عقبة بن عامر، وهنا نبه الشارح أن هذا الحديث ليس حديث عقبة بن عامر، وصوابه: عروة بن عامر، صوابه: عروة بن عامر، فيرجع إلى أصل هذا الحديث في سنن أبي داود. فذكر النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث علاجاً لمن ربما وقع في قلبه شيء من الطيرة، فقال: «فإذا رأى أحدكم ما يكره»، رأيت شيء تكره، مصيبة نزلت بك في سفر، انشر عليك طائر، أو مثلاً زحمة في الطريق، أو نحو ذلك، لا يكون هذا سبباً في رجوعك، في رجوعك عن سفرك، وإنما قل: «اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت»، إيمان معقود، الخير لا يأتي به إلا أنت، الحسنات يعني الخير، «ولا يدفع السيئات إلا أنت»، الشرور لا يدفعها إلا الله سبحانه وتعالى عن عباده، «ولا حول ولا قوة إلا بك»، ليس لك تحول، وليس لك استعانة، وقدرة على القيام بالعمل إلا بالله سبحانه وتعالى. هذا أيضاً من علاج ذهاب الطيرات التي ربما تقع في قلوب بعضنا، أو في قلب بعضنا. فهذا شيء مما يذكر في هذا الحديث، وما يتعلق بالفأل. ونكتفي بهذا، انتهاء الوقت، وما بقي من أحاديث في هذا الباب نؤجلها إن شاء الله إلى الدروس القادمة. إلى هنا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر