الدرس في التعليق على حلية طالب العلم 67، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يحذر النص من تولي طالب العلم منصب التدريس أو الفتيا قبل التأهل العلمي معتبراً ذلك آفة تضر بالعلم والعمل وتؤدي إلى الهوان. ويستشهد بأقوال العلماء كابن رجب والعثيمين وبكر أبو زيد بأن من تعجل شيئاً قبل أوانه عوقب بحرمانه وأن التصدر المبكر دليل على إعجاب النفس بالنفس.
يحذر المقطع من التصدر للفتوى والتدريس قبل التأهل مبيناً أن ذلك يعرض صاحبه لأسئلة تكشف عواره وتلزمه القول على الله بغير علم. ويؤكد أن علامة العالم الراسخ هي قوله لا أدري وإحالة المسائل إلى من هو أعلم كما فعل كبار العلماء كابن عثيمين مع ابن باز.
يحذر المقطع من تولي المناصب العلمية والخطابية دون أهلية مستشهداً بالآية الكريمة التي تحاسب السمع والبصر والفؤاد. ويبين أن المستعجل للتصدر غالباً لا يقبل الحق لنظرة السوء في نفسه مع التمييز بين إلقاء الكلمة النافعة بحسب الاستطاعة وبين ادعاء المرجعية العلمية الكبرى بلا مؤهلات.
يختتم المتحدث كلامه بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله ويحمد الله رب العالمين. ويفوض العلم لله تعالى خاتماً المجلس بالدعاء والثناء.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: قال الشيخ العلامة بكر بن عبد الله أبو زيد رحمه الله تعالى في كتابه «حلية طالب العلم» في الفصل السابع والأخير في المحاذير: قال رحمه الله تعالى: «التصدر قبل التأهل، التصدر قبل التأهل. قال: احذر التصدر قبل التأهل، قال: فهو آفة في العلم والعمل، وقد قيل: من تصدر قبل أوانه فقد تصد لهوانه، من تصدر قبل أوانه فقد تصد لهوانه». وهذا كما ذكر العلامة العثيمين رحمه الله تعالى، قال: «هذا سجع طيب، وفيه أيضًا جناس غير تام». وابن رجب رحمه الله تعالى في «قواعد الفقه» يقول: «من تعجل شيئًا قبل أوانه عوقب بحرمانه، من تعجل شيئًا قبل أوانه عوقب بحرمانه». فتصدر طالب العلم قبل أن يتأهل، وقبل أن يتزود من العلم الذي يتيح له التصدر، فذلك يعتبر آفة تضر بطالبي العلم، تضر بطالبي العلم، وهكذا تعرضه للهوان، تعرضه للهوان. وقد ذكر الشيخ العثيمين رحمه الله تعالى أن هذا مما يجب الحذر منه، أن يتصدر الإنسان قبل أن يكون أهلًا للتصدر. قال: «لأنه إذا فعل ذلك كان هذا دليلًا على أمور». ما هي هذه الأمور التي سيكون هذا التصدر دليلًا عليها؟ قال: «الأول: إعجابه بنفسه، إعجابه بنفسه؛ حيث تصدر فهو يرى نفسه علم الأعلام، يرى نفسه أهلًا لذلك فيعجب بالنفس». الثاني: قال: «أن ذلك يدل على عدم فقهه ومعرفته بالأمور، وإذا الناس رأوه متصدرًا أوردوا عليه من المسائل ما يبين عواره». لاحظ أنك إذا خطبت خطبة أو ألقيت محاضرة يأتي بعض العوام ويسألك: يا شيخ، ما حكم كذا وكذا؟ ما تقول في مسألة كذا وكذا؟ إذن هذا التصدر سيجعله عرضة لأسئلة ومسائل، وعندها سيظهر عواره، سيظهر عواره. الثالث: قال: «أنه إذا تصدر قبل أن يتأهل لزمه أن يقول على الله ما لا يعلم، لزمه أن يقول على الله ما لا يعلم؛ لأن غالب من كان هذا قصده الغالب أنه لا يبالي أن يحطم أو يحطم العلم تحطيمًا، وأن يجيب عن كل ما سئل عنه». وكما قيل: «نصف فقيه ماذا يفعل؟ نصف فقيه إذا كان نصف طبيب يفسد الأبدان، متعلم على الطب، آه يفسد الأبدان، ونصف فقيه قالوا: يفسد الأديان، يفسد الأديان». وكما مر معنا أن طالب العلم، بل والعالم، إذا فاته «لا أدري» أو «لا أعلم» فقد أصيبت مقاتله. العلم يا إخوان، على رسوخهم في العلم، وعلى كثرة العلم وكثرة الخبرة إلى غير ذلك، ومع هذا يود أحدهم لو أن غيره كفاه المؤونة. قد يدور السؤال على مجموعة من كبار العلماء وكلهم يحيل على غيره. ومر معنا مواقف، ومر معنا أمثلة في «شذرات البلاتين» في تراجم العلماء المعاصرين، كيف لما يحيل ابن عثيمين على شيخه ابن باز، وهكذا غيرها من المواقف الأخرى، وهكذا غيرها من المواقف الأخرى. وربنا عز وجل يقول: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾. قال: «الرابع: أن الإنسان إذا تصدر فإنه في الغالب لا يقبل الحق؛ لأنه يظن بسفهه أنه إذا خضع لغيره وإن كان معه الحق، أي مع الغير، كان هذا دليلًا على أنه ليس بأهل في العلم». وهذا تجده لا يقبل النصح ولا يقبل الحق إذا جاء من غيره. هذا في حق من تصدر قبل أن يتأهل، قبل أن يتأهل. وليس معنى هذا أن طالب العلم الذي فتح الله عليه لا يلقي كلمات، ممكن يلقي كلمة. ورحم الله امرأ عرف قدر نفسه. إذا معنى أنك تلقي كلمة أنك أصبحت عضوًا في هيئة كبار العلماء أو عضوًا في اللجنة الدائمة للإفتاء والإرشاد والبحوث العلمية؟ «كلمة، طلب منك أن تخطب جمعة: بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار». طلب منك أن تشارك في محاضرة أو أن تلقي محاضرة، هذا من باب الخير الذي ينبغي أن يتنافس فيه طلاب العلم. لكن من كان عنده الأهلية، ولا يشترط في إلقاء الكلمات أو الخطب والمحاضرات أن يكون الشخص عالمًا كبيرًا أو طالب علم مستفيدًا جدًا، وإنما يحاول أن ينفع ويفيد على حسب ما يستطيع، ولا يعرض نفسه للإهانة بالتصدر قبل التأهل. فمن استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه. طيب، نكتفي بهذا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.