التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 110

التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 110

الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 110، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

شرح آية التوبة (18) وصفات عمار المساجد

يستعرض المقطع تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ مبيناً أن عمارة المساجد تكون حساً ومعنى، وترتبط بخشية الله وحدها وإقامة الصلاة على أكمل وجه. وينقل عن ابن عثيمين ربط الإيمان بالله واليوم الآخر بالرجاء والخوف، مع تفصيل مراتب إقامة الصلاة بين واجبة ومستحبة.

الفرق بين الخشية والخوف ومعنى (عسى) الواجبة

يبيّن المقطع الفرق الجوهري بين الخشية والخوف، فالخشية خوف مقرون بالعلم بعظمة الله بينما الخوف قد يصدر عن جهل أو ضعف نفس. ويوضح أن (عسى) إذا أسندت إلى الله فهي واجبة بمعنى التحقق لا مجرد التوقع، مستدلاً بآية العنكبوت على ذم من يسوي خوف الناس بخوف الله.

موقف المؤمن من خوف الناس مقابل خوف الله

يشرح المقطع معنى الأذى في الله موضحاً أن من يترك واجباً كالأمر بالمعروف أو الصلاة خوفاً من لوم الناس فقد جعل فتنة الناس كعذاب الله وآثر رضا المخلوق على طاعة الخالق. وينقل عن ابن عثيمين أن المؤمن يفر من عذاب الله بامتثال أمره، بينما المفتون يفر من أذى الناس بموافقة أهوائهم فيقع في سبب عذاب الله هرباً من عذاب المخلوق.

الصبر على الأذى وسنة الابتلاء في المؤمنين

تؤكد الآية أن الإيمان الحق يتطلب ثباتاً وصبراً عند التعرض للأذى في سبيل الله، وأن الابتلاء سنة إلهية سابقة ليميز الله الصادقين من الكاذبين. ويشير المقطع إلى أن الأدلة على ذلك من السنة النبوية ستستكمل في الدرس القادم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فيقول شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه "كتاب التوحيد"، وفي باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 175]، أخذنا بعض المسائل المتعلقة بأقسام الخوف وبعض الفوائد، ووجه الشاهد من هذه الآية. ثم ذكر آية أخرى تحت هذا الباب، فقال: وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [التوبة: 18]. الشاهد من هذه الآية في باب الخوف: أن من صفات المؤمنين أنهم لا يخشون خشية العبادة إلا من الله سبحانه وتعالى، لا من غيره، في قوله: ﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾، حيث جاء هذا الحصر بأقوى أنواع الحصر، وهو النفي ثم الإتيان بـ "إلا"، فدل ذلك على أن من صفات أهل الإيمان أنهم لا يخشون خشية العبادة إلا من الله سبحانه وتعالى وحده، لوجود هذا الحصر. وهذه الآية فيها كذلك علامة من علامات أهل الإيمان، وهي إعمار المساجد؛ إعمار المساجد سواء كانت العمارة الحسية بالبناء والفرش والنظافة والترميم والتبخير والتطييب ونحو ذلك، أو العمارة المعنوية وهي أعظم، وذلك بالصلاة فيها والذكر وقراءة القرآن ومجالس العلم والذكر ونحو ذلك. يقول ابن عثيمين في تفسير هذه الآية: "مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ" قال: يقرن الله الإيمان به بالإيمان باليوم الآخر كثيراً، ﴿كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [آل عمران: 110]، ﴿لِمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: 232]، دائماً يقرن الله سبحانه وتعالى بين الإيمان به والإيمان باليوم الآخر. ما هي الحكم في ذلك؟ قال: لأن الإيمان بالله يحمل على الرجاء، والإيمان باليوم الآخر يحمل على الخوف، والمؤمن في سيره إلى الله يكون بين هاتين العبادتين: عبادة الرجاء وعبادة الخوف. قوله: ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ﴾، أي: أتى بها على وجه قويم لا نقص فيه. فلم يأتِ في القرآن مجرد الأمر بالصلاة، لم يأتِ في القرآن "صلوا" أو نحو ذلك، وإنما دائماً في آيات الأمر بالصلاة تأتي بلفظ الإقامة: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ [هود: 114]، ﴿أَقَامَ الصَّلَاةَ﴾، لأن الإقامة فيها معنى الأمر وزيادة، فهي أمر بالصلاة وأمر بالإتيان بهذه الصلاة على أكمل وجه، على أكمل وجه بمعنى أن تقيم الصلاة في أعمالها الواجبة وكذلك في أعمالها المستحبة. يقول ابن عثيمين: والإقامة نوعان: إقامة واجبة يقتصر فيها على الواجب والأركان والواجبات، هذه تكون واجبة، من قصر فيها يأثم وربما تفسد صلاته. فمن الشروط مثلاً: الوضوء والطهارة ونحو ذلك، الأركان: قراءة الفاتحة، وطمأنينة في الصلاة، هذه من الأركان. الواجبات: أن تصليها في جماعة، ومن أول الصلاة لا تتخلف عنها، تأتي مسبوقاً دائماً، قد صلى الناس ركعة وركعتين. فتعتني بأمر الصلاة وتتجهز لها قبل إقامتها، هذا أيضاً من الإقامة الواجبة، لأن الصحيح أن صلاة الجماعة واجبة، ووجوب الصلاة في جماعة من أولها إلى آخرها. وأما الإقامة المستحبة: يزيد فيها على الواجب، فيأتي بالواجب والمستحب، كأن تصليها بإطالة، تذكر الله عز وجل فيها ذكراً كثيراً، تسبح ثلاثاً في سجودك وفي ركوعك وتزيد على ذلك، تأتي بأفعال الصلاة المستحبة من رفع اليدين أو من التورق والافتراش في الجلوس للتشهد ونحو ذلك، ﴿صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي﴾ [البخاري]، فهذا أيضاً من إقامة الصلاة. وقوله: ﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾، قال: الخشية: الخوف المبني على العلم بعظمة من تخشاه وكمال سلطانه. ثم قال: والفرق بين الخشية والخوف. انظر، المؤلف رحمه الله ابتدأ هذا الباب بآية فيها ذكر الخوف: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، ثم ذكر من الآيات تحت هذا الباب آيات فيها ذكر الخشية. فما الفرق بين الخشية والخوف؟ معناهما واحد لكن هناك فرق يسير بينهما. فذكر العلامة الألباني الفرق بين الخشية والخوف من وجهين: الوجه الأول: قال: الخشية تكون مع العلم بالمخشي وحاله، بينما الخوف قد يكون من الجهل، وإن لم يعلم بعظمة الله عز وجل. ولذلك لما ذكر ربنا عز وجل العلماء، ما قال: "إنما يخاف الله"، إنما قال: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28]، لأن العلماء خوفهم من الله عز وجل مع علم بالله سبحانه وتعالى وتعظيم لله عز وجل، فلذلك نعتهم الله عز وجل بالخشية. وأما الخوف فقد يخاف العبد من الله عز وجل لكن من غير علم بالمخشي. هذا وجه. ووجه آخر في الفرق بين الخشية والخوف: أن الخشية تكون بسبب عظمة المخشي، بينما الخوف يكون لضعف الخائف، لعمل معصية فخاف، لا لتعظيمه لله عز وجل، وإنما لخوف نزول العقوبة، أو لخوف مثلاً أن يفضح أو نحو ذلك، فهذا ليست بخشية وإنما هو خوف. وهكذا قس على مثل هذه الأمثلة. وقوله في ختام الآية: ﴿فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾ [التوبة: 18]، قال ابن عباس: "عسى من الله واجبة"، ومعنى واجبة: يعني متحققة، متحققة. قال: وجاءت بصيغة الترقي لألا يأخذ الإنسان... لألا يأخذ الإنسان الغرور بأن حصل على هذا الوصف، يعني: من أجل أن لا يغتر هذا الإنسان بعمله وعبادته وأعماله الصالحة، فأتي بصيغة الترقي "عسى"، لأن الترقي في اللغة الأصل أن يكون في أمر متوقع قد يقع وقد لا يقع، هذا في حق المخلوق، لكن في حق الخالق عز وجل فهي واجبة. ﴿فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾، أي: تحقق فلاحهم، تحقق فلاحهم، لا شك في ذلك. هذا معنى الفرق، أو هذا معنى "عسى من الله واجبة"، أي: متحققة. ثم ذكر الدليل الثالث تحت هذا الباب، باب الخوف، وهو قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: 10]. قد يقول قائل: الآية ما فيها ذكر الخوف بلفظه، لكن فيها ذكر الخوف بمعناه. ووجه الشاهد من هذه الآية في باب الخوف: أن الله سبحانه وتعالى ذم من ساوى بين الخوف منه بالخوف من الناس، بالخوف من الناس. فربما العبد يرتكب المحرم خوفاً من الناس، ويترك الواجب خوفاً من الناس، خوفاً من الناس فيوافقهم على ترك المأمور أو فعل المحظور استجلاباً لرضاهم، فهذا فيه منازعة للخوف من الله سبحانه وتعالى. ﴿إِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ﴾، يعني مثلاً على سبيل المثال: هو داعي إلى الله، لكن لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر، يخاف أن يلام من قبل الناس، أو أن يكره، يكون مبغوضاً مكروهاً عند العصاة وعند عامة الناس، أو نحو ذلك. ليس هناك سبب إلا هذا، لا يخاف على نفسه الأذى الذي يصل به إلى الموت أو إلى أمر لا يتحمله في بدنه، وإنما خوفه حتى لا يلام، أو حتى لا يبغض، أو حتى لا كذلك يمكر به أو نحو ذلك، فهذا الخوف المذموم. أو مثلاً أنه قيل له: إذا صليت فإننا نفصلك من العمل، نفصلك من العمل، فهو خاف من أجل ذلك. هذا ابتلاء من الله، فترك الصلاة من أجل لقاعة من لقاعات الدنيا، فهذا أيضاً أوذي في الله، فجعل فتنة الناس كعذاب الله. الله عز وجل يعذبك على ترك هذا الواجب، فأنت قدمت رضا الناس على عذاب الله سبحانه وتعالى، وقس على هذا. يقول ابن عثيمين معلقاً على هذه الآية: "معلوم أن الإنسان يفر من عذاب الله، وكيف يفر من عذاب الله؟ يفر من عذاب الله بامتثال أمر الله، لأن لو خالف أمر الله هذا سبب من أسباب عذاب الله، وأيضاً يفر من عذاب الله بالابتعاد عن ما نهى الله عز وجل عنه، لأنه لو ارتكب ما نهى الله عز وجل عنه هذا من أسباب عذاب الله. فمعلوم أن الإنسان يفر من عذاب الله، فيوافق أمره، يوافق أمر الله في الأمر والنهي. فهذا المفتون الذي لم يصبر على الأذى جعل فتنة الناس كعذاب الله، فيفر من إيذائهم بموافقة أهوائهم، جعلا لهذه الفتنة كالعذاب، يعني يقع فيما يكون سبباً في عذاب الله عز وجل، ويفر من عذاب المخلوق، يفر من عذاب المخلوق". طبعاً هذه في الأشياء التي ما فيها رخص، كالإكراه، أو كذلك عدم تحمل الأذى، كما في حديث: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ...» [مسلم]، هذا عند الاستطاعة، فيترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند الاستطاعة خوفاً من الخلق، في أمر لا يصل به إلى حد الأذى الذي به ضرر على نفسه أو على جسده أو نحو ذلك، وإنما هو عبارة عن كلام، أو عبارة عن يعني كراهة من قبل الناس أو نحو ذلك. فالله عز وجل يرضي عنك الناس إن كنت قد عملت ما يرضيه سبحانه وتعالى، وسيأتي معنا بعض الأحاديث في هذا المعنى. فقال هنا الشيخ ابن عثيمين: "معلوم أن الإنسان يفر من عذاب الله فيوافق أمره"، فهذا المفتون الذي لم يصبر على الأذى جعل فتنة الناس كعذاب الله، فيفر من إيذائهم بموافقة أهوائهم، جعلا لهذه الفتنة كالعذاب، فيكون قد خاف منهم كخوفه من الله، لأنه جعل إيذاءهم كعذاب الله، ففر منه بموافقة أمرهم، أي: بموافقة أمر المخلوقين. إذا تعارض أمر الله مع أمر المخلوق: إن تركت هذا الأمر عذبك الله ورضي عنك هذا الإنسان، وإن عملت بأمر الله عذبك أو آذاك هذا المخلوق، فإذا قدمت طاعة هذا المخلوق على طاعة الله فقد قدمت عذاب الله على عذاب هذا المخلوق. هذا معنى كلام الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى. وهذه الآية فيها أن الإنسان يصبر عند الأذى، ويعلم أن هذا الإيمان يحتاج منه إلى ثبات وإلى صبر، فلا بد أن يبتل، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: 1-3]، ﴿فَلْيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾. فوجه الشاهد من هذه الآية الظاهرة كما تقدم معنا. طيب، نكتفي بهذا، انتهاء الوقت، ونكمل بقية الأدلة من الأحاديث الواردة في هذا الباب في الدرس القادم. إلى هنا، والله تعالى أعلم. شكراً.