الدرس في شرح كتاب الحج من فتح المعين في تقريب منهج السالكين 4، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح سبب تسمية يوم التروية بتزود الحجاج بالماء، ويبين صفة إحرام المتمتعين والتوجه إلى منى صبيحة الثامن مع صلاة القصر فيها. ثم يذكر الانطلاق إلى عرفة بعد شروق شمس يوم التاسع.
سار النبي صلى الله عليه وسلم إلى عرفة بعد طلوع الشمس ونزل بنمرة ثم توجه إلى بطن الوادي بعد الزوال. خطب الناس مؤكداً حرمة الدماء والأموال والأعراض في يوم عرفة من شهر ذي الحجة في البلد الحرام.
يستعرض فضائل يوم عرفة كأفضل الأيام واستجابة الدعاء فيه، وأبرز ما في خطبة الوداع من إلغاء عادات الجاهلية وبيان الحقوق. كما يبين كيفية صلاة الظهر والعصر جمعاً وقصراً في عرفة وجواز الخطبة في المخيمات.
أجاز العلماء الاستماع لخطبة الجمعة عبر الإذاعة، لكن منعوا الصلاة خلف الإمام مع وجود فواصل وطرق بين المصلين. وأوجبوا أن تصلي كل مجموعة في مخيمها بشكل منفصل على أن يكمل الباقي في درس قادم.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فيقول الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله في كتابه «منهج السالكين»، وفي ذكره لحديث جابر الطويل في حجة النبي صلى الله عليه وسلم: فلما كان يوم التروية، ويوم التروية هو اليوم الثامن من ذي الحجة، سُمّي بيوم التروية لأنهم كانوا يرتوون من الماء لما بعده، أي يحملون الماء ويستقون الماء؛ لأن تلك المشاعر ليست كزماننا الآن بالماء في كل موضع، كانوا ينقلون الماء ويستقون الماء، فيتزودون بالماء في هذا اليوم، اليوم الثامن، فسمي بيوم التروية. هو اليوم الثامن استعدادًا للجلوس في منى والوقوف بعرفة والمزدلفة، فهذه أيام تقريبًا ثلاثة أيام: الثامن والتاسع والعاشر، فهم بحاجة إلى التزود من الماء لشربهم وغسلهم ونحو ذلك، فسمي بيوم التروية. فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى، فأهلوا بالحج، طبعًا من كان متمتعًا، وهذا هو الغالب في حج الناس اليوم، يهلّ من أي مكان هو مقيم فيه، فإذا كان في فندق مثلًا يقوم صباح يوم الثامن في الضحى مثلًا، ويغتسل مثل ما فعل في الميقات، يغتسل وكذلك يلبس الإحرام، ثم يهل بالحج، يقول: «لبيك اللهم حجا، لبيك اللهم حجا»، ويكون الآن محرمًا، يجب أن يمتنع عن كل محظورات الإحرام، يمتنع عن كل محظورات الإحرام، فيذهب إلى منى في الضحى، ضُحى اليوم الثامن. وإذا كان هناك زحام كما في أيامنا هذه، جوز العلماء من باب الترتيب ومن باب كذلك دفع الزحام أن يتعجل الحاج مثلًا من الليل، ليلة اليوم الثامن، لا بأس بهذا، أو فجر اليوم الثامن، لا بأس بهذا للمصلحة. وإلا ففي السنة أن يذهب الحاج إلى منى في اليوم الثامن، وهذا سيأتي معنا في كثير من الأعمال ك الذهاب إلى عرفة، فيما فيه سعة. أما فيما ليس فيه سعة فلا يجوز التقدم، مثل في يوم عرفة لا يجوز أن يتعجل الحاج قبل الغروب، إذا خرج من عرفة قبل الغروب فقد ترك واجبًا من واجبات الحج كما سيأتي معنا، فلا يجوز إلا أن ينطلق بعد الغروب. وإذا كان كل الناس ينطلقوا بعد الغروب سيسبب زحامًا، لا بأس من التأخير، التأخير لا بأس به ولو أن يتأخر إلى نصف الليل. الشاهد من هذا أن في يوم الثامن السنة أن يذهب الحاج إلى منى في الضحى، الساعة التاسعة، العاشرة، إحدى عشرة، لا بأس في الضحى. فيصلي كما قال: وركب النبي صلى الله عليه وسلم فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، كل ذلك يقصر الرباعية ولا يجمع. هذا في هذا اليوم السنة، أنه لا يكون هناك جمع، لا يكون هناك جمع، كل صلاة تصلى في وقتها، تصلى في وقتها لكن تقصر الرباعية. وهذا القصر اختلف فيه العلماء: هل هو قصر سفر أو قصر نسك؟ والصحيح أنه قصر نسك؛ لأن من الصحابة الذين حجوا مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كانوا من أهل مكة، يعني من المقيمين، ولم ينقل عن أحد منهم أنه صلى بالإتمام، بل الكل يصلي بالقصر. فالحاج في منى وفي عرفة وفي مزدلفة، كل هذا من نسكه أن يصلي الصلاة الرباعية ركعتين، سواء كان مسافرًا أو غير مسافر. واضح هذا هو الصحيح لفعل الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. فإذا يصلي الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، اليوم العاشر، اليوم التاسع عفوًا، اليوم التاسع الفجر يصليها كذلك في منى، ثم مكث قليلًا حتى طلعت الشمس، يعني في اليوم التاسع السنة أن يبقى الحاج في منى إلى طلوع الشمس، يعني إلى بعد الشروق، فبعد الشروق يذهب إلى أين؟ إلى عرفة، يذهب إلى عرفة. وكما تقدم معنا، بعض الحملات اليوم قد تعجل حجاجها للمصلحة، فيذهبون مثلًا إلى عرفة من الليل، هل يجوز هذا؟ نعم يجوز؛ لأن ليس بواجب الذهاب إلى عرفة بعد الشروق، وإنما هو سنة، والسنة إذا كان فيها مشقة على الناس في مثل هذه الأزمان فلا تعمل، مثل مسألة الحجر الأسود، طبعًا الحجر الأسود تقبيله أو استلامه سنة، لكن إذا كانت هذه السنة ستؤدي إلى الضرر بالمستلم نتيجة الزحام وفتنة النساء ونحو ذلك، فهنا لا يفعل السنة ويرتكب المحرم، لا، يترك السنة من أجل أن يسلم من المحرم أو يسلم من الضرر، هذا من الفقه في هذه المسائل. فالمهم السنة لمن قدر على ذلك في الذهاب إلى عرفة أن يكون بعد طلوع الشمس من اليوم التاسع كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم. قال: «وأمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة»، يعني كلف بعض أصحابه أن يتقدم إلى عرفة وأن يتقدم إلى نمرة، ونمرة هي في حدود عرفة وليست من عرفة، وهو الآن الجبل الذي عليه أنصاب الحرم، يعني عليه علامات الحرم، ونمرة ليست من عرفات بل هي خارج عرفات. والمسجد اليوم الذي يسمى بمسجد نمرة، الجزء الأمامي منه هذا ليس من عرفة بل هو نمرة التي خارج الحرم، والجزء الخلفي منه من عرفة، يعني نصف المسجد من نمرة ليس من عرفة، ونصف المسجد من عرفة، وعمل حدود على ذلك. فالنبي صلى الله عليه وسلم ضُربت له الخيمة في نمرة، يعني خارج عرفة في حدود عرفة. فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام، كما كانت قريش تصنع في الجاهلية، قريش كان من اعتقادها أنهم لا يخرجون عن الحرم، لأن منى والمزدلفة وما بعد المزدلفة إلى نمرة هذه كلها من حدود الحرم، فكان أهل الجاهلية إذا حجوا لا يخرجون من مزدلفة، آخر حدود لهم مزدلفة. فالنبي صلى الله عليه وسلم خالفهم في ذلك، فسار عليه الصلاة والسلام، وقريش تقول: سيحج مثل حجنا، لا تشك أنه واقف عند المشعر الحرام، يعني مزدلفة، يُقال له المشعر الحرام، ويقال له مزدلفة، ويقال له جمع أيضًا، له ثلاثة أسماء. طيب، هذا المشعر الحرام، فأجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى عرفة، جاوز يعني تجاوز يعني تخطى المزدلفة، لأن الترتيب: منى، مزدلفة، ثم عرفة، مزدلفة في الوسط بين منى وبين عرفة، فأهل الجاهلية كانوا يمشون من منى لأنها من الحرم إلى مزدلفة لأنها من الحرم، ولا يخرجون من مزدلفة إلى عرفة لأنهم يعتبرون عرفة ليست من الحرم، عرفة ليست من الحرم. فالنبي صلى الله عليه وسلم تجاوز مزدلفة، تجاوز المشعر الحرام، ووقف في عرفة. نعم، قال: «فوجد القبة قد ضربت له»، ضُربت له يعني نُصبت له، قبة صغيرة، فعلت هذه القبة بنمرة، فنزل بها. طبعًا نزل قبل الزوال بفترة؛ لأن المسافة من منى إلى عرفة لمن يمشي ربما ثلاث ساعات، أربع ساعات مشي بالرجل، يعني مشي بالرجل تقريبًا يأتي بهذا، ثلاث ساعات، أربع ساعات على حسب المشي، فلو مشى بعد الشروق سيصل قبل الظهر بفترة، قبل الزوال، فوصل النبي صلى الله عليه عليه وسلم قبل الظهر، فنزل في القبة، والقبة في نمرة، واضح. قال: «حتى إذا زاغت الشمس»، زاغت بمعنى مالت، أي دخل وقت الظهر، وقت الزوال، يعني وقت دخول صلاة الظهر. قال: «أمر بالقصوى فرحلت له»، رحلت له يعني هيئت للركوب عليها. قال: «فأتى بطن الوادي»، يعني وادي نمرة، لأن القبة ضُربت له فوق في الجبل، فهو نزل في بطن الوادي وهو لا يزال من نمرة. قال: «فأتى بطن الوادي فخطب الناس»، خطب الناس، إذن الخطبة قبل الصلاة، الخطبة قبل الصلاة، مثل الجمعة، مثل الجمعة. وقال: «انظر الصحابة من حرصهم على نقل العلم حفظوا لنا خطبة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في عرفة في يوم عرفة»، فماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الخطبة؟ قال: «إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا». ما هو يومكم هذا؟ يعني يوم عرفة في شهركم هذا، في شهر ماذا؟ يوم عرفة يوم من الأيام العظيمة عند الله، أفضل الأيام، والدعاء فيه مستجاب، وينزل الرب سبحانه وتعالى يباهي بأهل الموقف ملائكته، ويعتق أهل الموقف من النار. في شهركم هذا، أي شهر ماذا؟ شهر ذي الحجة، ومن الأشهر الحرم. في بلدكم هذا، وما هي البلد؟ هذا البلد الحرام، البلد الحرام. ثم قال: «ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع»، بمعنى أنا أرفضه ولا أعمل به، هذا معنى تحت قدمي موضوع. «ودماء الجاهلية موضوع»، أي ما يكون فيها من الثارات ومن القتل الظلم، هذا كله أيضًا موضوع. «وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث، كان مسترضعًا في بني سعد فقتلته هذيل»، يعني لا يأخذ بثاره، خلاص، كما يقال صفحة جديدة. «وربا الجاهلية موضوع»، لأن أهل الجاهلية كانوا يتعاملون بالربا، وربا الجاهلية إما أن يعني إما أن تزيد وإما أن يعني إما أن تربي وإما أن توفي، إذا وفيت آتي ما أخذت بالمال، وإذا تأخرت نزيد عليك في المال، هذا هو ربا الجاهلية. «وأول ربا أضع من ربانا ربا عباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله». «فاتقوا الله في النساء»، الآن ذكر بالنساء والوصي بهن لضعفهن، فأكد على الاعتناء بالنساء. قال: «فإنكم أخذتموهن بأمانة الله»، يعني بعهد الله وهو النكاح والزواج، «واستحللتم فروجهن بكلمة الله»، كلمة الله: «إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان». «ولكم عليهن» يعني من حقوق الرجل على امرأته: «ألا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه»، يعني لا يدخل بيوتكم أحد لا تحبون دخوله، ولو كان من محارمها. «فإن فعلن ذلك» يعني عصينكم في شيء، «فاضربوهن ضربًا غير مبرح»، هذا إذا لم تتعظ بعد تذكيرها ولم تنزجر بعد تأديب، كذلك هجرها، فهنا تضرب ضربًا غير مبرح، كالضرب في الفخذ أو في المؤخرة أو نحو ذلك. «ولكم عليهن»، قال: «ولهن عليكم» يعني حق الزوجة على الزوج: «رزقهن وكسوتهن بالمعروف»، يعني الإطعام عليهن، رزقهن يعني إطعامهن، وكسوتهن يعني لباسهن، بالمعروف يعني من غير زيادة، ما يتعارف عليه الناس. «وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله»، هذا فيه حث على كتاب الله عز وجل والتمسك به. قال: «وأنتم تسألون عني»، أي يوم القيامة، «فما أنتم قائلون؟» فقال الناس: «نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت». فقال بأصبعه السبابة، يرفعها إلى السماء هكذا، وينكتها إلى الناس هكذا، هكذا، وهكذا، يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: «اللهم اشهد، اللهم اشهد»، ثلاث مرات، ثلاث مرات. قال: «ثم أذن بلال»، هذا فيه مشروعية الأذان لصلاة الظهر والعصر. «ثم أقام فصلّى الظهر، ثم أقام فصلّى العصر»، ركعتين ركعتين بالقصر والجمع، ولم يصلِ بينهما شيئًا، يعني لم يصلِ السنة، ليس هناك سنة بينهما ولا بعدهما ولا قبلهما، فقط في ذلك اليوم خطبة مع أربع ركعات: ركعتين صلاة الظهر وركعتين صلاة العصر. طيب، الآن في عرفة مع كثرة الناس وكثرة المخيمات، قد لا يتمكن لكل أحد أن يسمع خطبة الخطيب في نمرة، في مسجد نمرة، لأن خطيب عرفة يقوم في مسجد نمرة، ومسجد نمرة ما يأخذ ربما عشر العشر من الناس الموجودين في عرفة، صغير، مسجد ما يكفي لجميع أهل الموقف، فالناس يتفرقون في جميع عرفة بالخيام وبالمخيمات، والذي في الشارع، والذي عند الجبل، والذي يعني ملايين الناس، لأن كل حاج لا بد أن يكون موجودًا، كلهم يجتمعون في، لو حج مثلًا في سنة من السنوات ثلاثة مليون، كل هؤلاء ثلاثة مليون يكونون موجودين، لو حج خمسة مليون كل هؤلاء خمسة مليون يكونون موجودين في عرفة، جمع كبير، لا يتأتى لكل أحد أن يسمع الخطبة. فأجاز بعض أهل العلم أن كل أهل مخيم، مخيم يكون مثلًا مثل هذا مرتين أو ثلاث مرات، لا بأس أن يصلي بهم أحد الناس ويخطب بهم أحد الناس، لا بأس بهذا حتى لا يفوت التذكير والصلاة على الناس. طيب، قد يقول القائل: لو معي إذاعة وأستمع إلى الخطبة؟ قال العلماء: الاستماع إلى الخطبة لا بأس بها، لكن الصلاة لا تجوز؛ لأن من شرط الصلاة أن يكون المسجد متواصلًا بعضه مع بعض، وهناك يكون مسافات وطرق وساحات بينك وبين المسجد، فقالوا: لا، الصلاة تكون كل مخيم مع بعض، والخطبة، من اكتفى بخطبة الإذاعة لا بأس، ومن أراد أن يخطب لهم أحد في مخيمهم فلا بأس بذلك، فالأمر إن شاء الله في هذا واسع، في هذا واسع. نعم، طيب، لعلنا اليوم نكتفي بهذا، ونكمل البقية إن شاء الله في درس قادم، وأن في محاضرة نريد أن نختصر الدروس إن شاء الله. ترجمة نانسي قنقر