التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 137

التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 137

الدرس في التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 137، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

قواعد تحريم الأعمال المضرة والمفرقة من قصة مسجد الضرار

يستعرض العلامة السعدي أربع قواعد كبرى مستنبطة من تعليلات آيات مسجد الضرار، وهي تحريم كل عمل فيه ضرر بمسلم أو معصية لله أو تفريق بين المؤمنين أو معاونة لمن حارب الله ورسوله. ويقرر أن عكس هذه الأوصاف — النفع، الطاعة، جمع الكلمة، موالاة أولياء الله — هو المأمور به والمشروع.

وجوب إزالة الآثار الحسية للمعصية عند التوبة

يستنبط المؤلف من آية مسجد الضرار أن التوبة الصادقة من المعاصي ذات الآثار الحسية تقتضي إزالة ذلك البناء هدمًا أو تحويله لطاعة، ولا تكفي التوبة القولية مع بقاء البناء مستخدمًا في المعصية. لأن بقاء أثر المعصية يعد بمنزلة الإصرار عليها.

إخلاص العمل واتباع السنة أساس القبول والثبات

يشرح المقطع مثل القرآن للبناء المؤسس على التقوى مقابل البناء على شفا جرف هار، مستشهداً بهدم مسجد الضرار وفضل مسجد قباء ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم. ويؤكد أن العمل المخلص الموافق للسنة هو الثابت الموصل للجنة، بينما العمل المشوب بالرياء أو البدع كالبناء المتهالك ينهار بصاحبه.

حبط أعمال الكافرين وتحولها إلى هباء منثور

يستعرض المقطع آية قرآنية تشير إلى أن أعمال الذين كفروا تُبطل وتجعل كالهباء المنثور لا ثقل لها. ثم يختم الجلسة بالتحية والدعاء.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فيقول العلامة المفسر عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله في ذكره لفوائد قصة مسجد الضرار: قال: ومنها أنه يستفاد من هذه التعليلات المذكورة في الآية أربع قواعد مهمة، وهي: الأولى: كل عمل فيه مضار لمسلم - هذا الأول - أو فيه معصية لله - هذا الثاني - أو فيه تفريق بين المؤمنين - هذا الثالث - أو فيه معاونة لمن حارب الله ورسوله - هذا الرابع - فإنه محرم، ممنوع منه. قاعدة عظيمة في هذا الباب: كل عمل فيه مضار لمسلم، «لا ضرر ولا ضرار»، «لا ضرر»، الضرر يزال. فأي عمل سواء كان بناء مسجد، أو كذلك حفر حفرة، أو كذلك إنشاء جمعية أو حزب أو نحو ذلك، ففي هذا ضرر على المسلمين، فهذا محرم، ممنوع منه. والثاني: فيه معصية لله، فكل عمل فيه معصية لله ومخالفة لشرع الله فهو محرم، ممنوع. وهكذا فيه تفريق بين المؤمنين يؤدي إلى الفرقة، ويؤدي إلى التناحر أو الشحناء والبغضاء، فإنه كذلك محرم. ولذلك جاء في الشرع تحريم الخمر والميسر، لأن ذلك فيه معصية لله، وفيه تفريق بين المؤمنين، وفيه شحناء وبغضاء. حرم الله عز وجل أن يبيع المسلم على بيع أخيه، أو أن يخطب على خطبة أخيه، كل ذلك لأن فيه تفريق بين المؤمنين، وفيه تنافر وتنازع وتخاصم وتشاحن وتهاجر وتحاسد ونحو ذلك. وهكذا، أي عمل فيه معاونة لمن حارب الله ورسوله - معاونة للمنافقين، أو معاونة للمشركين، أو معاونة للفجرة المفسدين - فهذا أيضاً محرم. وعكسه، يعني: أي عمل فيه نفع وخير للمسلمين، أو فيه طاعة لله، أو فيه جمع لكلمة المسلمين، أو فيه معاونة لمن والى الله ورسوله، فإنه مأمور به، مشروع. عكسه بعكسه، فهي قاعدة جليلة. وأخذ هذه القاعدة من الآية: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا﴾، لأنه هنا قال: فإن المعاصي من فروع الكفر، المعاصي من فروع الكفر، فأخذ قوله: «أو فيه معصية لله» من قوله: ﴿وَكُفْرًا﴾، و﴿تَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، و﴿إِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. فهذه الأربع استنبطها المؤلف من هذه الآية. قال: ومنها - أي من فوائد هذه القصة - أن الأعمال الحسية الناشئة عن معصية الله لا تزال مبعدة لفاعلها عن الله، بمنزلة الإصرار على المعصية حتى يزيلها ويتوب منها توبة تامة، بحيث يتقطع قلبه من الندم والحسرات. ومعنى هذا: أن المعصية إذا كانت لها علاقة بأمر محسوس، كبناء إنسان بنى مرقصاً، أو بنى سينما، أو بنى خمارة، ثم من الله عليه بالتوبة، فمن توبته أن يزيل هذا البناء، إما إزالة حسية، أو إزالة معنوية. الإزالة الحسية بهدمه، والإزالة المعنوية بتحويله من مرقص إلى شيء فيه طاعة أو فيه أمر مباح. ولا يجوز أن يقول: «أنا توبت»، ويبقي هذا لإنسان آخر يدخل فيه، أو سأبيعه لشخص آخر يستخدمه نفس الاستخدام، هذا لا يجوز. ومثل إنسان اشترى تلفازاً لأهله، ثم تاب وعلم خطر هذا الجهاز ومدى إفساده، فقال: «خلاص، أنا توبت، سأخرج هذا التلفاز وأعطيه أخي أو أبيعه لإنسان آخر»، هذا لا يجوز، لأن أثر هذه المعصية سيبقى، سيأخذه غيرك ويستخدمه في الحرام، فلك من الإثم مثل إثمه. فهذا معنى قول: إن الأعمال الحسية الناشئة عن معصية الله لا تزال - أو لا تزال - مبعدة لفاعلها عن الله، وإن تركها، لكن لا تزال تستخدم في المعصية، فهي بمنزلة الإصرار على المعصية حتى يزيلها ويتوب منها توبة. فمن التوبة من تلك الأعمال الحسية أن تزال، أن تزال هذه الأعمال، ولا يكون لها أثر في مزاولة المعصية، لا يكون لها أثر في مزاولة المعصية. كان معه مرقص، حوله إلى مسجد، لا بأس، يجوز ذلك. كان معه مقهى لإفساد الشباب، فحوله إلى مطعم أو إلى مشرب، لا بأس، المهم أنه لا يستخدم في المعصية، لا يستخدم في المعصية، ولا يباع لشخص يستخدمه في المعصية. وهذا يستفاد من الآية التي فيها الأمر بهدم هذا المسجد، مسجد الضرار: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾، فجعل هذا المسجد تراكماً ومكاناً للمزبلة، يعني: ذهب أثره وزال بناؤه. قال: ومنها أنه إذا كان مسجد قُباء مسجداً أسس على التقوى، فمسجد النبي صلى الله عليه وسلم الذي أسسه بيده المباركة وعمل فيه واختاره الله له، من باب أولى وأحرى، أي أنه كذلك أسس على التقوى. وإن كان بناؤه بعد بناء مسجد قُباء، لكنه لا يقل شرفاً وفضلاً عن مسجد قُباء، بل هو أفضل، والصلاة فيه بألف صلاة، ولا يكون ذلك في مسجد قُباء. قال: ومنها أن العمل المبني على الإخلاص والمتابعة هو العمل المؤسس على التقوى، هذا هو دليل الإخلاص والمتابعة: أن يعمل المسلم الأعمال على تقوى من الله بإخلاصه ومتابعته للشرع، الموصل عامله إلى جنات النعيم. والعمل المبني على سوء القصد وعلى البدع والضلال هو العمل المؤسس على شفا جرف هار، فانهار به في نار جهنم، ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. يعني: العمل الذي يفقد الإخلاص فهو كالبناء الذي يبنى على جرف هار، يعني: كاد أن ينهار بهذا المبنى، أي أنه عمل هش، عمل ضعيف، عمل سيزال في أي وقت، سيزال ويذهب في أي وقت. وهذا كله يدعو جميعاً إلى إخلاص العمل لله عز وجل. إن أردت عملك مؤسساً على التقوى وعلى الثبات والقوة، فاحرص على الإخلاص والمتابعة للنبي صلى الله عليه وسلم. وأما إذا دخل العمل سوء القصد من الرياء أو السمعة أو حطام الدنيا أو نحو ذلك، فهذا العمل أشبه بالسراب، وأشبه بالبناء الذي يكون على جرف هار، فينهار بصاحبه، والعياذ بالله. ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾. نكتفي بهذا، وإلى اللقاء، والله تعالى. ترجمة نانسي قنقر