الدرس في الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 130، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح المقطع بيت النظم حول وفاة ريحانة بعد عودة النبي من حجة الوداع، ويوضح أنها لم تكن زوجة للنبي بل ملك يمين. كما يتحدث عن التسع زوجات اللاتي بقين على قيد الحياة بعد وفاة النبي.
يتناول المقطع الحديث عن فضل زوجات الرسول ومكانتهن العظيمة عند الله، مستشهدا بالآيات القرآنية التي تبرز تميزهن وتكريم الله لهن. كما يشير إلى عقوبة من يسب أو يلعن إحدى زوجات الرسول.
يتناول المقطع حكم من يسب زوجات الرسول، حيث يرى أكثر العلماء أن سب عائشة أو غيرها كفر وردة، ويستندون في ذلك إلى أن هذا الفعل يتضمن أذية لرسول الله وطعناً في فراشه وأمانته.
المقطع يختتم الحديث عن زوجات الرسول، ويؤكد مكانتهن في الدنيا والآخرة، ويختم بالصلاة على النبي وآله وصحبه.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال النظم رحمه الله تعالى: وموت ريحانة بعد عوده والتسع عشنا مدة من بعده. في هذا البيت، والذي بدأه النظم رحمه الله تعالى بحرف العطف الواو، وموت أي إشارة إلى أن هذه الحادثة مما وقع لرسول الله صلى الله عليه وسلم في السنة العاشرة من الهجرة، وهي في آخر حياته عليه الصلاة والسلام. قال: وموت ريحانة بعد عوده، أي بعد عوده من حجة الوداع. قد مر معنا ما صار لرسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الرحلة حين حجة الوداع، وهي حجة الإسلام. بعد عوده من حجة الوداع ماتت ريحانة، وريحانة باعتبارها عند بعض أهل العلم أنها من زوجاته عليه الصلاة والسلام. وقال الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى في الإصابة: وماتت قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بستة عشر شهر، وقيل لما رجع من حجة الوداع، فهي من آخر من مات في حياته عليه الصلاة والسلام. لكن الصحيح، وقد أشرنا إلى ذلك في أوائل المتن، أن ريحانة ليست معدودة من أزواجه على القول الصحيح، هي من سبايا بني قريضة، فكان نبينا صلى الله عليه وسلم يأتيها على أنها ملك يمين لا على أنها زوجة، وهذا والصحيح من أقوال أهل العلم في ريحانة. فشهد أن ريحانة قد ماتت قبل موته عليه الصلاة والسلام في اللحظات الأخيرة، وذلك بعد حجة الوداع. فقال: وموت ريحانة بعد عوده والتسع عشنا مدة من بعده. هنا أفاد فائدة أخرى رحمه الله تعالى، هو باعتبار أن ريحانة زوجة، ثم قال والتسع، من المقصود بالتسع؟ أي تسع الزوجات، تسع الزوجات الباقية في عقده عليه الصلاة والسلام، هن عشنا بعده عليه الصلاة والسلام، أي لم يمتنا في حياته، وإنما متنا بعد موته عليه الصلاة والسلام. فقال: والتسع، أي تسع الزوجات، عشنا أي طالت بهن الحياة مدة من بعده، أي من بعد موته عليه الصلاة والسلام. وقال الإمام بن كثير رحمه الله تعالى مبينا هذه المسألة: لا خلاف أنه عليه الصلاة والسلام توفي عن تسع، أي من الزوجات. قال: وهن عائشة بنت أبي بكر الصديق، وحفصة بنت عمر بن الخطاب، وأم حبيبة بنت أبي سفيان، وزينب بنت جحش، وأم سلمة هند بنت أبي أمية، وميمونة بنت الحارث الهلالية، وسودة بنت زمعة العامرية، وجويرية بنت الحارث، وصفية بنت حيي ابن أخطب، رضي الله تعالى عنهن. هؤلاء التسعة بلا خلاف أنهن زوجاته عليه الصلاة والسلام، وأنهن متن بعد وفاته. فهؤلاء التسع اللاتي مات عنهن رسول الله صلى الله عليه وسلم هن أمهات المؤمنين، وهذا بالإجمع. وأما من مات في حياته، إنما هي خديجة، وهذا لا إشكال، وهكذا زينب بنت خزيمة، وقد مضى ذكرها في متن المنظومة. فخديجة وزينب بنت خزيمة قد ماتتا في زمنه عليه الصلاة والسلام. والخلاف في ريحانة، إن كانت زوجة، إذن ماتت في حياته، وإن لم تكن زوجة، وهذا الصحيح أنها من السبي، فلا تعد من زوجاته. وأما التسع الزوجات، فقد عشنا مدة من الزمن، منه من تأخر، وقيل إن آخر من مات من زوجات أم سلمة، وقيل ميمونة، على خلاف بين المؤرخين في أطولهن عاش بعد الرسول عليه الصلاة والسلام. هذا البيت، إخواني في الله، الذي فيه الإشارة إلى زوجات الرسول عليه الصلاة والسلام، فيه لفتة لهذه الصحبة التي شرفهن الله عز وجل بالزواج من نبينا عليه الصلاة والسلام. فمع كونهن من الصحابة من هذا الجيل الفاضل العظيم الرائع، كذلك تشرفن بالقرب منه عليه الصلاة والسلام. ولا شك ولا ريب أن زوجات الرسول عليه الصلاة والسلام لهن مزية لا يعادلها أي أحد، ويكفينا في هذا ما جاء في القرآن من تلكم الآيات الدالة على فضيلة زوجات الرسول عليه الصلاة والسلام، كقول ربنا: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾، فزوجات الرسول عليه الصلاة والسلام هن أمهات لنا، وإن رغمت أنوف. فهن أمهات لأهل الإيمان، ولهذا من ألقابهن أنهن أم المؤمنين، يقال: عائشة أم المؤمنين، حفصة أم المؤمنين، وهكذا كل من كانت زوجة لرسول الله فهي أم لنا. قال علماء: والأمومة هنا بمعنى الاحترام والفضل والتقدير والتوقير والحرمة والتحريم. ولعظيم فضل زوجات الرسول عند الله جل وعلا أن الله عز وجل ميزهن عن غيرهن، فقال سبحانه: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾، وإن كنتن بشرا وآدميات، وغيركن على هذا الخلق، أنهن قد شاركونكن في الآدمية، لكن لستن أحدا بماذا؟ بالفضل، لستن أحدا في الفضل والرفعة والشرف. كما قال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى عند هذه الآية: ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾، قال رحمه الله تعالى: أي في الفضل والشرف. ثم أشار إلى شيء من هذا الشرف، أنهن من أقرب الناس برسول الله عليه الصلاة والسلام، وأن القرآن يتنزل لأجلهن: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ﴾، كم هي الخطابات التي صدرت بهذا الخطاب؟ لا يوجه إلا لهن فقط، لهن فقط، لعظيم فضلهن وعظيم منزلتهن عند الله سبحانه وتعالى. وأيضا مما يدلل به على فضيلة الزوجات، زوجات الرسول، أن الله عز وجل أعظم لهن الأجر والمثوبة، نؤتها ضعفين، نؤتها أجرها مرتين، وهذا في حق النساء، وذلك عندما خيرهن نبينا صلى الله عليه وسلم بين البقاء معه على حالته من الشدة والضعف والقلة والإنفاق، إما أن يصبرن على حالته، وإما إن أردن الدنيا فارقهن عليه الصلاة والسلام. فكانت الكلمة بالإجماع أنهن رضين بالبقاء مع رسول الله، وعلى الصبر على حالته، والرضى أن يكون بجنبه. حينها ضاعف الله عز وجل لهن الأجر، نؤتها أجرها مرتين. فالذي تعمله الواحدة منها أجرها مضاعف عن غيرها، وكل ذلك من الفضائل العظيمة التي جعلها الله عز وجل لزوجات الرسول عليه الصلاة والسلام. ثم بعد ذلك يأتي من يأتي ويطعن ويغمز ويقدح، أو يسب أو يلعن في أحد الزوجات من زوجات الرسول عليه الصلاة والسلام. ولهذا كانت كلمة العلماء على أنه من سب عائشة رضي الله تعالى عنها فهو كافر مرتد، وهذا بالإجمع، لا خلاف بين أهل العلم قاطبة على أن من سب وقذف عائشة بما برأها الله به فهو كافر، كائنا من كان. وبهذا نعلم جماعات من الروافض -قبحهم الله- ممن يلهجون صباح مساء بسب أم المؤمنين، بل من أقام بعضهم مهرجانا سنويا كرس في عائشة. انظر لعظيم الكفر والزندقة، مهرجان خاص بعائشة، لا تظن أن هذا المهرجان احتفاء بها، لا، وإنما سبا وشتما في حقها. انظر لعظيم الرعونة وعظيم الكفر، هؤلاء كفرهم ما ضروا إلا أنفسهم. ويكفينا أن الله عز وجل عاقبهم في الدنيا قبل الآخرة، عاقبهم بإقامة الحد، هم الذين أقاموه على أنفسهم. فما يأتي موسم كربلا وعاشورا إلا وأخرجوا السيوف والسكاكين والسلاسل، وجلدوا أنفسهم بأنفسهم، كل سنة يعاقبهم الله بأيديهم. هذا في حق عائشة، من سبها قذفا فهو كافر. ثم تم الخلاف بين أهل العلم في حق من تطاول على غير عائشة من زوجات الرسول عليه الصلاة والسلام، كمن يسب أم سلمة، أو يسب غيرها من الصحابيات، أم حفصة وغيرهن من الزوجات. هنا نعم، وقع الخلاف بين أهل العلم، هل يكفر أو لا يكفر؟ والصحيح والذي عليه أكثر العلماء على أنه كافر، كما رد ذكر ذلك أئمة من أهل العلم، كما ذكر ذلك ابن حزم رحمه الله تعالى وبين، قال: وكذلك من سب، وكذلك القول في سائر أمهات المؤمنين، ولا فرق، أي هذا الحكم حكم الكفر في حق من سب عائشة، هو القول الذي يقال في حق من سب غيرها من زوجات الرسول عليه الصلاة والسلام، لا فرق في كفره. وهذا الذي أشار إليه كذلك شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، أن من سب عائشة وغير عائشة من زوجات الرسول فهو كافر مرتد. وجه ذلك أن هذا فيه أذية لرسول الله عليه الصلاة والسلام. وكل إنسان، إخواني في الله، كل إنسان سوي عاقل، إذا طعن فيه يتأذى، أو طعن في أهله. ما ظنك يا عبد الله الوقي لك إن امرأتك زانية، إن امرأتك عاهرة، إن امرأتك فاجرة؟ ماذا؟ أتضحك؟ أتبتسم؟ أترضى أن الناس يتكلمون على كل لسان على أهلك؟ هذا ما يقال. هذا الفعل له أذية عليك، لربما تود أن تموت وأن تدخل في باطن الأرض ولا أن توصف بهذا الوصف بأن أهلك هم أهل دعار وفساد. فكيف هذا في حق رسول الله عليه الصلاة والسلام، بأن يترك المجال لكل لسان في الطعن والغمز والقدح والقذف في زوجاته عليه الصلاة والسلام؟ فهذا فيه أذية لرسول الله، وفيه كذلك طعن في فراشه، وطعن في أمانته. فالحاصل أن الصحيح من أقوال أهل العلم على أن التطاول على أحد من أزواج الرسول عليه الصلاة والسلام حقه الكفر. ومن كفر فإنه يقتل ردة. فهذا، إخواني في الله، ما يتعلق بهذا البيت الذي أشار فيه الناظم رحمه الله تعالى بقوله: وموت ريحانة بعد عوده. موت ريحانة إما باعتبارها زوجة، هذا على قول بعض أهل العلم، وإلا فهي من سبايا بني قريضة، امتلكها نبينا بملك اليمين، ماتت بعد عود رسول الله من حجة الوداع. قال: وموت ريحانة بعد عوده والتسع عشنا مدة من بعده، أي الزوجات التسع التي أشار إليها العلماء كما ذكره ابن كثير رحمه الله تعالى، وهي عائشة وحفصة وأم حبيبة وزينب بنت جحش وأم سلمة، وهكذا ميمونة وسودة بنت زمعة وجويرية الحارثية، وهكذا صفية بنت حيي. هؤلاء زوجات الرسول، وهن في الدنيا زوجات، ولهن كذلك في الآخرة، رضي الله تعالى عنهن جميعا. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.