مقومات بناء الأسرة - حق الزوجة

مقومات بناء الأسرة - حق الزوجة

الخطبة بعنوان مقومات بناء الأسرة - حق الزوجة، والتي كانت بمسجد السنة بدار الحديث بطيبة 22 ربيع الآخر 1446هـ الموافق 25 أكتوبر 2024م ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

حقوق الزوجة ووصية النبي بالنساء خيراً

تستعرض الخطبة مكانة الزوجة كنعمة وآية من آيات الله، وتوضح حقوقها الواجبة من النفقة والسكنى وحسن المعاشرة بالمعروف مستندة إلى نصوص قرآنية وسنية. كما تؤكد الوصية النبوية بالنساء خيراً والصبر على طباعهن مع النهي عن التفريق إلا لسوء خلق محرم.

النصيحة والتعليم وحق الفراش والنفقة

يؤكد المقطع وجوب نصيحة الزوج لزوجته بتعليمها كتاب الله وسنة نبيه وأمرها بالمعروف ونهيها عن المنكر، مستدلاً بحديث معقل بن يسار في تحريم الجنة على من غش رعيته. ويبين حق الزوجة في المعاشرة والوطء مستشهداً بقصة عبد الله بن عمرو وأبي الدرداء، ويختم بوجوب النفقة عليها استناداً لقول الله تعالى: ﴿ لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ ﴾.

آداب المعاشرة وضوابط التأديب الشرعي

يبيّن المقطع وجوب إنفاق الزوج على زوجته وأهله حسب وسعه دون إسراف، ويذكر حقوقها الثابتة بالسنة: الطعام، الكسوة، حسن العشرة، وعدم القبح أو الهجر إلا في الفراش تأديباً. كما يؤكد تحريم الضرر بها، ويوضح ضوابط التأديب الشرعي، مختتمًا بأمر النبي ﷺ بالإحسان إليها بوصفها شريكة الحياة.

دعاء الختام والاستغفار

يختتم المتحدث بالدعاء لله بالمغفرة والرحمة والفقه في الدين، ويختتم بالحمد لله رب العالمين.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدًا، يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، أيها الإخوة، فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المؤمنون، عباد الله، فإن ربنا جل وعلا ذكرنا بآية عظيمة ونعمة كريمة من نعم الله عز وجل في هذه الحياة، فقال جل وعلا: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾. عباد الله، قد ذكرنا فيما سبق في الخطب السابقة أن من مقومات بناء الأسرة المسلمة الزوج، وذكرنا حقه، وفي هذه الخطبة إن شاء الله تعالى نذكر حق الزوجة على زوجها. فإن من بناء هذه الأسرة العظيمة هذه الزوجة، وهي الأم المربية، والبنت البارة، وكذلك أيضًا الأخت الرؤوفة. فلهذا، عباد الله، هذه المرأة هي جزء من الأسرة العظيمة، ونحن نتكلم إن شاء الله تعالى على الزوجة، حق هذه الزوجة على زوجها، وهذا حق عظيم. عباد الله، كما قد سمعنا في الآية أن الله عز وجل جعلها من آياته، أي أنها نعمة عظيمة أن يوفق العبد لهذا الزواج، أن يوفق العبد لزوجة صالحة تحفظه، وتحفظ أولاده، وتحفظ بيته. ﴿ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ ﴾. أخرج الإمام مسلم رحمة الله عليه عن أبي عبد الرحمن الحذلي أن رجلًا جاء إلى عبد الله بن عمرو بن العاص، فقال: يا أبا عبد الرحمن، ألسنا من فقراء المهاجرين؟ فقال له عبد الله بن عمرو: أليس لك امرأة تأوي إليها؟ قال: بلى. قال: أليس لك بيت تسكنه؟ قال: بلى. قال: فأنت إذن من الأغنياء. قال: ومعي خادم. قال: فإذن أنت من الملوك. ومراد عبد الله بن عمرو أن فقراء المهاجرين ما كانت معهم نساء، وما كان معهم بيوت يسكنونها، وإنما كانوا يسكنون في المسجد، أي أهل الصفة. فلهذا، عباد الله، فإن العبد إذا وفقه الله عز وجل للزواج فهي نعمة عظيمة. قال: فأنت من الأغنياء، أي أغناك الله عز وجل بالأمور المهمة التي يطلبها الإنسان في هذه الحياة، وهي من متاع الدنيا الذي يجتهد الإنسان في طلبه. ولهذا جاء في حديث عبد الله بن عمرو أيضًا في صحيح مسلم أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة». الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة. وجاء كذلك في حديث أنس عند أحمد وأبي داود أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمُ الطِّيبُ وَالنِّسَاءُ، وَجُعِلَ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ». حبب إلي من دنياكم الطيب والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة. عباد الله، فإن هذه الزوجة لها حقوق عظيمة على زوجها، وإن من أعظم الآيات التي أشارت إلى حق الزوجة هي قوله سبحانه وتعالى: ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾. قال بعض المفسرين: إن هذه الآية شملت حقوق الزوجة كلها من النفقة والسكنى والقسم، وكذلك حسن المعاملة، وغير ذلك مما يكون فيه معاشرة الزوج لزوجته. فلهذا، عباد الله، الله عز وجل أمر عباده المؤمنين من الأزواج أن يعامل أزواجهم، أن يعاشر أزواجهم بالمعاشرة الحسنة. وقال في الآية الأخرى: ﴿ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ﴾. وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي». فلهذا، عباد الله، النبي عليه الصلاة والسلام في محفل عظيم في حجة الوداع أوصى بالنساء خيرًا، كما جاء في حديث جابر الطويل. فخطب النبي عليه الصلاة والسلام في يوم عرفة، فقال: «اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عَوَانٌ عِنْدَكُمُ، اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عَوَانٌ عِنْدَكُمُ، اسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ». فلهذا، عباد الله، فإن العبد ينبغي أن ينتوصي بالمرأة. وفي حديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري ومسلم أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ، فَإِنَّهُنَّ خُلِقْنَ مِنْ ضِلَعٍ أَعْوَجَ، وَإِنَّ أَعْوَجَ مَا فِيهِ أَعْلَاهُ، فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وَكَسْرُهَا طَلَاقُهَا، وَكَسْرُهَا طَلَاقُهَا». فهذه، عباد الله، أحاديث عن النبي عليه الصلاة والسلام يوصي الزوج بالمرأة. فإن المرأة فيها خلقها الله عز وجل على ضلع أعوج، خلقها من ضلع آدم، فلهذا صار فيها شيء من العوج. فإن العبد أو أن الزوج لا بد أن يرى من المرأة شيئًا من الأمور التي لا يحبها أو التي يكرهها، فلا يحمله ذلك على أنه يصر عليها ويطلقها بذلك، بل أنه يصبر عليها ويغض طرفه عنها، وكذلك يعاملها بالحسنة التي ذكر الله عز وجل بقوله: ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾. هكذا، عباد الله، فإن العبد المؤمن الذي يعرف حق الله عز وجل يعرف حق زوجته، فيعاملها بما أمر الله عز وجل وبما أمر به نبينا عليه الصلاة والسلام، الذي قال صلى الله عليه وعلي وسلم: «لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً، إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ». لا بد أن تكون فيها بعض الأمور التي يكرهها، وبعض الأمور التي ترضيه فيها، فيغض الطرف عن تلك الأمور ما لم تكن فيها من المحرم، فينبغي عليه أن يمنعها من ذلك، أو أنه ينصحها حتى لا تكون في سخط الله جل وعلا. وأما ما يرضيه عنها فإنه يتمسك به، وكذلك يجعل هذا من نعمة الله عز وجل عليه. فلهذا، عباد الله، فإن هذه العشرة العظيمة التي تكون بين الزوجين ينبغي للزوج أن يحوطها بنصحه، وأن يجعلها أسرة عظيمة، وزوجة تربي أولاده وتحفظ أولاده. ولهذا من العشرة العظيمة، العشرة بالمعروف، وبعضها العلم يجعل حقًا مستقلًا أن العبد ينصح لزوجته. ومن النصح للزوجة أنه يعلمها كتاب الله جل وعلا وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فيأمرها وينهاها بما أمر الشرع، أو يعلمها الأوامر والنواهي بما جاءت في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. لا ينبغي للرجل أن يرى امرأته جاهلة بأشياء كثيرة من دين الله جل وعلا، ويرى منها المخالفات التي تخالف شرع الله جل وعلا، وهو يسكت ويغض الطرف. لا، إنما يغض الطرف في الأمور المباحة، الأمور التي لا تضر بأسرته، ولا كذلك بعلاقته بهذه المرأة. وأما الأمور التي تضر بالشرع، أو تضر بعلاقته بزوجته، أو تضر بهذه الأسرة، فإنه يجب أن يصلحها، يجب أن يصلحها كما أمر الله عز وجل. ولهذا، عباد الله، فإن النبي عليه الصلاة والسلام قد قال كما جاء في الصحيحين في حديث معقل بن يسار: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللهُ رَعِيَّةً ثُمَّ لَمْ يَحُطْهُمْ بِنَصِيحَتِهِ إِلَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ». ثم لم يحطهم بنصحه، أي لم ينصح لهم ولم يجهد نفسه عليهم، بل تركهم يعملون المحرمات وتركهم يعملون المخالفات، فإنه كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِلَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ». وجاء في رواية: «إِلَّا لَمْ يَجِدْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ». فلهذا، عباد الله، فإن الأمر عظيم، ينبغي على المسلم أن ينصح لزوجته، وكذلك لأولاده، وكذلك لهذه الأسرة. الله عز وجل يقول: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ﴾. قال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: علموهم وأدبوهم، علموهم كتاب الله، وعلموهم سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فالنبي عليه الصلاة والسلام لما ذكر المماليك وذكر تأديبهم وتعليمهم، وأن من علمهم وأدّبهم كانوا له سترة من النار، فكيف بالمرأة التي هي زوجته؟ فينبغي عليه أن يحرص على تعليمها، وعلى تعريفها، وأيضًا كذلك على أمرها بما أمر الله به، ونهيه عما نهاه الله عز وجل عنه. فيعلمها هذه الأمور، وإن لم يستطع أن يعلمها فإنه يأمرها أن تذهب إلى حلقات العلم حتى تتعلم دين الله جل وعلا، تتعلم كتاب الله، وتتعلم سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهذا من المعاشرة بالمعروف. وكذلك، عباد الله، أيضًا النصيحة التي ذكرها النبي عليه الصلاة والسلام أيضًا يدخل فيها أن العبد يكون ناصحًا لزوجته، يكون ناصحًا لزوجته ليس فقط في أمر الآخرة، بل في أمر ما يصلحها في دنياها، يكون حريصًا عليها. وكذلك أيضًا مما يدخل في هذه الرعاية ويدخل في هذا النصح أن يكون أيضًا حريصًا عليها أن تزل قدمها فتدنس عفتها، فإنه ينبغي عليه أن يصون مرأته من هذه الأمور. فلهذا، عباد الله، من الحقوق العظيمة والمعاشرة بالمعروف أنه ينتبه لحق الفراش، لحق الوطء، فإن هذه من الحقوق التي جعلها الله عز وجل من الحقوق العظيمة، كما ذكر النبي عليه الصلاة والسلام في ذلك المحفل العظيم. فلهذا حق الفراش، فإن الزوجة ينبغي أن يطأ زوجته، ولا يتركها بدون وطء حتى بعد ذلك يحصل الفساد منها. فإن كثيرًا من النساء ما حصل الفساد منهن إلا لأن أزواجهن تركوا وطأهن، إما لسفرهم، وإما أنها قد طلقت ولم تتزوج، أو أن زوجها كان يهملها. فلهذا، عباد الله، جاء في الصحيحين من حديث عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه أنه لما جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وجاء كذلك في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو، لما فرط عبد الله بن عمرو في زوجته، جاءه عمرو بن العاص وقال: كيف عبد الله معك؟ فقالت: نعم الرجل عبد الله، إلا أنه لم يطأ لنا فراشًا، ولم يكشف لنا كنفًا. فشكاه إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فقال النبي عليه الصلاة والسلام لعبد الله بن عمرو: «يَا عَبْدَ اللهِ، إِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ». إن لزوجك عليك حقًا، أي لا تضيع حق زوجتك، فإن لها حقًا عظيمًا. وهكذا قال سلمان الفارسي لأبي الدرداء، كما جاء ذلك في الصحيحين من حديث أبي جحيفة رضي الله تعالى عنه، لما جاء زار سلمان أبا الدرداء، وكان قد آخى بينهما النبي عليه الصلاة والسلام، فلما رأى تفريطه في زوجته، وأنه لا يأتيها، وكذلك أيضًا يصلي طول الليل، وفي النهار يكون صائمًا، فقال: يا أبا الدرداء، إن لزوجك عليك حقًا، وإن لعينك عليك حقًا، وإن لزورك عليك حقًا، وإن لربك عليك حقًا، فأعط كل ذي حق حقه. فلما أصبح أبو الدرداء جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام وأخبره بما قال سلمان، فقال: «صَدَقَ سَلْمَانُ، صَدَقَ سَلْمَانُ». فلهذا، عباد الله، فحق الزوجة حق من الحقوق العظيمة التي ينبغي للزوج أن يراعيها. نسأل الله عز وجل أن يمن علينا برحمته وعفوه وكرمه جل وعلا، والحمد لله رب العالمين. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، عباد الله، إن من الحقوق العظيمة التي ينبغي للمسلم وللزوج أن يراعيها في زوجته أنه أن يوفر لها النفقة إذا وجدت عنده. فإن الله عز وجل قال: ﴿ لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا ﴾. هذه الآية العظيمة، عباد الله، فيها نفقة الزوج لزوجته، وأنه ينبغي عليه أن يحرص على نفقة الزوجة. لكن كما قال الله عز وجل: ﴿ لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ ﴾، إن كان وسع الله عز وجل عليه فليوسع على زوجته وعياله. ولكن ليس معنى ذلك أنه يسرف ويأتي لهم بالأشياء التي تضرهم، أو يتمادى ويسرف في المباح ويضيع أمواله في ذلك، وإنما المراد أنه يوسع عليهم في الملبس والمأكل الذي يكون فيه صحتهم، والذي يكون فيه خير لهم، فيوسع لهم في ذلك. ﴿ لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ ﴾، أي من ضيق عليه رزقه، ليس عنده من الأموال التي قد لا تكفيه لنفسه ولعياله، أو قد لا تكفيه للأمور الضرورية، فإنه يعطي على ما أعطاه الله عز وجل. ﴿ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا ﴾، ينفق مما أعطاه الله عز وجل على نفسه وعلى زوجته وعلى أهله. أخرج الإمام مسلم رحمه الله في صحيحه من حديث أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «دِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ عَلَى رَقَبَةٍ، وَدِينَارٌ تَصَدَّقْتَ بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ، فَأَعْظَمُهَا أَجْرًا الَّذِي أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ». فخيرها الذي أنفقته على أهلك، فخيرها الذي أنفقته على أهلك. أي إذا تيسر للعبد مال فإنه يطعم نفسه وأهله بذلك الدينار، فإن هؤلاء حق من الحقوق الواجبة التي عليه. فلهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: أفضلها، مع أن تلك الدنانير كانت صدقة لله وفي سبيل الله، أي في الجهاد، إلا أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: أفضلها ما أعطاه أهله، أو الدينار الذي أعطاه أهله. هكذا، عباد الله، فإن النبي عليه الصلاة والسلام لما سئل كما في حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، قال: قيل للنبي عليه الصلاة والسلام: ما حق الرجل على امرأته، وما حق المرأة على زوجها؟ فقال: «حَقُّ الْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا أَنْ يُطْعِمَهَا إِذَا طَعِمَ، وَأَنْ يَكْسُوهَا إِذَا اكْتَسَى، وَأَنْ لَا يَقْبِحَ الْوَجْهَ، وَلَا يَهْجُرَ إِلَّا فِي الْبَيْتِ». أن يطعمها إذا طعم، أي إذا كان عنده مال فيطعم نفسه ويطعم أهله. وأن يكسوها إذا اكتسى، أي يوفر لها الكسوة، يوفر لها الكسوة. قال: وأن لا يقبح الوجه، ولا يهجر إلا في البيت. لا يقبح الوجه، أي لا يقول: قبحك الله، وما كان مثلها من الكلمات، من السب والشتم. لا ينبغي للمرأة للرجل أن يكون سبابًا لزوجته، دائمًا يسبها ودائمًا يهينها. فإن هذه المرأة امرأة مسلمة، لا ينبغي له أن يهينها. ولم يجعلها الله عز وجل مملوكة له، حتى المملوك نهى الشرع أن يهين المملوك، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ عِنْدَهُ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَطْعَمُ، وَلْيَكْسُهُ مِمَّا يَكْسُو». فلهذا، عباد الله، وهذه المرأة هي شريكة حياتك، وهي أيضًا نعمة من نعم الله عز وجل عليك، فكيف تهينها؟ كيف تسبها؟ وكيف أيضًا تعاملها المعاملة غير الحسنة؟ فإن هذا من الإثم العظيم الذي يجعلك لم تحمل هذه الأمانة التي حملك الله عز وجل إياها. فلهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: ولا تقبح الوجه، ولا تهجر إلا في البيت. أي لا تهجر خارج البيت إلا إذا كان هناك مصلحة عظيمة، وإلا فهجرك إنما يكون في الفراش فقط، وإنما تجلس في البيت ولا تهجر البيت وتترك البيت لزوجتك وتذهب مكانًا آخر، إلا إذا كان لمصلحة، كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام لما ترك نساءه وآلى منهن شهرًا وجلس في مشربته. أيضًا، عباد الله، من الحقوق العظيمة التي ينبغي للزوج أن يراعيها، ونختم بها إن شاء الله تعالى، أنه لا يضر بالمرأة، لا يضر بالمرأة. فإن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ». لا ينبغي للزوج أن يضر بمرأته، كما قال الله عز وجل: ﴿ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ ﴾. فإن الضرر الذي يحصل للمرأة فإنه من الإثم، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ». وهذا الأمر يدخل فيه كل ضرر يكون على هذه المرأة مما لا ينبغي أن يضرها ذلك الزوج، سواء كان بالأذى، أو سواء كان بعدم الإحسان إليها، أو سواء كان أيضًا بعدم أداء حقوقها التي أمره الله عز وجل بها وأمره بها نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فكل ذلك يكون إذا كان من الضرر على هذه المرأة فإنه لا يجوز. وأما إذا كان يظن مثلا أنه ضرر وهو حق، أو وهو أمر شرعي، فإنه لا يكون فيه عليه إثم، إذا كان يعاملها بالشرع، إذا كان يعاملها بما شرعه الله عز وجل، كما قال الله عز وجل: ﴿ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ﴾. فقال الله عز وجل: ﴿ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ ﴾، وعظ هذه المرأة وذكرها بالله جل وعلا. ﴿ وَاضْرِبُوهُنَّ ﴾، أي ضربًا غير مبرح، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا يَضْرِبْ أَحَدُكُمْ امْرَأَتَهُ ضَرْبَ الْفَحْلِ ثُمَّ هُوَ يُضَاجِعُهَا»، أي يحتاجها إلى المضاجعة. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا يَضْرِبْ أَحَدُكُمْ امْرَأَتَهُ ضَرْبَ الْفَحْلِ»، أي ضرب البعير، وإنما يكون ضرب تأديب، من لكمة أو ضربة باليد، أو كذا مما يكون فيه شيئًا من اللطف والرفق. فقال: ﴿ وَاضْرِبُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ ﴾، وهجروهن في المضاجع. ﴿ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ﴾، أي لكم. فإذا أطعنكم، أي لا يجوز لكم أن تفعلوا بهن شيئًا بعد ذلك. ﴿ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ﴾، أي لا يجوز لكم أن تظلموهن وأن تبغوا عليهن ما دام أنهن طائعات، حافظات للغيب بما حفظ الله. فهذا، عباد الله، شيئًا مما يذكر في حق المرأة على زوجها. وكذلك، عباد الله، ينبغي للزوج أن ينظر إلى هذه المرأة أنها شريكة له في هذه الحياة، وأنها معينة له في هذه الحياة، فيكرمها ويحسن معاملتها، كما كان النبي عليه الصلاة والسلام يفعل مع أزواجه: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي». فنسأل الله جل وعلا بمنه وكرمه أن يغفر لنا، وأن يرحمنا، وأن يفقهنا في دين الله جل وعلا، والحمد لله رب العالمين.