الدرس في شرح كتاب ضوابط الجرح والتعديل 7، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستعرض المقطع الدليل الشرعي لاعتبار عدالة الرواة وضبطهم مستنداً إلى قوله تعالى: ﴿ إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا ﴾، ويؤكد أن جرح الضعفاء ليس غيبة بل واجب للحاجة لتمييز الصحيح من الضعيف بإجماع السلف وأقوال الأئمة. كما يستدل بحديث عائشة في مدارة النبي صلى الله عليه وسلم لصاحب السوء مع التحذير من شره.
يبين المقطع جواز الكلام في أشخاص بأعيانهم للذم والتحذير عند وجود مصلحة شرعية، مستدلاً بأفعال النبي ﷺ كقوله «بئس أخو العشيرة» وتحذيره من الحكم بن العاص. ويوضح عبر موقف ابن عباس مع الأحنف ونوف البكالي أن الرد يختلف باختلاف حال المخطئ بين الجرح الصريح للمتطفل والرفق بالعالم، شاملاً رواة الحديث وأهل البدع والمفتين بغير أهلية.
يقرر المقطع مشروعية الجرح والتعديل للمصلحة الشرعية مستدلاً بفعل النبي ﷺ في التحذير من سوء الخلق والمشورة في النكاح، ويفرق بوضوح بين المدارة المشروعة والمداهنة المحرمة. ويستعرض أقوال شيخ الإسلام ابن تيمية والشيخ مقبل الوادعي في أدلة ذلك التفريق.
يتناول المقطع كيفية ورود الأسماء صريحة في القرآن كما في سورة المسد بأبي لهب، وكيف أن النبي ﷺ أحياناً يصرح بالأسماء وأحياناً يكتفي بالإشارة بقوله «ما بال أقوام يقولون كذا وكذا». ويبرز الفرق بين التصريح والتعريض في سياق حديث أنس وعائشة.
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: الأصل الشرعي لاعتبار العدالة والضبط في الرواة. قال: الأصل معنا، الأصل الدليل الشرعي لاعتبار العدالة والضبط في الرواة. الأصل في اعتبار عدالة الرواة قوله جل وعلا: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا ﴾. جرح المجرحين، جرح المجرحين، جرح المجرحين. طيب. قال: وجرح معنا... مسألة، الله دلالة على جواز الجرح والتعديل كثيرة، سيأتي ذكر هذه. طيب. قال: قال: قوله: جرح... قال: وذلك من وجوه. جرح الرواة بقدر الحاجة لا يعد من الغيبة المحرمة، فقد ذكر النووي رحمه الله أن الغيبة تباح لغرض صحيح شرعًا لا يمكن الوصول إليه إلا بها، وأن من تلك الأغراض تحذير المسلمين من الشر ونصيحتهم للتوقي أو لتوقيه. وذلك من وجوه: منها جرح الرواة، كما تقدم معنا أنه ليس بغيبة، بل أجمع السلف عليه، بل هو من الجهاد في سبيل الله، من الجهاد بالحجة والبيان، كما قال يحيى بن معين: الداعي عن السنة مجاهد في سبيل الله، أو قال: الجهاد في سبيل الله. وقد أجمع العلماء على ذلك. قال الوليد بن مسلم: سألت الأوزاعي ومالك بن أنس والليث بن سعد وعبد الله بن المبارك وجمعًا كثيرًا. قال: سألتهم عن الرجل يكون ضعيفًا أو يكون ليس بثبت، فأقول: إنه ليس بثبت، فهل هذه غيبة؟ فقالوا: لا، ليس هذا غيبة، وإنما حكمت عليه أنه ليس بثبت. أنا هذه نصيحة، تعتبر هذا من النصيحة. قال: وذلك من وجوه: منها جرح المجروحين من الرواة والشهود، فإنه جائز بجماع المسلمين، بل واجب للحاجة... للحاجة، أيش؟ للمعرفة الحديث وصحته وضعفه، إذ يترتب عليه تمييز الرواية، تميز الحديث الثابت عن الروايات الضعيفة والواهية والموضوعة التي لا تثبت صحتها لما في أحوال رواتها من الأمور المنافية للعدالة أو الضبط. قال: قال ابن الصلاح: على جواز الغيبة لغرض شرعي ما يلي: ما اتفق عليه الشيخان من حديث عائشة رضي الله عنها أن رجلًا استأذن على النبي عليه الصلاة والسلام، فلما رآه قال: «بئس أخو العشيرة، وبئس ابن العشيرة». فلما جلس انبسط النبي عليه الصلاة والسلام في وجهه، انبسط إليه. فلما انطلق الرجل قالت عائشة: يا رسول الله، حين رأيت الرجل قلت له كذا وكذا، ثم انبسطت في وجهه وانبسطت إليه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «يا عائشة، يا عائشة، متى عنتين؟ إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة من تركه الناس اتقاء شره، من تركه الناس اتقاء شره». وفي رواية: «اتقاء فحشه». عن النبي صلى الله عليه وسلم: داراه، هذه تسمى مدارة، وهي تعتبر من الأخلاق الحسنة، ليست مداهنة. وإنما مدارة: معنى ينبسط له لأجل أن يحصل الرقة في قلبه ويدعوه إلى الخير، وكذلك أيضًا لا يجعله مثلًا يأتي بالكلام الذي لا يليق والكلام الفاحش، كذا؛ لأنه لو قابله بالشدة لنفر، لكن أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يبين أمره وأنه رجل عسر، رجل فيه شيء، فقال: بئس أخو العشيرة. قال: وجه دلالة الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم تكلم في ذلك الرجل على وجه الذم لما كان في ذلك مصلحة شرعية، وأن يتنبه لسوء خلقه ليحذره السامع. بل النبي صلى الله عليه وسلم عَنَى أنكر على أناس بأعيانهم وحذر منهم، كالحكم بن العاص، حذر منه النبي عليه الصلاة والسلام ونفاه إلى الطائف. وكذلك أيضًا هو المقصود في قوله صلى الله عليه وسلم: «يدخل عليكم رجل لعين»، وهكذا أشياء جاءت عن النبي عليه الصلاة والسلام في كلامه على بعض من أخطأ. مثلًا ما جاء في الصحيحين: كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا... إن معنى قال: إن فلانًا وفلانًا لا يعلمان من ديننا شيئًا، لا يعلمان من ديننا شيئًا». معنى: سماهم، لكن الراوي أبهمهم. فقال الليث: هما رجلان من المنافقين. معنى: النبي صلى الله عليه وسلم بين أنهم لا يعلمون شيئًا من الدين. وهذا دليل صريح على أن الإنسان إذا تكلم في دين الله عز وجل وهو لا يحسن الكلام في هذا الباب مثلًا أو في هذه المسائل، فإن للعلماء أن يتكلموا فيه أو ينصحوه ويحذروه. ولهذا إن كان مثلًا رجل متطفل أو رجل ليس مشهورًا بهذا العلم، فممكن أن العالم يتكلم عليه. وأما إن كان رجلًا مشهورًا بالعلم ومعروفًا بهذا، فممكن أن يتغاضى عنه. وهذا تجده في فعل ابن عباس رضي الله عنه لما قال له الأحنف بن قيس: أن موسى صاحب الخضر ليس هو موسى بن عمران، فلم يعنف عليه كثيرًا، قال له: بلى، فقد حدثني أبي بن كعب، ثم سرد حديث موسى مع الخضر. ولما قيل لابن عباس: أن نوفًا البكالي يقول: أن موسى الذي مع الخضر ليس هو موسى بن عمران، فقال: كذب عدو الله، قال: كذب عدو الله. ونوف البكالي يعتبر من سلف من أهل العلم، لكن كان معروفًا أنه من النصارى، معنى: عنده معرفة بالإنجيل، ثم أسلم. لهذا خشي ابن عباس أن هذا أخذوه من كتب أهل الكتاب، فقالوا: أن موسى ليس هو موسى بن عمران. فبين بعد ذلك ابن عباس أن موسى هو ابن عمران بالرواية عن النبي عليه الصلاة والسلام. فتبين من ذلك أن الكلام يكون على رواة الحديث، ويكون على أهل البدع، لا فرق بين رواة الحديث وأهل البدع. وكذلك أيضًا يكون على من مثلًا على من تصدر شيئًا وهو ليس أهلًا له، أو تكلم في مسائل لا يحسنها. ولهذا قال شيخ الإسلام: أنه يفسد الدنيا أربعة، وذكر منهم: نصف عالم، ونصف عالم يتكلم في أمور لا يحسنها، وليس هو أهلًا لأن يتكلم فيها من الأمور المصيرية التي تكون مثلًا من مسائل الأمة. فلهذا فمثل هؤلاء ممكن أنه يتكلم فيهم حتى يكفوا عن ذلك، وأيضًا حتى يدخل في النصح. قال: وجه الدلالة أن النبي صلى الله عليه وسلم تكلم في ذلك الرجل على وجه الذم لما كان في ذلك مصلحة شرعية، وهي التنبيه لسوء خلقه ليحذره السامع، كما يفيده قوله: «إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة من تركه الناس اتقاء فحشه». ولذلك انبسط في وجهه، انبسط إليه مدارة له لا مداهنة. وقد ذكر في التعليق الفرق بين المدارة والمداهنة؛ لأن بعض الناس يخلط بينهما، فتجده يداهن أهل الفسق والمعاصي ويظن أن هذا مدارة. بل الأمر العجيب أن بعض الإخوان المسلمين كان يقول: إذا رأيت مثلًا الناس يطوفون بالقبور، طف معهم، لا تنكر عليهم، طف معهم، ثم بين لهم أنه خطأ. أنا هذا كلام باطل، معنا: هذه مداهنة، تعتبر هذه مداهنة. إما أن ينكر عليهم في وقت الفعل، وإلا لا يفعل كيف يفعل مثلهم ثم بعد ذلك ينكر عليهم. الثاني: ما أخرجه الإمام مسلم في حديث فاطمة بنت قيس: أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «فإذا حللت فآذنيني». قالت: فلما حللت ذكرت له أن معاوية بن أبي سفيان وأبا جهم خطباني. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، أنه ضراب للنساء. وأما معاوية فصعلوك لا مال له». أنكح أسامة بن زيد. قد جاء أنها قالت: يا رسول الله، إن أمري بيدك، أنا جعلت الأمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم. قالت: أمري بيدك يا رسول الله. وهذا أيضًا رواية صحيح مسلم. فمعنى: كأن تقول: زوجني من تشاء. وهذا فيه حرص الصحابة على زواج الأرملة، وأنهم لا يجعلونها تبقى. وهذا تجد كثير في فعل الصحابة رضي الله عنهم. قال: قال: في رواية أو في رواية: «أما معاوية فرجل تريب لا مال له، وأما أبو جهم فرجل ضراب للنساء». ولكن أسامة بن زيد هذا يعتبر من النصيحة. قال: وجه دلالة الحديث أن النبي عليه الصلاة وآله ذكر معاوية وأبا جهم رضي الله عنهما بما فيهما لتحقق المصلحة، وهي المشورة على المستشير بالأصلح له. ولذلك قال الله عليه الصلاة والسلام: «أنكح أسامة بن زيد». فهذا معنى ما ذكره المؤلف. والأدلة كثيرة، وقد ذكر شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله في كتابه «رياض الجنة» أدلة كثيرة على جواز الجرح والتعديل. وكذلك أيضًا ذكرها في كتاب قديم ألفه سماه «أخرة زجر الحاقد الحاسد»، فذكر فيه أدلة الجرح والتعديل، وهي أدلة كثيرة. معنى: من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك حتى من آيات الله عز وجل: جرح أبا لهب: ﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ﴾، أنا بالتسمية باسمه. وهكذا النبي صلى الله عليه وسلم أيضًا صرح أحيانًا في بعض الأماكن بالاسم، وأحيانًا بالإيماء والإشارة. أنا في قول: «ما بال أقوام يقولون كذا وكذا». مثل ما قال في أولئك النفر الذين جاءوا إلى بيوت رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما في حديث أنس وعائشة. طيب، إن شاء الله. الله سبحانه.