الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 143، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
تُعرف السورة بسورة المؤمن وسورة غافر، وهي مكية من الحواميم السبع والمثاني، نزلت بعد وفاة أبي طالب، وتشير إلى انتقال النبوة إلى أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
بيان أن حا ميم من الحروف المقطعة وليست اسماً، مع تفسير ألفاظ: ﴿ ذِي الطَّوْلِ ﴾ (ذو التفضل)، ﴿ دَاخِرِينَ ﴾ (خاضعين)، ﴿ يُسْجَرُونَ ﴾ (توقد بهم النار)، ﴿ تَمَرَّحُونَ ﴾ (تبطرون)، مستشهداً بقصتي شريح بن أبي أوفى والعلاء بن زياد.
ينفي المتحدث أن ذكر النار يورث القنوط، مؤكداً مشروعية الترغيب والترهيب معاً، وينتقد سوء الظن بالله المعبر عنه بارتكاب المعاصي، مستدلاً بقول الحسن البصري: "لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل".
يشدد المقطع على حاجة الناس الملحة للتخويف في الزمن الحالي، مع ضرورة التبشير لفتح النفوس وتهيئتها لقبول الخير، داعياً إلى الجمع بين التبشير والتقريع في الدعوة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله: سورة المؤمن. سورة المؤمن تسمى سورة غافر، وسميت سورة المؤمن؛ لأنه مؤمن آل فرعون، لأن الله عز وجل ذكر هذه القصة، فذكر قصة مؤمن آل فرعون وما قال لقومه وما حذرهم وأنذرهم، فلهذا سماها بعض السلف سورة المؤمن. وأيضًا تسمى سورة غافر؛ لأنه ذكر هذا الاسم في أولها: ﴿ غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ ﴾، وهي سورة مكية، كلها مكية. وقال بعض أهل التفسير: أنها نزلت بعد موت أبي طالب. إنما أخذ ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام ما أوذي، ولا هم كفار قريش بقتله، إلا بعدما مات عمه أبي طالب. لما مات عمه أبي طالب، ولهذا في حديث عبد الله بن عمر: لما أراد بعض قريش أن يقتل النبي عليه الصلاة والسلام، فدافع عنه أبو بكر وقال: «أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله؟». فهذه السورة كما قلنا سورة مكية، وهذه السورة أكثر آياتها تصب -كما ذكر بعض المفسرين- إلى أن هذه الرسالة وهذا الدين نُقل من بني إسرائيل إلى هذه الأمة، وأن بني إسرائيل اصطفاهم الله عز وجل وأرسل لهم موسى، وكانوا خير الأمم، ثم بعد ذلك صار هذا الدين لهذه الأمة، وهي الأمة الشاهدة على الأمم. وهذه السورة تعتبر من الحواميم التي تبدأ بحاميم. وكم سورة تبدأ بحاميم في القرآن؟ سبع: أولها غافر، وغافر، وفصلت، والشورى، والزخرف، والدخان، والجاثية. كم هي؟ سبع سور. وأيضًا هذه الحواميم وهي تعتبر من المثاني. كان الصحابة رضي الله عنهم يقسمون القرآن إلى: طوال السور، يسمونها الطوال، وهي تسع سور. ومن ثم يأتي بعدها المئين. التسع الصور هذه: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والتوبة، ويونس، وهود. ومنهم من يقتصر على السبع فقط، وعلى إلى التوبة. ثم تأتي بعدها السور المئين. تأتي بعد الطوال السور المئين. السور المئين هي ما كانت آياتها مئة فأكثر، تسمى المئين، مثل ما جاء في حديث صلاة الليل: لما كانوا يصلونها في عهد عمر، كانوا يقومون بالمئين. المئين: معنى السور التي تكون مئة آية فأكثر. ثم تأتي بعدها المثاني. والمثاني: هذه هي السور التي أقل من مئة آية، ومنها سورة غافر؛ غافر خمس وسبعون آية، تعتبر من المثاني. ولهذا قال: جاء في حديث ابن عباس -على صحته أو أثر- الذي قال لعثمان: «كيف أتيتم بسورة من المئين أو من المثاني فجعلتموها مع سورة من المئين؟» يريد: المثاني هي الأنفال لأنها أقل من مئة، والمئين أراد التوبة. وقال له: «لم تفصلوا بينهما بسورة أو ببسم الله؟». فسورة غافر تعتبر من المثاني. وبعد المثاني يأتي المفصل. هذا المثاني مفصل. وأكثر أهل العلم على أن المفصل يبدأ من قاف، وقال بعضهم: من الحجرات. قال: سورة المؤمن. قال مجاهد: مجازها. مجاز أوائل السور. قال: السور يريد البقرة أو آل عمران، عن ﴿ الم ﴾ في البقرة، و﴿ الم ﴾ في آل عمران، وهكذا. عن المراد: مجازها هنا مجازها كلام أبي عبيدة، أبو عبيدة وهو معمر بن مثنى، ألف كتابًا سماه مجاز القرآن، سماه مجاز القرآن. والمراد مجاز: أي تأويل القرآن وتفسيره، فعبر عنه بالمجاز، وليس المجاز الذي يذكره الأشاعرة وغيره، المجاز الذي يقولون هو ضد الحقيقة، يذكره أهل الأصول. فليس المراد هذا المجاز هنا. أراد أبو عبيدة: هو ما تجوز في اللغة وما هو معروف في اللغة، فسماه مجاز القرآن. ولهذا قال مجاهد: مجازها، مجاز أوائل السور. أخذ من كلام مجاهد هذا: مجاز القرآن. مجازها: أي تفسيرها وتأويلها، مثل تأويل ﴿ الم ﴾، وليس شيئًا آخر. يريد أن يبين؛ لأن هناك من قال: إن حاميم هي اسم، وليست مثل ﴿ الم ﴾، وهذا ليس صحيحًا، وإنما حاميم مثل ﴿ الم ﴾، مثل ﴿ يس ﴾، ومثل ﴿ طه ﴾، وغيرها من هذه الكلمة، الحروف الهجائية التي جاءت في أول السور. قال: ويقال: بل هو اسم. هنا ذكر هذا القول، لكنه قول ضعيف. قال: بل هو اسم، لقول شريح بن أبي أوفى العبسي: «يذكرني حاميم والرمح شاجر، فهلا تلا حاميم قبل التقدم». وهذا قال: جاء عند الطبراني وغيره، أن شريح بن أبي أوفى قال هذه، أو ذكر الطبراني -أقصد- في تاريخ الأمم والملوك، أن شريح بن أبي أوفى هذا قالها عندما التقى مع محمد بن طلحة بن عبيد الله. فكان محمد بن طلحة يلبس قميصًا أبيض وعمامة سوداء، فقال علي رضي الله عنه: «ترون ذاك صاحب القميص الأبيض والعمامة السوداء، من لقيه لا يقتله، فإنه إنما أخرجه ضرّه بأبيه». محمد بن طلحة وهو يعتبر من الصحابة، أو من صغار الصحابة ممن حنكه النبي عليه الصلاة والسلام، وكان رجلًا صالحًا، فخرج في الجمل. والأصل أن خروجهم في الجمل لم يكن عن حرب، ما كان الزبير وطلحة ولا عائشة رضي الله عنهم جاءوا لأجل حرب، وإنما جاءوا لأجل أن يصلحوا بين الناس، أو يروا كيف يخرجون من هذه القضية. لكن كان هناك من شوش على الناس، وجعل الناس يحمون، فصارت حربًا. فالتقى هذا شريح بن أبي أوفى مع محمد بن طلحة، فقال: فالظاهر أنه طعنه. فقال محمد بن طلحة: «أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله؟». فتذكر شريح كلام علي، فقال: «يذكرني حاميم والرمح شاجر»، أنا عندما عرضت عليه الرمح وقد طعنته به، «فهلا تلا حاميم قبل التقدم»، أنا لو كنت سمعت منه يقرأ هذه الآية قبل أن أقتله لما قتلته. وتذكرت كلام علي رضي الله عنه، ورضي الله عنهم جميعًا. فكأنه يريد هذا الرجل يعتذر بهذا البيت: «يذكرني حاميم والرمح شاجر، فهلا تلا حاميم قبل التقدم». قال: «الطول»: التفضل. أنا من قول الله عز وجل: ﴿ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ﴾، ذو الطول: أي ذو التفضل على خلقه سبحانه وتعالى، فهو المتفضل عليهم جل وعلا. قال: «داخرين»: أي خاضعين. أنا الدخر: هو من الخضوع. وقال مجاهد: «إلى النجاة»: أي الإيمان. «ليس له دعوة»: يعني الوثن ليس له دعوة. معنى يقول: يعني الوثن، هذا الوثن الذي يعبدونه من دون الله، فليس له دعوة، وليس له أي أنه لا يستجيب إلى دعوات، فكيف يدعونه من دون الله؟ وهذا في كلام المؤمن: ﴿ وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ ﴾ أي إلى الإيمان، ﴿ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ ﴾ تدعونني لأشرك بالله ما ليس لي به علم، ﴿ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ ﴾، ﴿ لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ ﴾، فليس له دعوة: أي ليس له استجابة، ولا أيضًا يسمع دعواكم، فكيف تدعونه من دون الله؟ ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة، ﴿ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ ﴾. قال: ﴿ يُسْجَرُونَ ﴾: أي توقد بهم النار. أنا ﴿ يُسْجَرُونَ ﴾: أي في النار، والسجر: هو الوقود، مثل ما قال الله عز وجل: ﴿ وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ ﴾، سجرت: أي أوقدت بالنار. قال: ﴿ تَمَرَّحُونَ ﴾: أي تبطرون. والمرح جاء في القرآن في أكثر الآيات، المراد به: الكبر والبطر. فلما جاءتهم آياتنا فرحوا بما عندهم من العلم، فرحوا: أي بطروا، وردوا الحق وتكبروا على الحق، ليقولوا: إن ما عندهم من العلم يكفيهم، أو أنهم ما أرادوا أن يسمعوا غيرهم. وهنا قال: ﴿ تَمَرَّحُونَ ﴾: أي تبطرون. قال: وقال العلاء بن زياد يذكر النار، فقال رجل: «لم تقنط الناس؟» قال: «وأنا أقدر أن أقنط الناس؟ والله عز وجل يقول: ﴿ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ﴾، ويقول: ﴿ إِنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ ﴾». وهذه طريق النبي عليه الصلاة والسلام. فقول هذا الرجل: العلاء بن زياد، أنك تقنط النار بذكرها، ليس صحيحًا. فهذا تحذير، وقد أرسل الله عز وجل نبينا نذيرًا يحذرهم النار، كما كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول، كما أخرج الإمام النسائي من طريق سماك بن حرب، قال: سمعت النعمان بن بشير فوق المنبر يصيح، يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «أنذرتكم النار»، ويرفع صوته، قال: حتى لو كان أحدنا في السوق، أو أحدكم في السوق، لسمع، لسمع صوته عليه الصلاة والسلام من علوه، عليه الصلاة والسلام رفع صوته: «أنذرتكم النار». ما قال الله عز وجل: ﴿ فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى ﴾. فالإندار بالنار هو طريقة النبي عليه الصلاة والسلام، وطريقة القرآن. لكن أيضًا يذكر الإنسان الترغيب والترهيب. وإن ذكر مثلًا الترهيب في مكان، لا يلزمه أن يذكر الترغيب. لكن الأفضل أن يذكر الترغيب والترهيب معًا. وإن ذكر أحدهما لا شيء فيه؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أحيانًا يذكر ترغيبًا، وأحيانًا يذكر ترهيبًا، وكذلك أيضًا في القرآن: أحيانًا تجد في بعض المواضع ترغيبًا، وتجد في بعض المواضع ترهيبًا فقط. لكن أكثر المواضع تجد فيها هذا وهذا. فهنا يقول للعلاء بن زياد، لهذا الرجل: «وأنا أقدر أن أقنط الناس؟ والله عز وجل يقول: ﴿ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ﴾، والله عز وجل ينادي عباده أنهم لا يقنطوا من رحمة الله». جاء في البخاري ومسلم عن ابن عباس: أن قوما جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قتلوا فأكثروا، وزنوا فأكثروا، قالوا: «إن دينك لحسن، لولا تخبرنا أن لنا توبة؟» فأنزل الله عز وجل هذه الآية: ﴿ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ ﴾. قد تقدم هذا الحديث في سورة الزمر. قال: ﴿ وَيَقُولُ وَإِنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ ﴾، وأن المسرفين هم أصحاب النار، على أن هناك أناسًا ما أرادوا رحمة الله عز وجل، بل هم قنطوا أنفسهم، فاختاروا طريق النار. قال رحمه الله: «ولكنكم تحبون أن تبشروا بالجنة على مساوئ أعمالكم». ولهذا فالإنسان يحتاج إلى أن يذكر بالنار، خاصة إذا كثر الرجاء عند الناس. ومثل هذه الأزمان تجد أن الناس أكثرهم على الرجاء، يفعل المنكر، يفعل المعاصي، ويقول: ربنا غفور رحيم. وهذا كلام باطل. فالله عز وجل هو غفور رحيم، لكنه شديد العقاب. وهذا الذي يظنه بعضهم أنه حسن ظن، هو ليس صحيحًا أنه حسن ظن. لهذا قال الحسن البصري رحمه الله: «إن أقوامًا يعصون الله عز وجل، ويقولون: الله غفور رحيم، نحسن الظن بربنا». قال: «كذبوا، لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل». لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل. كما قال ربنا جل وعلا، قال ربنا جل وعلا في سورة الأعراف: ﴿ ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ﴾، قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَٰذَا الْأَدْنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لَّا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ ﴾، محوا ما فيه، كتاب الله عز وجل، وأخذوا بما عندهم، أو ما أملاه عليهم أحبارهم ورهبانهم. فلذلك فهم يتعلقون بما قفرت الله، وهم يخالفون أمر الله، بل أنهم يغيرون أمر الله جل وعلا. فإن هذا لا ينفعهم. فلذلك فهم الذين يسرفون على أنفسهم في المعاصي، ثم يقولون: الله غفور رحيم. أخطأ؛ لأن هذا ليس حسن ظن، بل هذا يعتبر من سوء الظن، ويعتبر أيضًا من ما حذر الله عز وجل عنه من الرجاء المدموم. قال: «وإنما بعث الله محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم مبشرًا بالجنة لمن أطاعه، ومنذرًا بالنار لمن عصاه». فهذا حقيقة الأمر. فإذا بشر الداعي إلى الله، بشر الناس بالجنة، فلا يلزمه أن يذكر النار. وإذا حذره من النار، لا يلزمه أن يذكر الجنة. لكن إن ذكره ما معا فهو أفضل. وخاصة إذا أراد أن ينذر بالنار لمن عصاه، ولمن أيضًا كذلك يحتاج إلى التخويف، يحتاج إلى التخويف. الناس الآن يحتاجون للتخويف أكثر من حاجتهم إلى التبشير. لكن التبشير لا بد منه، التبشير يفتح النفوس، وكذلك يهيئها إلى استقبال الخير، وأيضًا يبعث الفعل في قلوب الناس. فلذلك فالتبشير والتقريع والتوبيخ لا بد منهما. طيب، إن شاء الله تعالى نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.