الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 247، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستعرض المقطع ترجمة البخاري لباب حديث عائشة في سبب نزول آية التحريم، مبيناً سلسلة الرواة من علي بن المديني وسفيان بن عيينة ويحيى بن سعيد القطان ويحيى بن سعيد الأنصاري وعبيد بن حنين، مع الإشارة إلى مكانتهم وثقتهم في الرواية.
يروي ابن عباس عن عمر بن الخطاب أن المرأتين اللتين تظاهرتا على النبي هما عائشة وحفصة، حيث غارتا من اختصاص زينب بنت جحش بالعسل، فتواطأتا على إيهام النبي برائحة المغافير ليترك شربه، فأخبر الله نبيه بما فعلتا فعاتب إحداهما.
يذكر المقطع روايتين في سبب النزول: الأولى تحريم النبي على نفسه مارية القبطية أو أمة، والثانية شربه العسل وتواطؤ حفصة وعائشة على منعه، ويجمع بينهما بأن التعاون كان غيرة لا مكراً، مستشهداً بقوله تعالى: ﴿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ﴾.
يؤكد المقطع أن الله اعتبر التواطؤ على النبي ذنباً عظيماً لعظيم مكانته عنده، مستدلاً بالآية الكريمة، ويختتم المتحدث بالتأكيد على الكتابة في هذا الموضوع وبيان حرمة الإيذاء النبوي.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم. أما بعد: قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «باب: وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا، فلما نبأت به وأظهره الله عليه، عرف بعضه وأعرض عن بعض». قال فيها عائشة عن النبي عليه الصلاة والسلام، أي: فيها حديث عائشة عن النبي عليه الصلاة والسلام، والمراد به الحديث الذي تقدم قبل من حديث عبيد بن عمير، وأن سبب نزول هذه الآية شرب النبي صلى الله عليه وسلم عسلا عند زينب. قال: حدثنا علي، وهو ابن عبد الله، أبو الحسن علي بن عبد الله بن جعفر المديني، إمام من أئمة المسلمين. قال: حدثنا سفيان، وهو ابن عيينة. ومحمد الهلالي المكي كان يقول: «إني لا أستفيد من علي أكثر مما يستفيد مني»، أو قال: «يلومونني على علي»، يريد به علي بن عبد الله ابن المديني. قال: «يلومونني على علي، وأنا أستفيد منه أكثر مما يستفيد مني». قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا يحيى بن سعيد. في أحد يعرف يحيى بن سعيد هذا من هو؟ قطان. سفيان بن عيينة يروي عن يحيى بن سعيد القطان، أو هو شيخه. قال: لنصاري، يحيى بن سعيد القطان، سفيان يعتبر شيخه. قال: حدثنا يحيى بن سعيد، وهو الأنصاري المدني. قال: سمعت عبيد بن حنين، وهو مدني كذلك. قال: سمعت ابن عباس رضي الله عنه، ما يقول: أردت أن أسأل عمر رضي الله عنه، فقلت: يا أمير المؤمنين، من المرأتان اللتان تظاهرتا على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: فما أتممت كلامي حتى قال: عائشة وحفصة. تقدم في الحديث الذي مر أنه جلس سنة لم يستطع أن يسأل عمر على هاتين المرأتين، فلما سأله قال: سل. ثم قال له: عائشة وحفصة. وهذا الأمر كما تقدم معنا: أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يشرب عسلا عند زينب، فتظاهرتا، تواطأت عائشة وحفصة، وهذا من الغيرة التي جعلها الله عز وجل في النساء. فتظن المرأة أنها إذا اختصت إحدى النساء بشيء فهذا يقرب الزوج إليها، فلهذا غارت. فغارت عائشة رضي الله عنها، وتحققت، وتواطأت مع حفصة على أن النبي عليه الصلاة والسلام إذا جاء تقول: «رأى عليك رائحة المغافير»، لأن رائحة المغافير تشبه رائحة العسل. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «والله لا أشرب، إنما شربت عسلا عند زينب، والله لا أشرب بعدها»، أو قال: «لا عدت بعدها». والنبي عليه الصلاة والسلام نبأه الله عز وجل بما حصل من عائشة وحفصة، ولهذا قال: ﴿ وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ ﴾. فلم يذكر التفاصيل، وإنما عرفه الله عز وجل بما حصل. فلما نبأها به قالت: من أنبأك هذا؟ قال: نبأني العليم الخبير. وتقدم معنا أنه قد جاء من عدة طرق في الضياء، في المختارة للضياء، وجاء كذلك بإسناد صحيح إلى مسروق عند سعيد بن منصور، وكذلك جاء من طرق أخرى عند الطبراني وغيره: أن هذه الآية نزلت في تحريم النبي صلى الله عليه وسلم نفسه من مارية القبطية، أو من أمة، جاء في رواية: أمه، وجاء في رواية: أنها مارية. فتواطأت حفصة وعائشة على هذا الأمر، فقال النبي عليه الصلاة والسلام لحفصة: «لا تخبري أحدا أن أم إبراهيم علي حرام»، فلم يقربها حتى أخبرت عائشة، فأنزل الله عز وجل هذه الآيات. وهذا يؤيد سياق الآيات. لكن الذي جاء في الصحيحين أنه لأجل شرب العسل، وقد يكون هذا صحيح وهذا صحيح، على أن كلاهما يكون سبب نزول هذه الآية. قد يكون تواطأتا عليه في مسألة العسل، وكذلك في مسألة شرب العسل. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ﴾، ﴿ وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَٰلِكَ ظَهِيرٌ ﴾. وهذا التعاون الذي حصل بين عائشة وحفصة ليس من باب مكر أو كذا، لكن من باب الغيرة على النبي عليه الصلاة والسلام. لكن ربنا جل وعلا جعل ذلك ذنبا، لأنه رسول الله، والتواطؤ عليه عظيم، وإن كان هذا في سبيل العشرة، لكن لأجل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان جليلا عند الله وخليله، فلهذا الله عز وجل غار عليه، وأتى بهذه الآية العظيمة: ﴿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ﴾. طيب، إن شاء الله تعالى نكتب بهذا، والله تعالى على ما نقول شهيد، وشكرا.