الدرس في كتاب فضائل القرآن من صحيح البخاري 17، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
استهل الدرس بحديث النبي ﷺ: «خذوا القرآن من أربعة» وهم ابن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة، ومعاذ، وأبي بن كعب، مع توضيح حال سالم وفضله، وتصحيح الوهم الوارد في بعض الروايات حول إمامة سالم بحضور أبي بكر في قباء.
تفصيل قصة إسلام عبد الله بن مسعود المبكر في مكة بعد موقف أظهر فيه الأمانة، ودعاء النبي ﷺ له بالخير، ولزومه له حتى خُص بإذن الدخول عليه في كل وقت، حتى حسبه الصحابة من أهل البيت لكثرة ملازمته.
بيان فضل ابن مسعود في القرآن حيث أخذه مباشرة من النبي ﷺ وحفظ العرضة الأخيرة مع جبريل، وشهادة عمر بن الخطاب بتمكنه حتى قال إنه يملأ المصاحف عن ظهر غيب، مع التنبيه إلى أن قراءته كانت مشوبة بالتفسير فلم يعتمدها السلف في المصحف الإمام.
إشارة المتحدث إلى أن اعتماد قراءة ابن مسعود يغني عن قراءة ابن عباس لكون الأخيرة مفسرة، مع تأجيل استكمال مباحث القراءات والقراء إلى الدرس القادم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: "باب القراء من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام"، أي من اشتهر بالقراءة في زمن النبي عليه الصلاة والسلام. قال: حدثنا حفص بن عمر، وهو الحوضي البصري، قال: حدثنا شعبة بن الحجاج، أبو بسطام، أمير المؤمنين في الحديث، قال: حدثنا عمر... القراءة من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام. قال: حدثنا... هنا خطأ في الأسانيد: عن عمر، إبراهيم... كأنه في خطأ. قال: أن شعبة عن عمر بن مرة عن إبراهيم، وليس عمر بن إبراهيم. أنا خطأ هنا: عمر بن إبراهيم الظاهر من النسخة، عن شعبة عن عمر بن مرة عن إبراهيم، أي إبراهيم بن يزيد النخعي. قال: عن مسروق، وهو الأجدع الوادعي الهمداني، قال: ذكر عبد الله بن عمر... عبد الله بن مسعود. ذكر عبد الله بن عمر... عبد الله بن مسعود. أنا يقول مسروق: أن عبد الله بن عمر بن ذكر عبد الله بن مسعود... الهدلي، رضي الله تعالى عنه. رضي الله تعالى عن عبد الله بن مسعود، وعن عبد الله بن عمر وأبيه، رضي الله... بن عمر بن عمر بن عمر بن عبد الله بن عمر بن عمر بن عبد الله... المسعود. منذ أن سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "هذا خذوا القرآن من أربعة". ليس معنى أنه لا تأخذوه عن غيرهم، لكن هؤلاء هم أحفظ الناس وأثبت الناس في القرآن. فقال: "خذوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وسالم، ومعاذ، وأبي بن كعب". هذا عبد الله بن مسعود معروف، ومعاذ بن جبل معروف، وأبي بن كعب، لكن سالم: من هذا سالم؟ من هذا... محمد: "صدر القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وسالم، ومعاذ، وأبي بن كعب". مولى أبي حذيفة. سالم مولى أبي حذيفة، وكان من قراء القرآن. النبي عليه الصلاة والسلام لما سمع قراءته فقال: "كن سالماً"، فكان سالم. فقال نبي صلى الله عليه وسلم: "الحمد لله الذي جعل في أمتي من مثل سالم مولى أبي حذيفة". وكان أيضاً هو الذي يأم المهاجرين في قباء، لما جاءوا أول ما نزلوا، كان يأم المهاجرين والأنصار في مسجد قباء، كان يأمهم سالم مولى أبي حذيفة، وفي القوم عمر. وجاء في رواية في البخاري: "وفي القوم أبو بكر وعمر"، لكن خطأ حصل؛ لأن أبا بكر ما كان معهم، وإنما جاء مع النبي عليه الصلاة والسلام. فكان سالم ممن حفظ القرآن في زمن النبي عليه الصلاة والسلام: سالم مولى أبي حذيفة، الذي قال النبي عليه الصلاة والسلام في زوجة أبي حذيفة: "أرضعيه يحرم عليك". وسالم مولى أبي حذيفة: جهني، أو أقصد مخزومي، أنا قرشي من أهل مكة. وسالم كان قد تبناه وهو صغير، فكان يقال له: سالم بن حذيفة. لكن لما جاء النهي عن التبني: "ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله"، فقال: سالم مولى أبي حذيفة، فاشتهر بأنه سالم مولى أبي حذيفة. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: "خذوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود". جاء في رواية أن عبد الله بن عمر قال: "بدأ به"، أي بدأ بعبد الله بن مسعود. أنا يقول عبد الله بن عمر: أنه حب عبد الله بن مسعود، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خذوا القرآن منه". فقال: "خذوا القرآن من أربعة: من عبد الله"، فبدأ بعبد الله بن مسعود، أو قال: "بابن أم عبد". أنا كان ابن مسعود يقال له: ابن أم عبد، لأن أباه قد توفي قديماً وربته أمه، ربته أمه، فلهذا كان ينسب إلى أمه. وقد أسلم وهو صغير في مكة، لما رآه النبي عليه الصلاة والسلام عنده أغنام يرعاها، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: "أ تعطينا شيئاً من هذا اللبن؟" فقال: "إن هذه الأغنام ليست لي". فقال له: "إنك غلام معلم"، فأتنا بتيس، أو قال له: "أعطني تيساً لم ينزُ على شيء". فأعطاه تيساً صغيراً، فمسح النبي صلى الله عليه... فحلبه، أي خرج اللبن من التيس، فحلبه وشرب. معنى أنه قال: "لم نشرب شيئاً من أغنامك، وإنما سقانا الله، ولم نسق شيئاً من أغنامك، لكن سقانا الله". فأسلم عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، ولزم النبي عليه الصلاة والسلام من تلك الساعة. فكان النبي عليه الصلاة والسلام يحب عبد الله بن مسعود، حتى أنه كان كأن الرائي، أو من ينظر ويرى عبد الله بن مسعود، كأنه من آل بيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما قال أبو موسى الأشعري وحذيفة: "ما كنت أحسب أن عبد الله بن مسعود إلا من آل بيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم"، من كثرة دخوله على النبي عليه الصلاة والسلام. أنا كان يطلب علم، ودائماً يقرأ، يأخذ القرآن من رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لعبد الله بن مسعود: "إذنك أن ترى سوادي، إذنك أن ترى سوادي". إذا رأيت سوادي، معنى: إذا رأيتني، أو رأيت حتى ضلي فادخل، فهو إذن لك. وهذا لكثرة دخوله رضي الله تعالى عنه، وليس المراد أنه يدخل على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما هذا وحي من الله. فالنبي صلى الله عليه وسلم جعل له إذن أنه إذا رأاه... إذا رآه، وهو معنى رآه مثلاً يكون الباب مفتوح، وغالباً كان قبل... أو لما بنيت الحجرات، الحجرات النبي صلى الله عليه وسلم ما كانت عليها بواب، وإنما عليها ستور، عليها ستور، فكان أحياناً الستر يرتفع مثلاً، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "فإذا رأيت سوادي فهو إذنك". فقال بعض الصحابة: حذيفة وأبو مسعود... ما كنا... معنى جاء في البخاري عن حذيفة، وبعضهم يذكروا أيضاً عن عبد الله بن مسعود أنه قال: "ما كنت أظن أن عبد الله بن مسعود وأمه إلا من آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم". وقال أيضاً النبي عليه الصلاة والسلام مما يبين فضل عبد الله بن مسعود، وأنه أخذ القرآن من النبي عليه الصلاة والسلام وحفظه، ما جاء في حديث عمر، وجاء أيضاً عن عبد الله بن مسعود نفسه، وجاء عن جماعة من الصحابة أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقول: "من أراد أن يأخذ القرآن غضاً طرياً كما أنزل، فليقرأه على قراءة ابن أم عبد". من أراد أن يأخذ القرآن غضاً طرياً كما أنزل، فليقرأه على قراءة أم عبد. وقيل: لأن عبد الله بن مسعود كان قد أخذ العرضة الأخيرة التي عرضها جبريل على النبي عليه الصلاة والسلام، فكان يأخذ من العرضة الأخيرة، كما جاء ذلك عن عبد الله بن عباس: أن عبد الله بن مسعود أخذ عرض القرآن في العرضة الثانية على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أو قال: في العرضة الأخيرة. عنها كأنه راجع القرآن حتى قبل موت النبي عليه الصلاة والسلام، ولهذا لم يفته إلا شيئاً يسيراً من القرآن، فكان من قراء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ولما قال ذاك الرجل الذي دخل على عمر... منها الكوفة، قال: "من أين أتيت؟" قال: "من الكوفة". وقال: "أتركت رجلاً خلفي يملأ المصاحف عن ظهر غيب؟" قال: قال: "تركت رجلاً خلفي يملي المصاحف عن ظهر غيب". فغضب عمر غضباً شديداً حتى انتفخ وجداه، معنى: من الغضب، وحتى نفخ من شدة الغضب. فقال له... فقال: "من هذا؟" أي قال عمر لهذا الرجل: "فمن هذا؟" قال: "عبد الله بن مسعود". قال: "فسكن عمر". فقال: "ما أظن أحداً يصلح لهذا إلا عبد الله بن مسعود"، رضي الله تعالى عنه. ولا شك أن النبي عليه الصلاة والسلام أثنى على قراءته، لكن كانت قراءته فيها تفسير، كان يدخل التفسير في القراءة، فلذا لم يعتمدها أكثر السلف، وإنما اعتمدوا القراءة الأخرى، وخاصة التي جاءت في مصاحف عثمان رضي الله تعالى عنه. ولهذا كان مجاهد يقول: "لو أخذت قراءة عبد الله بن مسعود لم أحتج إلى ابن عباس". قال: "لو أخذت قراءة عبد الله بن مسعود لم أحتج إلى عبد الله بن عباس". لماذا؟ لأنه جاء إلى عبد الله بن عباس وأخذ منه التفسير. قال: "لو أخذت قراءة عبد الله بن مسعود فهي قراءة مفسرة، فما سأحتاج إلى عبد الله بن عباس". وإن شاء الله تعالى نقوم في درس لاحق، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.