الدرس في تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 61، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع سبب نزول آية ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ في قصة معقل بن يسار الذي منع أخته من الرجوع لزوجها بعد انقضاء العدة، مبيناً الفرق بين العدة في الطلاق الرجعي والبائن، ومؤكداً عدم جواز عضل الولي للمرأة عن الزواج برضاها بعد انتهاء العدة.
يوضح المقطع الشرطين لصحة رجعة المطلقة وهما رضا الطرفين وأن يكون النكاح بالمعروف دون ضرار، مبيناً أن الإيمان بالله واليوم الآخر رادع للولي عن الظلم، ولا يحق له المنع إلا عند تحقق ضرر على المرأة كسوء خلق الزوج أو بدعته.
يبيّن المقطع وجوب وجود الولي في عقد النكاح عند جمهور العلماء مستدلاً بالآيات والأحاديث، وأن منع الولي المرأة عن حقها في الرجعة أو الزواج عن غضب (العضل) محرم، مستعرضاً قصة معقل بن يسار مجدداً ومؤكداً أن النكاح بلا ولاية باطل.
يشير المقطع إلى أن وجود الولي شرط أساسي لتحقيق مصلحة المرأة، ويوضح أن للأولياء حق العضل (المنع) لكن ضمن حدود محددة ومسؤولية تدبير الأمر، مختتماً بالشكر لله على هدايته.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد: قال العلامة السعادة رحمه الله عند قول الله جل وعلا: ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَٰلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَٰلِكُمْ أَزْكَىٰ لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾. قال رحمه الله: هذا خطاب لأولياء امرأة مطلقة دون خلال، إذا خرجت من العدة وأراد زوجها أن ينكحها ورضيت بذلك، فلا يجوز لوليها من أب وأم وغيره أن يعضلها، أن يمنعها من التزوج به، حنقاً عليه وغضباً واشمئزازاً لما فعل من إطلاق الأول. فهذه الآية كما ذكرنا قبل، قول الله عز وجل: ﴿ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ ﴾ تأتي بمعنى تقارب انتهائها، فالآيات التي تقدمت المراد بها تقارب انتهائها. ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾، أي ذا تقارب أجلهن، أي العدة: إذا تقاربت العدة إما أن يمسكها بمعروف فيرجعها، وإما أن يطلقها بإحسان يصلحها بإحسان. لكن هنا جاءت بمعنى انقضاء العدة: ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ ﴾ أي انتهت عدتهن، وهذه العدة عدة البائن، هذه العدة عدة البائن. وأما إن كان طلاقاً ثالثاً، فقال الله عن أزواجهن: ﴿ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ ﴾، هذا بعد الطلقة الثالثة. وأما الأولى والثانية، أي الرجعية: إذا انتهت العدة تكون بائناً بينونة صغرى، سماها الفقهاء بائناً خلاصاً؛ أنها انتهى العقد، إذا انتهت العدة انتهى العقد، لكن تكون بينونة صغرى. إذا أراد أن يرجع لزوجته مرة أخرى فإنه يعقد عليها عقداً جديداً ومهراً جديداً، كأنه يتزوج امرأة أخرى، لكن هذه تكون حقاً له إن أراد أن يرجعها، لكن ليس معنى ذلك أنه بغير رضاها، ليس مثل الرجعة قبل العدة؛ قبل العدة يملكها الزوج أن يرجعها، لكن بعد العدة لا يملكها الزوج، فمن الممكن أنها ترفض، فلها ذلك، لكن الرغبة الرغبة أنها ترجع إلى زوجها. فهنا الأولياء لا ينبغي لهم أن يعضلوا الله. وهذه الآية نزلت في معقل بن يسار رضي الله عنه، وكان في مكة، زوج أخته رجلاً، ثم أنه طلقها حتى إذا انقضت عدتها جاء أراد أن يراجعها، فقال: والله، فقال: لا أعطيك، يا أخية، أمتعتك وطلقتك، ثم بعد أن تفعل هذا لا أعطيك إياك. لكن قال: سأسأل النبي عليه الصلاة والسلام. فذهب من مكة إلى المدينة لأجل أن يسأل النبي عليه الصلاة والسلام، وكانت الطرق فيها مشقة، من مكة إلى المدينة ثمانية أيام، فذهب هذه المسافة لأجل أن يسأل النبي عليه الصلاة والسلام عن هذه المسألة، فأنزل الله عز وجل هذه الآية: ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ ﴾، أي لا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن، أي أزواجهن الذين كانوا تحتهن هذه النساء. قال: ﴿ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ﴾، هذا الشرط: أنهم يتراضون، والشرط الثاني: بالمعروف. ليس أنه يريد أن يضع، أن يضر به، يريد أن تزوجها لأجل أن يعاقبها مثلاً، ماذا يهددها: إما أن ترجعين كذا وسأتزوجك وأفعل بك كذا وكذا، هذا لا يجب. بل كما تقدم أن أهل العلم ذهبوا إلى أنه يجب إذا كانت في العدة لا تضر، فكيف إذا كانت أراد أن يرجعها بعد أن طلقها أو هددها؟ لهذا قال الله: ﴿ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ﴾. فهنا جعل ربنا جل وعلا شرطين: الشرط الأول أن تكون راضية بهذا الزواج، والشرط الآخر أن يكون الزواج بالمعروف ليس بالمضار. قال ذلك، قال رحمه الله: وذكر أن من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فإيمانه يمنعه من العضل، وهذا برحمة الله عز وجل بعباده؛ لأن العبد هذا الرجل الذي أراد زوجته يجد أنه يفعل كل السبب لأجل أن يأتي أو أن يرجع زوجته التي قد انتهت عند انتهاء العدة مثلاً أو طلقها أو مثلاً لها رجع، فيجده يعمل سبباً لأجل أن يرجعها، غالباً تكون بينهم أولادهم، فلذا لا يحق للولي أن يمنع الأولياء من ذلك إلا إذا كان هناك ضرر. إذا كان هناك ضرر على المرأة، وأيضاً السبب الذي طلقها من أجله موجود، إما مثلاً ما يحصل بينهم من الشجار وغيره، فهذا لهذا يمنع. أو مثلاً تغير حال هذا الرجل على بعدما كان مستقيماً ثم حرف، وأيضاً يشرب المسكر وكذا، فهنا لهذا يعظم أن حتى لا تذهب إلى هذا الرجل ظالم فيضرها، فهذا يدخل في المعروف. أو رجل مبتدع عنده بدعة من البدع التي كرهها العلماء معنا، وأصر عليها ونصح فلم ينتصر، وغيرها من حال المضار أن تكون على المرأة، أن يكون فيه ضرر على المرأة برجوعها. قال رحمه الله: وقوله جل وعلا: ﴿ ذَٰلِكُمْ أَزْكَىٰ لَكُمْ وَأَطْهَرُ ﴾، أي وأطهر مما يظن الولي أن عدم تزويجها هو المنة، هو الحرج، وأنه يقابل بطلاقه الأول بعدم تزويجه. وغالباً المرأة إذا رجعت إلى زوجها ما تتكلف بشيء لأنها ترجع إلى من كانت عنده، لهذا قال الله عز وجل في الرجعة: ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾، ﴿ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ ﴾، لذلك من أراد إصلاحها. وهنا قال: خاطب ربنا جل وعلا الأولياء: ﴿ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ﴾، قال: ﴿ ذَٰلِكُمْ أَزْكَىٰ لَكُمْ وَأَطْهَرُ ﴾. قال: وآثاره ما يظن الولي أن عدم تزويجها هو الحرج واللائح أنه يقابل بطلاقه الأول بعدم تزويجها. وغالباً الأولياء يرفضون من باب الغضب: أنا كيف قد طردتها أو قد فعلت أو قد طلقتها وتركتها هذه المدة ولم تأتني الآن تريدها؟ ومثل ما فعل معقل بن يسار رضي الله عنه، لكنه سأل النبي عليه الصلاة والسلام، فأنزل الله عز وجل هذه الآية، فأرجعها إلى زوجها. قال: كما هو عادة المتكبرين، فإن كان يظن أن المصلح في عدم تزويجها، ف﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾. إذا لم يكن هناك ضرر على المرأة، وإنما فقط العضل من الولي، ويظن أنه يحارب على وليته وعلى أخته مثلاً أو ابنته، فلا يظن أن الله عز وجل أعلم. فقال الله عز وجل: ﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾، أي فامتثلوا أمر الله، وامتثلوا أمر من هو عالم بمصالحكم، مريد لها، قادر عليها، ميسر لها من الوجه الذي تعرفون وغيره. قال المفسر رحمه الله: بهذه دليل على أنه لا بد من الولي في النكاح، من الأدلة التي يستدل بها على شرط الولاية، وهو قول جمهور العلماء، بل هو قول عامة السلف، وخالف أبو حنيفة رحمه الله، لكن يقول أنه ليس بشرط، لكن يستدل بحديث النكاح، وهذا ليس صحيح، بل هذا خطأ واقع. بل الولي شرط من شروط النكاح، فالنكاح بلا ولاية يعتبر باطلاً زنا. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث عائشة، وهو حديث حسن: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا، فَإِنْ اكْتَتَلُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ». وجاء بولاية، فالنكاح باطل وباطل. وبعض العلماء يضعف هذا الحديث، لكن أيضاً حديث أبي موسى الأشعري: «لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ»، وأيضاً بعض الآيات، ومنها هذه الآية، جعل الأمر إلى الأولياء، وقال: ﴿ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ ﴾، أن لا تمنع المرأة أن ترجع إلى زوجها بالعقد الجديد والمهر الجديد. قال رحمه الله تعالى: ولا بد من الولي في النكاح، لأنه لها، الأولياء للعضل، العضل هو المنع، ولا ينهى إلا عن قدر، هو تحت تدبيرهم، ولهم فيه حق. وشكراً لله كان شكراً.