الدرس في تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 99، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
إخفاء الصدقة أفضل للإخلاص، لكن إعلانها جائز ومشروع إذا قصد به تحفيز الآخرين على الخير لا رياءً، وقد استبشر النبي صلى الله عليه وسلم برجل تصدق بصرة كبيرة وعد ذلك سنة حسنة. ويُقارن ذلك بإعلان القرآن الكريم للناس.
الأصل في قراءة القرآن والصدقة الإسرار، ويُستحب الجهر في مواضع كصلوات الجهر والتعليم والقراءة الجماعية. ويُؤكد فضيلة إخفاء الصدقة الشديدة بحديث السبعة الذين يظلهم الله، ومنهم من أخفى صدقته حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه.
إخفاء الصدقة عند إعطائها للفقير أفضل من إظهارها، بينما قد يكون الإظهار أولى في المشاريع الخيرية للاقتداء. وتجتمع في الصدقة حسنتان: حصول الثواب وتكفير السيئات، ويشترط لقبولها الإخلاص لله وترك الرياء.
الله يجازي كل من يخلص له بعمله وفق حكمته وعلمه، ويختتم الدرس بالتأكيد على الاكتفاء بهذا القدر من البيان والعلم عند الله تعالى.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال العلامة السعدي رحمه الله في تفسير قول الله جل وعلا: ﴿ إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾. قال رحمه الله تعالى: وأخبر أن الصدقة إن أبداها المتصدق فهي خير، وإن أخفاها وسلمها للفقير كان أفضل؛ لأن الإخفاء على الفقير إحسان آخر، وأيضا فإنه يدل على قوة الإخلاص. إخفاء الصدقة جائز، وعلانيتها أيضا جائز إذا لم تكن رياء وسمعة، لكن الرياء أقرب إلى العلانية والإبداء، والإخلاص أقرب إلى الإخفاء، فلذلك كان الإخفاء أفضل. ﴿ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾، لكن الصدقة أحيانا الإعلان بها يكون أفضل في بعض المواضع، وإلا الأصل أن الإخفاء هو الأفضل، لكن في بعض المواضع يكون الإعلان أفضل. ثم ما حصل في ما جاء في صحيح مسلم: لما جاء بعض القبائل وكانوا متقلدي النمار، وكانت ثيابهم مشققة، أن الفقراء ما عندهم ما يلبسون، فحث النبي عليه الصلاة والسلام الناس على الصدقة، فجاء رجل بصرة كبيرة كادت يده أن تعجز عنها، بل عجزت، فوضعها بين يدي النبي عليه الصلاة والسلام، فتهلل وجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقال: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة». مثل هذا الموقف إذا كان الناس قد تقاعسوا عن الصدقة، وأيضا بخل، فيأتي رجل ويعلن صدقته لأجل أن يتحمس الآخرون، ثم يفعل بعض التجار، تجد أنه لا يعلن الصدقة لأجل أنه يريد أن يُعرف، وإنما يعلنها حتى يتحمس التجار أو غيرهم من التجار فيدفعون أيضا هذه الصدقات، فهذا أيضا يعتبر من السنة الحسنة التي يؤجر عليها هو، وكذلك يؤجر على من عمل بها، من اتبعه من التجار، فهو له أجر لأنه دلهم على هذا الخير وحمسهم على هذا الخير، والدال على الخير كفاعله. فلذلك جاء في حديث في صحيح الشيخ الألباني، وذكره في «صفات الصلاة»، وذكر طرقه في «الصلاة» لأنه حديث صحيح، فيه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «المعلن من القرآن كالمعلن بالصدقة، والسار بالقرآن كالمسر بالصدقة». المعلن من القرآن كالمعلن بالصدقة، والسار بالقرآن كالمسر بالصدقة. وهذا الحديث فسره العلماء على أن الصدقة السر فيها أفضل، لكن أحيانا العلن يكون في بعض المواضع أفضل. وهكذا القرآن، القرآن الأصل أن السر فيه أفضل، أن يقرأه الإنسان دون أن يسمعه أحد، يسمع به نفسه، لكن في بعض المواضع كالصلوات الجهرية، وكذلك عند التعليم أو عند القراءة الجماعية، معنى القراءة عندما يجلسون جماعيا يقرؤون، أو يقرأ لهم مقرئ كما كان يفعل الصحابة، كانوا يجعلون مثلا أحدا من الصحابة يقرأ كأبي موسى وغيره ويستمعون، فهذا هنا صار الإعلان أفضل، لكن في أكثر المواضع الإسرار أفضل. فهذا القرآن وهو أيضا مثل الصدقة، الصدقة هل الإعلان أو الإخفاء أفضل؟ ﴿ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾، لكن لو أعلنها في بعض المواضع حتى يقتدى به فهي تعتبر أفضل. قال رحمه الله: وأحد السبع الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: «رجل تصدق بصدقة فأخفى حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه». حديث خبيب بن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم عن أبي هريرة في الصحيحين، في السبع الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. فهذا الحديث فيه من هؤلاء السبعة رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه، حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه. وهذا من شدة الإخفاء، والمراد شدة الإخفاء وليس المراد هذا الظاهر، وإنما يخفيها بقوة حتى أنه لا يراها أحد، ويكون مثلا يضعها في يد الفقير دون أن يحرك شيئا من جوارحه فيعطيها أو يرميها له، المهم أنه يخفيها على الناس، فهذه الصدقة تعتبر من الصدقات العظيمة، حتى أنه جعلها النبي عليه الصلاة والسلام من السبع الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، في ذلك اليوم الذي يقف الناس في الشمس، والشمس تدنو منهم قدر ميل، قيل أنه ميل المسافة، وقيل أنه ميل المكحلة، وكلاهما بعيد، وكلاهما أيضا فيه قوة ولدعة الشمس. الآن الشمس في مكان بعيد جدا ويجد الإنسان لذعها وشدة حرارتها، فكيف إذا كانت في هذا أو في هذه المسافة؟ لا شك أن حرارتها تكون شديدة جدا، فالناس في ذلك الموقف العصيب، فيجعل الله عز وجل أناسا أكرمهم سبحانه وتعالى، فيجعلهم في ذلك الظل ويتنعمون بهذا الظل. قال رحمه الله في قوله: ﴿ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾: فائدة لطيفة، وهو أن إخفاءها خير من إظهارها إذا أعطيت الفقير، إذا أعطيت الفقير خير من إظهارها، فأما إذا صرفت في مشروع خيري لم يكن في الآية ما يدل على فضيلة إخفائها، بل هنا قواعد الشرع تدل على مراعاة المصلحة، فربما كان الإظهار خيرا لحصول الأسوة والاقتداء وتنشيط النفوس على أعمال الخير، وهذا الحمل أفضل. أنا أجعل الآية على ظاهرها أن إعطاء الفقير بذاته هذا الأفضل فيها الإخفاء إذا أعطاها الفقير بذاته، وأما إذا أعطاها الوكيل أو من يوزع الصدقات فأظهر هذه الصدقة لأجل الاقتداء به، لأجل المصلحة فهو أفضل، كما جاء في حديث معقل بن يسار أو حديث جرير بن عبد الله البجلي في صحيح مسلم. وقوله جل وعلا: ﴿ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ ﴾، في هذا أن الصدقات يجتمع فيها الأمران: حصول الخير وهو كثرة الحسنات والثواب والأجر، ودفع الشر والبلاء الدنيوي والأخروي بتكفير السيئات. معنى هذا، قال: ﴿ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ أي في ما أعطيتم، ﴿ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ ﴾ أي في الآخرة. فقال المؤلف: في هذا أن الصدقات يجتمع فيها الأمران: حصول الخير وهو كثرة الحسنات والثبات على الخير والثواب والأجر، ومعلوم أن الصدقة تطفئ الخطيئة كما تطفئ النار، أو كما تطفئ النار الماء، وجاء ذلك في حديث، وبمجموعها يكون حسنا. أي هذا المعنى: فإن الصدقة تطفئ الخطيئة وتكفر السيئات. ﴿ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾: فيجازي كلا بعمله بحسب حكمته سبحانه. أن الله عز وجل يجازي من يعمل الصالحات وهو يعلم، إن كان قدم هذا إخلاصا له سبحانه وتعالى أو أنه أراد بها الرياء، فإنه كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، كما مر في الآيات، أن الرياء من موانع قبول الصدقة، من موانع قبول الصدقة الرياء، وجاء في الحديث أن أول من تسعر بهم النار ثلاثة، فلذلك فإن من أعظم موانع قبول الصدقة هو الرياء وعدم الإخلاص لله جل وعلا، فلذلك ربنا جل وعلا هو العالم بمن يخلص له فيجازيه كلا بعمله وبحسب ما اقتضت حكمته سبحانه وتعالى. طيب، نكتفي بهذا والله تعالى أعلم.