الدرس في شرح حديث اغتنم خمسا قبل خمس 1، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح الخطيب أهمية اغتنام النعم الخمس قبل فواتها ويشير إلى ضرورة شكر الله عليها. يشدد على أن النعم لا تقتصر على المال فقط بل تشمل الشباب والصحة والفراغ والحياة.
يتناول الخطيب تقلب النعم وضرورة شكر الله عليها، مؤكداً أن النعم تتغير من حال إلى حال ويجب حمد الله على ما أعطاه. يشدد على أهمية الاعتراف بالنعم والشكر عليها.
يناقش ضرورة اغتنام النعم في طاعة الله وعدم الاغترار بها لأنها زائلة. يشير إلى أن شكر النعم يكون بتوظيفها في التقرب إلى الله.
يختتم الشيخ الدرس بالدعاء أن ينفع الله بما قيل ويجعلهم من الذين يستمعون القول ويتبعون أحسنه. يصلي على النبي محمد وآله وصحبه.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، إخواني في الله، في دروس خلت في مثل هذا الوقت كنا ندرس وإياكم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث قال: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولًا». وإننا في مثل هذه المقامات بإذن الله كذلك نستعرض حديثًا من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، نذكر فيه ما يستفاد من العبر والعضات. وإن هذا الحديث الذي بين يديْنِ وهو ما جاء في مستدرك الحاكم بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «اغتنم خمسًا قبل خمس: اغتنم شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وغناك قبل فقرك، وحياتك قبل موتك». هذا الحديث العظيم، إخواني في الله، والذي ينبغي على كل مسلم ومسلمة أن يلقي له اهتمامًا وأهمية؛ لأن ما من أحد إلا ويتقلب في شيء من هذه الصفات المذكورة في هذا الحديث. وإننا في هذا المقام بإذن الله في مثل هذه الأوقات نستعرض وإياكم في كل يوم فقرة من فقرات هذا الحديث لبيان بعض مسائله وأحكامه. وقبل الشروع، إخواني في الله، في الوقوف على فقرات هذا الحديث، أحب في هذا المقام أن أشير إلى الفوائد العامة التي يستفيدها أهل الإسلام من سماعهم لقوله عليه الصلاة والسلام: «اغتنم خمسًا قبل خمس». فإن من عظيم ما يستفاد من قوله عليه الصلاة والسلام ذلكم أولًا أن نستشعر بعظيم هذه النعم؛ إذ أن هذه المذكورات الخمس تعد من أعظم النعم ومن أجل المِنَح التي يعطاها أحدنا في هذه الحياة الدنيا: نعمة الشباب، نعمة الصحة، نعمة الفراغ، نعمة الغنى، نعمة الحياة، نعمة ما أعظمها من نعمة. فإذا رأيت، يا عبد الله، أن الله عز وجل أعطاك إحداها أو شيئًا منها، فما ظنك بمن حباك الله بكلها؟ اعلم أن الله عز وجل قد أعطاك ما لم يعطِ أحدًا من خلقه، فاحمد الله على خيره وفضله وعلى كريم عطائه جل في علاه. وينبغي أن يستشعر الإنسان بعظيم هذه النعم الخمس، وهكذا قل في سائر النعم. لكن من المؤسف أن من الناس من لا يرى من النعم سوى نعمة المال فقط، يرى أن المال هي النعمة، إن جاءته شكر الله وحمد الله، ويرى أن الله قد أنعم عليه، ويرى أنه إن حرم من المال فأصبح فقيرًا معدَمًا، ما عنده مال ولا متاع، فإن الله - كما يرى في ظنه - ما أعطاه شيئًا، ما أنعم عليه. ولو أعطاه ما أعطاه، وهذا جحود وهذا جحود ونكران لعظيم ما أسبغ الله عليه. من الناس مثلًا من عنده من الصحة والقوة ومن الجد والجلد ما أنه يسرح ويمرح ويمشي ويعمل، لكنه فقير معدَم، تجده يظل في نهاره ويومه متسخطًا متذمرًا شاكيًا أن الله عز وجل ما أعطاه. يا عبد الله، ما أعطاك الله؟ وهذه الصحة أليست نعمة تتقلب فيها؟ ما ظنك برجل وقد رأينا من أعطاه الله عز وجل المال الكثير، بل ربما جعله من الأثرياء ومن الأغنياء، لكن بالمقابل سلب الله عز وجل منه نعمة الصحة، فليزال مقعدًا، بل كان طريح الفراش. ولعلكم علمتم - كما يعلم بعضكم - من حال بعض المرضى أنه لربما ظهره قد التصق بفراشه ما ينهض، وأن عينًا قد زوجت بالسقف ما تفارقه، ظل على هذه الحال لا أقل أيامًا بل ربما أشهرًا وسنوات، غداءه وشرابه عبارة عن طريق مغذيات تعطى له عن طريق الوريد، لا يتهنى بطعام ولا بشراب، ما عنده شيء، عنده أموال، عنده أموال، ذهب إلى شرق الدنيا وإلى غربها، لكن ما وجد حلًا، قيل له: إن علاجك ميؤوس منه، لا حل ولا علاج لك. أسألك بالله: أهذا في نعمة؟ أهذا في نعمة؟ عنده مال، لكن فقدت عنه الصحة، فقدت عنه التلذذ بنعم الله. فاحمد الله، يا عبد الله، واعلم أن العبد إذا حباه الله بأي نعمة من نعمة الفراغ، من نعمة الصحة، من نعمة الغنى، من نعمة الشباب، فليحمد الله وليعلم أن الله قد أسبغ عليه من فضله. الفائدة الثانية المستفادة من قوله عليه الصلاة والسلام: «اغتنم خمسًا قبل خمس» أن نعلم أن النعم - إخواني في الله - لا تسير على وتيرة واحدة وهي وتيرة الاستمرارية. لا تظن، يا عبد الله، أن الإنسان يبقى يتقلب في نعم الله منذ حياته إلى أن يلقى الله، لا، بل إن الإنسان يتقلب. ولهذا قيل: «دوام الحال من المحال»، هذا صعب أن تبقى على حالة واحدة. بل ذكر العلماء في قول ربنا عز وجل: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾، قال المفسرون: أي أن الله عز وجل ذكر أن الإنسان سينقلب من حالة إلى حالة. وهذا هو الواقع، تكون اليوم، يا عبد الله، فريحًا مسرورًا، وغدًا يعتريك الهم والغم والحزن والأحزان. اليوم، يا عبد الله، أنت بكامل صحتك، وغدًا يعتريك الأمراض والأسقام، فتكون طريح الفراش. واليوم، يا عبد الله، متعك الله بالمال والغنى، لكن في الغد ما يدريك إلا وقد سلب الله عليك مالك، فأصبحت لا شيء بعد أن أغناك الله من فضله. وهكذا، يا عبد الله، نعمة الشباب، اليوم بصحتك بقوتك بعفوان شبابك، ما يذيقك تمر عليك السنوات، فأصبحت كهلًا كبير السن، طاعنًا لا تحرك ساكنًا. الأمور لا تبقى في حالة واحدة، بل تتقلب. ولهذا نبه نبينا في هذا الحديث على هذه القاعدة: «اغتنم خمسًا قبل أن تهجم عليك خمس يغير الله هذه النعم»، اغتنم شبابك قبل هرمك، واغتنم صحتك قبل سقمك، واغتنم فراغك قبل شغلك، واغتنم غناك قبل فقرك، واغتنم حياتك قبل موتك. فحينئذٍ اعلم، يا عبد الله، أن النعم لا تدوم، ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾، الأيام مداولة. فإذا علم الإنسان هذا الحال كان حريصًا على أنه لا يغتر بالذي عنده، وإنما يلجأ إلى ربه جل في علاه، فهو المنعم سبحانه وتعالى. الفائدة الثالثة والأخيرة مما تستفاد ومما يستفاد من قوله عليه الصلاة والسلام: «اغتنم خمسًا قبل خمس» أن هذه النعم ينبغي أن تغتنم لقوله: «اغتنم خمسًا قبل خمس». ومن أعظم ما تغتنم به هذه النعم أن تغتنم في طاعة الله؛ فالنعم منه وإليه جل في علاه، هو الذي أعطاها لك، فهي تعود إليه، فينبغي أن تسخر هذه النعم إلى ما يعود إلى الله جل وعلا، وهذا هو مقام الشكر، شكر النعمة. وقد مر معنا قريبًا في شكر النعمة أن مقام الشكر يقوم على ثلاثة أركان: الاعتراف بها باطنًا، والتحدث بها ظاهِرًا، وتصريفها في حق موليها. إذا أردت أن تكون شاكرًا لنعمة الله، اجعل نعمة الله تعود إلى الله، أي تقربك إلى الله. كما كان نبينا صلى الله عليه وسلم كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فقيل له: يا رسول الله، أتفعل هذا - يعني بهذا الجهد الجهيد - تقوم من الليل حتى تتفطر الأقدام؟ قال عليه الصلاة والسلام: «أفلا أكون عبدًا شكورًا». شكر النعم يكون بطاعة الله جل وعلا. فإذا أنعم الله عليك بنعمة المال، اجعل هذا المال يقربك إلى الله. إذا متعك الله عز وجل بنعمة الصحة، اجعل الصحة وقوة الأبدان وعافية الأجسام فيما يقربك إلى الله جل في علاه. إن أعطاك الله الشباب والقوة والجد والنشاط، اجعل هذا السن وهذه الفترة الزمنية فيما يرضيك بفعلك لربك عز وجل. وهكذا، اغتنم خمسًا قبل خمس، فينبغي للإنسان، إخواني في الله، أن يغتنم هذه النعم فيما يقربه إلى ربه. ولهذا جاء في حديث الثلاثة الذين يبعثهم الله يوم القيامة فيذكرهم الله بنعمته عليهم، فيقال لهم: وماذا عملتم بها؟ هنا السؤال، الله سينعم عليك، بقي الجواب: بماذا سخرت هذه النعم؟ ولهذا يأتي هذا الحديث بضرورة أن تغتنم هذه النعم الخمس وسائر النعم، لكن على رأس القائمة هذه النعم ينبغي أن تستغل وأن تغتنم. فهذه، إخواني في الله، ثلاثة فوائد نستفيدها من قوله عليه الصلاة والسلام: «اغتنم خمسًا قبل خمس»: أن نعلم أهمية هذه المذكورات الخمس وأنها من أعظم النعم، وأن الإنسان ينبغي أن يرعاها ويهتم بها. ثانيًا: أن يعلم أن النعم لا تدوم بحال، بل هي قابلة للأخذ والرفع والسلب والوضع، وأنها لا تدوم بحال. وثالثًا: أن هذه النعم ينبغي أن تستغل وتغتنم فيما يقربك إلى الله جل في علاه. وإن شاء الله في دروس قادمة نتنقل وإياكم، إخواني في الله، في هذه المذكورات الخمس. أسأل المولى جل وعلاه أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.