شرح كتاب آداب المعلمين والمتعلمين للسعدي 1

شرح كتاب آداب المعلمين والمتعلمين للسعدي 1

الدرس في شرح كتاب آداب المعلمين والمتعلمين للسعدي 1، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في آداب المعلمين والمتعلمين

يبدأ الشيخ بشرح كتاب آداب المعلمين والمتعلمين، مؤكدًا على أهمية الإخلاص في طلب العلم وتعليمه. يُبين أهمية الكتاب في تناول آداب المعلمين والمتعلمين.

أهمية الإخلاص والاحتساب في طلب العلم

يؤكد على أهمية الإخلاص والاحتساب في طلب العلم وتعليمه، مشيرًا إلى أن الإخلاص يعين على إتقان العلم ويحول المباحات إلى حسنات. الاحتساب يعزز الهمة ويمنع الفتور.

التسلسل في التعلم وحقوق المعلم والمتعلم

يُنصح بالتسلسل في التعلم ومراجعة ما سبق دراسته، مع التشديد على أهمية حقوق المعلم والمتعلم، حيث يجب على المعلم نصح المتعلم وعلى المتعلم احترام معلمه.

أدب التعامل بين المعلم والمتعلم

يؤكد على أهمية الأدب في التعامل بين المعلم والمتعلم، مع ضرورة مراعاة حقوق كل منهما، والحرص على الرفق واللطف في تصحيح الأخطاء وتقبل النقد.

التفريغ النصي الكامل

واشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فنحمد الله عز وجل حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى. نحمد سبحانه الذي أنعم علينا بنعم كثيرة لا تعد ولا تحصى، ونخصه سبحانه وتعالى بالحمد والثناء عليه بما هو أهله، على ما خصنا من نعمة الإيمان والإسلام والتوفيق لسنة النبي عليه الصلاة والسلام. وذلك عظيم ما أنعم الله عز وجل به علينا وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. كما نحمد سبحانه الذي يسر لنا بهذه الدورة المكثفة النافعة، وهذه المجالس العلمية المفيدة التي نسأل الله عز وجل أن يوفقنا لإتمامها على ما فيه الخير لنا في ديننا ودنيانا وحاضرنا ومستقبلنا. وبعد، يبدأ نشكر كل من كان سببًا لهذه الدورة المباركة، سواء ساعد بجاهه أو جهده أو قوته أو وقته أو ماله بقليل أو كثير أو علمه، أن يجزي الجميع خير الجزاء، وأن يجعل ذلك في ميزان حسنات الجميع. وقد تناولت أنشطة الدورة، كما سمعتم وكما هو مبرمج في جدولها في هذا المسجد الطيب المبارك ومركز ابن القيم، مركز من مراكز أهل السنة التي نفع الله عز وجل بها. تناولت مجموعة من الدروس، وهكذا مجموعة من الندوات والمحاضرات والنصائح والتوجيهات. ومن ضمنها درسنا في هذا الوقت في هذا الكتاب النافع الماتع للشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى في آداب المعلمين والمتعلمين. وهذا الكتاب يعتبر من أنفع الكتب في بابه مع اختصاره، قد حوى مسائل مهمة وفوائد عدة. وقد حرص رحمه الله تعالى أن يذكر فيه ما يحتاجه المعلم والمتعلم في سيره التعليمي والتربوي، كما سيمر بنا إن شاء الله تعالى. وقد ألف العلماء في هذا الباب مؤلفات كثيرة وبأسماء متقاربة. فمنهم من توسع فذكر مباحث كثيرة ونقل ما ذكروا أهل العلم، سواء كان من ندلة الكتاب والسنة أو آثار سلف الأمة، ككتابات الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى وغيره من أهل العلم في هذا الباب. ومنهم من تناول آدابًا محصورة محدودة وأفردها في الكلام. ومنهم من ذكر بعض الآداب في مقدمة كتبه، كما فعل النووي رحمه الله تعالى في مقدمة بعض كتبه. وكذلك منهم من ذكر آداب المعلم لحالها وآداب المتعلم لحالها. فلأهل العلم في هذا الباب طرق وكذلك مناهج. ولكن الشيخ رحمه الله تعالى قد وفقه الله ويسر الله له أن جمع ذلك الكثير في مختصر يسير. مع هذا الاختصار قد حوى من الفوائد وكذلك يعني الانتقاءات التي قل أن تجدها في مثل هذه الرسالة وهذا الموضوع. وهذا من أحسن وأفضل ما تميزت به هذه الرسالة عن غيرها من الرسائل الكثيرة التي أُلِّفت في هذا الباب. فهي رسالة مختصرة في معناها عظيمة في مبناها، واجتمعت كذلك أكثر إن لم نقل كل ما ذكره قبله على وجه الاختصار وكذلك التيسير. فإن شاء الله تعالى سنقرأ في هذه الرسالة مع تعليق يسير يناسب الزمان والمكان. وكما علمتم، ليس لنا في هذه الرسالة إلا ثلاثة مجالس. في هذه المجالس الثلاثة نحاول أن نقرأ الكتاب في ثلاثة أثلاث. في كل مجلس نأخذ منه ثلثًا، ونسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد. وبإذن الله تعالى يقرأ القارئ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن والاه. قال المؤلف الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي في كتابه آداب المعلمين والمتعلمين، غفر الله له ولشيخنا وللسامعين وللحاضرين جميعًا. قال رحمه الله: فائدة تشتمل على نبذة من آداب المعلمين والمتعلمين، يتعين على أهل العلم من المعلمين والمتعلمين أن يجعلوا أساس أمرهم الذي يبنون عليه حركاتهم وسكناتهم الإخلاص الكامل والتقرب إلى الله بهذه العبادة التي هي أجل العبادات وأكملها وأنفعها وأعمها. ويتفقدوا هذا الأصل الجليل في كل دقيقة من أمرهم وجليل. فإن درسوا أو دارسوا أو بحثوا أو ناظروا أو أسمعوا أو استمعوا أو كتبوا أو حفظوا أو كرروا دروسهم الخاصة أو راجعوا عليها أو على غيرها الكتب الأخرى أو جلسوا بجلس علم أو نقلوا أقدامهم لمجالس العلم أو اشتروا كتبًا أو ما يعين على العلم، كان الإخلاص لله واحتساب أجره وثوابه ملازمًا لهم. ليصير اشتغالهم كله قربة وطاعة وسيرًا إلى الله وإلى كرامته. وليتحقوا بقوله صلى الله عليه وسلم: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له طريقًا إلى الجنة». فكل طريق حسي أو معنوي يسلكه أهل العلم يعين على العلم أو يحصله، فإنه داخل في هذا. ثم بعد هذا يتعين البداءة بالأهم فالأهم من العلوم الشرعية وما يعين عليها من علوم العربية، وتفصيل هذه الجملة معروف. وينبغي أن يسلك أقرب طريق يوصل إلى المطلوب الذي قصده، وأن ينتقي من مصنفات الفن الذي يشتغل فيه أحسنها وأوضحها وأكثرها فائدة. ويجعل جل همه واشتغاله بذلك الكتاب حفظًا عند الإمكان أو دراسة وتكريرًا، بحيث تكون المعاني معقولة له محفوظة. ثم لا يزال يكرر ما مر عليه ويعيده. وعلى المعلم أن ينظر إلى ذهن المتعلم وقوة استعداده أو ضعفه، فلا يدعه يشتغل بكتاب لا يناسب حاله. فإن هذا من عدم النصيحة. فإن القليل الذي يفهمه ويعقله خير من الكثير الذي هو عرضة لعدم الفهم والنسيان. وكذلك يلقي إليه من التوضيح والتقرير لدرسه بقدر ما يتسع فهمه لإدراكه، ولا يخلط المسائل بعضها ببعض، ولا ينتقل من نوع من أنواع المسائل إلى نوع آخر حتى يتصور ويحقق السابق. فإنه درك للسابق وليتوفر فهمه على اللاحق. فأما إذا أدخل المسائل بعضها ببعض قبل فهم المتعلم، فإنه سبب لإضاعة الأول وإدماج فهم لاحق. ثم تتزاحم عليه المسائل حتى لم يحققها فيملها ويضيق نفسه عن العون إليها. فلا ينبغي أن يهمل هذا الأمر. هذه مجموعة من المسائل والنصائح بدأ بها الشيخ رحمه الله تعالى هذه الرسالة. وهذه الرسالة كما رأينا ليس فيها مقدمة، لأنه كما ذكر بعض أهل العلم اقتطع من بعض مؤلفاته وكتبه، فكانت مقدمته لأصل الكتاب تغني عن المقدمة لهذا الكتاب. ومنهم من ذكر أن السبب في ذلك أنه كان كذلك تبعًا لما قبله من مباحث تتعلق بهذا الباب. فناسب أن تذكر كاتبع لتشابه المواضيع. وعلى كل حال، فالمقدمة إنما يؤتى بها للدخول للمقصود. فالدخول للمقصود هو المقصود. فهنا ذكر رحمه الله تعالى كما عنون فائدة، فهي عبارة عن فائدة فيها مجموعة من الآداب للمعلمين والمتعلمين. إذن هي فائدة من فوائد ذكرها رحمه الله تعالى. ثم ذكر في هذه الفائدة وهذه النصائح والآداب للمعلمين والمتعلمين مجموعة من أهمها الحرص على الإخلاص. وهذا الذي ابتدأ به هذه الفوائد، والإخلاص من أعظم وأهم الأمور التي ينبغي أن يعتني بها المعلم والمتعلم. فبالإخلاص يوصله الله عز وجل فوق قوته وهمته، لأن الإخلاص به شان عظيم في التوفيق والتسديد والإعانة من الله سبحانه وتعالى. بل ربما لا يستطيع الإنسان الوصول إلى شيء، ولكن الله عز وجل يوصله إليه بصدقه وإخلاصه. كما في حديث موسى في الصحيح: «إن أقوامًا في المدينة ما سرتم مسيرًا ولا سلكتم واديًا إلا كانوا معكم شاركوكم في الأجر، ما منعهم إلا العذر». يعني حتى هؤلاء أهل العذر بنيتهم الصادقة الخالصة جعل الله عز وجل لهم الأجر وهم في بيوتهم. وهذا يدلنا على عظيم منزلة الإخلاص في حياة المسلم عمومًا والمعلم والمتعلم على وجه أخص. ومن ذلك كذلك أن الإخلاص يعين طالب العلم والمعلم على إتقان ما هو فيه من تعليم أو تعلم، لأنه يكون في حفظ الله ورعايته. بينما من لم يقع عنده الإخلاص في قلبه الموقع الشرعي الصحيح، فإنه يحرم ذلك. كما قال ربنا عز وجل في الحديث القدسي في الصحيح، كما جاء في حديث أبي هريرة: قوله سبحانه: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه». يعني وكله إلى نفسه. فإذا وكل الله يا أيها المعلم والمتعلم ربك العظيم إلى نفسك، فلا تسأل عن الخذلان والضيعة والتيه الذي تصل إليه. بينما إذا حفظك الله وكنت في رعاية ولايته، فلا تسأل عن التوفيق والتسديد الذي يأتيك. فمن أعظم ما ينبغي أن يعتني به المعلم والمتعلم الإخلاص، أن يراجع نفسه دائمًا وأبدًا في تجديد إخلاصه وصدقه مع ربه عمومًا وفي طريق التعليم والتعلم خصوصًا. ومن النصائح التي نصح بها ثانيًا ما أشار إليه رحمه الله تعالى أمر الاحتساب، أنه دائمًا ينبغي أن يحتسب هذا العمل الصالح عند الله سبحانه وتعالى. لأنه بهذا تتحول المباحات إلى أبواب حسنات، وتكون سببًا كذلك في علو الهمة وعدم الفتور. لأنه يحتسب ذلك كله قربة عند الله سبحانه وتعالى. فإذا احتسب المعلم والمتعلم جلوسه وقيامه وتعبه ونصبه وسهره، وأن هذا في سبيل الله بل من أعظم الجهاد في سبيل الله، كما في حديث أبي هريرة وصحيح مسلم، كما أشار إليه: «ومن سلك طريقًا التمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة». وطالب العلم في سبيل الله حتى يرجع، كما صحت به السنة عن النبي عليه الصلاة والسلام. هذه كلها تكون مسليات لطالب العلم أن يصل إلى الدرجات العالية بإذن الله سبحانه وتعالى، بما يكون من هذا الاحتساب. أضف إلى ذلك همته تستمر في القوة والعلو ولا يحصل معها فتور. بينما من لم يحتسب، فإنه يصاب بالتعب أو الفتور أو غير ذلك. ومن النصائح التي نصح بها كذلك وهي نصيحة مهمة، ترتيب الأولويات في طريق المعلم والمتعلم. مهم جدًا أن يكون للمعلم والمتعلم خطة يسير عليها ويرتب بها سيره في التعليم والتعلم، إن كان معلمًا ففي التعليم، وإن كان طالبًا ففي التعلم. وهذه الخطة ممكن تختصر بالطريقين: طريق إجمالي وطريق مفصل. الطريق الإجمالي أن تكون هناك خطة إجمالية في سيره العلمي والتربوي، مثل أن يبدأ بكتب العقيدة في المستوى الأول، وكتب الفقه والحديث واللغة ونحو ذلك. ويجعل لنفسه خطة إجمالية أنه بإذن الله سبحانه وتعالى سينتهي من هذا المستوى في فترة كذا وكذا، ويبدأ يرتب لنفسه الدخول في الخطة التي بعدها. أما الخطة التفصيلية هي أن يرتب وقته اليومي: متى يكون خروجه للدرس، ماذا سيفعل قبله، أين سيكون وقت حاجاته الخاصة من أكل وشرب والقيام بنفسه والقيام بأسرته والقيام بأبنائه، ووقت كذلك تكسبه وتعيشه مع ما لا يعارض جدوله التعليمي. سواء كان معلمًا أو كان متعلمًا، مع ما لا يعارض كذلك ما يحتاجه من طريق التعلم بأخذ الدروس أو كذلك غيرها من وسائل التعليم الأخرى. وينبغي لطالب العلم كما سيأتي معنا إن شاء الله أن يكون له تقسيم لطريقة أخذه للعلم. فمن العلم ما يأخذه بالحفظ، ومن العلم ما يأخذه بالمذاكرة، ومن العلم ما يأخذه بالاستماع وحضور الدروس. ومن العلم ما يأخذه بمراجعة ما يدرس من خلال السماع وقراءة الكتب التي تشرح الكتب التي يدرسها. ومن العلم كذلك ما يكون بمذاكرة ما أخذه من محفوظ أو أخذه من دروس سمعها وحضرها. فهذه خمس أمور مهمة ينبغي أن يرتب وقتها ويجعل خطة لها تعينه على سيره في التعليم. وهذا مثال للخطة الإجمالية والخطة التفصيلية التي يحتاجها طالب العلم، وهكذا كذلك المعلم. كذلك من النصائح المهمة التي نصح بها رحمه الله تعالى أنه يحاول أن يجمع بين الحفظ والفهم. فإن الحفظ والفهم يعينان على جمع العلم وتثبيته. هذا بالنسبة للمتعلم، وبالنسبة للمعلم كذلك أن يراعي أن يدخل العلم شيئًا من طريق الحفظ وشيئًا من طريق الفهم. الحفظ يكون كالنقاط والمراجع التي تعين الطالب إلى الرجوع إلى ما درس. مثلا درس رسالة في القواعد الفقهية وأصولها، فحفظ هذا الذي يتعلق بالحفظ، هذا النظم المشهور في القواعد الفقهية للشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي، حفظه لهذا النظم سيعينه على استذكار القواعد وما يتعلق بكل قاعدة من مسائل ومباحث وشرح. فجمع بين الحفظ الذي يذكره بماذا بالفهم. وفي نفس الوقت يحاول أن يجعل له من التقسيمات ما تعينه إذا حفظ هذه التقسيمات أن يفهم العلم الذي يدرسه. فيكون كذلك مساعدًا له في تثبيت العلم. مثلا درس في النحو، فعرف أن الكلام ينقسم إلى اسم وفعل وحرف، مكونات الكلام العربي، والجملة إما اسم وإما فعل وإما حرف. إذن سيجعل أن اللغة العربية تدور مباحثها في هذه المباحث الثلاثة، وتحت هذه المباحث مباحث كثيرة سيأتي الكلام عليها وهكذا. وهذا مثال يبين كيف أن المعلم والمتعلم ينبغي أن يجمع في كل علم يدرسه بين الحفظ والفهم. وما يعينه على كذلك دراية ما يدرس وأن لا ينساه. وسيأتي الكلام على الحفظ في موضعه إن شاء الله. يقول كذلك من الأمور المهمة التي نصح بها كذلك أنه ينبغي أن يكون عنده وقت يتدارك فيه المحفوظ والمفهوم. مثل الذي عنده ناقة ولم يعقلها فإنها تتفلت عليه. وإذا عقلها ولم يتفقدها تفلتت عليه، كما جاء في حفظ القرآن. فالقرآن يحتاج إلى تعهد كمحفوظ، وكذلك كل علم فيه حفظ يحتاج إلى ماذا إلى تعهد. يعني مثلا حفظت المنظومة التي ذكرناها، إذن اجعل لنفسك أن تقرأها وتراجعها ولو في الأسبوع مرة حفظًا. كذلك درستك كتبًا أو كتابًا في علم معين، اجعل لنفسك مراجعة لهذا الكتاب ولو في الشهر مرة، تعيد العهد به. عود العهد به سبب لثبيت المعلومات. وستلاحظ مع الوقت أنك بدأت تحفظها حتى تكون في قلبك عن ظهر غيب. فإذا تكرر هذا عدة مرات، فإنه سيجتمع لك من المعارف والعلوم والمحفوظات والفهوم ما لا كنت تظنه. وهذا بسبب التعهد أنك تتعهد المحفوظ والمفهوم. قد يقول قائل: ما مقدار هذا التعهد؟ الجواب: مقداره ما تنتقل به إلى الذي فوقه. يعني ما دمت في الآجرومية فأنت استمر في تعهد الآجرومية حتى إذا انتهيت من الآجرومية ودخلت في الذي بعده فتستمر في التعهد الذي بعده. حتى إذا انتهيت من الذي بعده تبدأ بتعهد الذي فوقه وهكذا. والعلوم متداخلة، فأنت أخذت الآجرومية ثم أخذت المتممة، المتممة فيها مراجعة للآجرومية. أخذت الآجرومية ثم المتممة ثم دخلت في قطر الندى على سبيل المثال، فإن فيها مراجعة لما مضى مع زيادة ما أتى وهكذا. أنت تتدرج وتجمع بين الفهم وبين الحفظ وتعهد هذا الحفظ والفهم. وهكذا من النصائح التي نصح بها الحرص على الصبر في طريق التعلم، وكذلك الحرص على الدعاء. فإن الإنسان بالصبر ووصله بالله عز وجل بالدعاء، يدعو الله عز وجل في حفظه وفي فهمه وفي درسه وفي كل شيء. وبإذن الله سبحانه وتعالى ستجد الأمر يتسهل لك. ومن هذه الأمور كذلك ما ذكر رحمه الله تعالى من أهمية التسلسل في أخذ العلم وتتبع المنافع والفوائد. فإن الإنسان إذا حرص على أن يتدرج، وهذا التدرج ليس فيه انقطاع، كل فائدة متصلة بالأخرى، محفوظ متصل بالذي بعده، فإنه سيحصل له التمكن في التعليم والتعلم. مثل الذي يحفظ القرآن، إذا حفظ القرآن وربط بعضه ببعض كانت السورة كلها متقنة. لكن إذا حفظ أولها وأهملها ثم حفظ من وسطها وأهمل ثم حفظ من الأخير، سيكون عنده بعض المحفوظات لكن لا يستطيع أن يسرد السورة من أولها إلى آخرها بسبب عدم التسلسل والتتابع والربط بين هذا المحفوظ. وهكذا كذلك من النصائح التي نصح بها رحمه الله تعالى أن يحرص كذلك في تعلمه أن يراعي الحقوق: حق التعلم وحق المعلم وحق النفس وحق الأهل وسائر الحقوق الأخرى. وهذا من الخطة التي سبق الكلام عليها والترتيب لها. فإنه إذا سار بهذا السير فإنه بإذن الله تعالى سيوفق في طريق التعليم بإذن الله سبحانه وتعالى والتعلم. وكذلك من الأمور التي ينبغي أن يحرص عليها الحرص على التركيز فيما يحفظ وما يدرس ويتعلم ويريد فهمه. فتركيزه وتدقيقه في هذا يعينه على إتقان ما يتعلمه محفوظًا كان أو مفهومًا. ثم قال رحمه الله: وعلى المعلمين النصح للمتعلمين بكل ما يقدرون عليه من التعليم والصبر على عدم إدراكهم وعلى عدم أدبهم وجفائهم، مع شدة حرصهم على ما يقومهم ويحسن أدبهم. لأن المتعلم له حق على المعلمين حيث أقبل على العلم الذي ينفعه وينفع الناس، وحيث توجه للمعلم دون غيره، وحيث كان ما يحمله من العلم هو عين بضاعة المعلم يحفظها وينميها ويطلب بها المكاسب الرابحة. فهو الولد الحقيقي للمعلم الوارث له. قال تعالى: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ والمراد وراثة العلم والحكمة. فالمعلم مثاب معان على نفسه لتعليمه، سواء فهم أو لم يفهم. فإذا فهم ما علمه وانتفع به بنفسه ونفع غيره، كان أجرًا جاريًا للمعلم ما دام ذلك النفع متسلسلًا متصلًا. وهذه تجارة بمثلها يتنافس الموفقون. فعلى المعلم أن يسعى سعيًا شديدًا في إيجاد هذه التجارة وتنميتها، فهي من عمله وآثار عمله. قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾. فما قدموا ما باشروا عمله، وآثارهم ما ترتب على أعمالهم من المصالح والمنافع أو ضدها. وهذا فيه إشارة إلى ثلاثة أمور مهمة. أولها أن علم أهل السنة والجماعة موروث وليس مستحدث، يتوارثه جيل خلف جيل، أخذه الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقبلهم النبي صلى الله عليه وسلم عن جبريل، وأخذه التابعون عن الصحابة، وتبع التابعين ثم تبعهم من تبعهم بإحسان، من العلماء المسلمين وأئمتهم الصالحين. يأخذه جيل خلف جيل، وبهذا يتوارثون هذا العلم الذي هو علم أهل السنة والجماعة: عقيدة وعبادة ومعاملة وأخلاقًا ومنهاجًا وسلوكًا. الأمر الثاني أنه ينبغي للمعلم والمتعلم أن يحسن من يعطي العلم وعمن يأخذ العلم. لأن العلم مثل النسب، العلم مثل النسب، فأنت لا تعطي نسبك لأي أحد، بل تنتقي في النسب. وكذلك ينبغي أن تنتقي في التعلم، فلا تأخذ يا أيها المتعلم إلا عن علماء سنة، ليكون أبوك في العلم سنيًا وليس بدعيًا. وأنت يا أيها المعلم لا تعلم إلا من يصلح أن يأخذ عنك العلم، فيكون حسنة من حسناتك وسنة صالحة تفرح بها يوم القيامة. والأمر الثالث فيه أن لطالب العلم والمعلم أبوة علمية كالأبوة النسبية. فأنت زيد بن عمر بن خالد بن فلان بن فلان بن فلان إلى أن يصل إلى من تستطيع الوصول إليه. وهكذا كذلك في العلم، فأبوك شيخك الأول، وشيخه جدك، وشيخ شيخه أبو جدك وهكذا. ومن انقطع نسبه في العلم كانت هويته وعلمه فيه انقطاع وضعف. فلذلك تحرص على أن تأخذ عن العلماء الأخيار، ويحرص المعلم أن يعطي كذلك من يصلح لهذا التعليم. فهي من الآثار التي أشار إليها تحتاج لعناية بالحفظ. ثم قال رحمه الله: وَلْيُرَغِّبْ الْمُتَعَلِّمَ بِكُلِّ طَرِيقٍ وَلَا يُمِلَّهُ بِاشْتِغَالِهِ بِمَا يَعْثُرُ عَلَى فَهْمِهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْعُلُومِ وَمُفْرَدَاتِهَا. وَعَلَى الْمُتَعَلِّمِ أَنْ يُوَقِّرَ مُعَلِّمَهُ وَيَتَأَدَّبَ مَعَهُ حَسَبَ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ لِمَا لَهُ مِنْ الْحَقِّ الْعَامِ وَالْخَاصِ. أَمَّا الْعَامُ فَإِنَّ مُعَلِّمَ الْخَيْرِ قَدِ اسْتَعَدَّ لِنَفْعِ الْخَلْقِ بِتَعْلِيمِهِ وَفَتْوَاهِ، فَحَقُّهُ عَلَى النَّاسِ حَقُّ الْمُحْسِنِينَ. وَلَا إِحْسَانَ أَعْظَمَ وَأَنْفَعَ مِنْ إِحْسَانِ مَنْ يُرْشِدُ النَّاسَ لِأَمْرِ دِينِهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ مَا جَهِلُوا وَيُنَبِّهُهُمْ لِمَا عَنْهُ غَفِلُوا، وَيَحْصُلُ بِسَبَبِ ذَلِكَ مِنَ الْخَيْرِ وَانْدِمَاءِ الشَّرِّ وَنَشْرِ الدِّينِ وَالْمَعَارِفِ النَّافِعَةِ مَا هُوَ أَنْفَعُ شَيْءٍ لِلْمَوْجُودِينَ وَمَنْ أَتَى مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ ذُرِّيَّتِهِمْ وَغَيْرِهِمْ. فَلَوْلَا الْعِلْمُ كَانَ النَّاسُ كَالْبَهَائِمِ فِي ظُلْمَةٍ يَتَحَيَّرُونَ وَفِي غَيِّهِمْ يَعْمَهُونَ، فَهُوَ النُّورُ الَّذِي يُهْتَدَى بِهِ فِي الظُّلُمَاتِ وَالْحَيَاةُ لِلْقُلُوبِ وَالْأَرْوَاحِ وَالدِّينِ وَالدُّنْيَا. وَالْبَلَدُ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ مَنْ يُبَيِّنُ لِلنَّاسِ أَمْرَ دِينِهِمْ وَيَرْشِدُهُمْ إِلَى مَا هُمْ مُضْطَرُّونَ إِلَيْهِ لَا خَيْرَ فِي الْإِقَامَةِ فِيهِ. فَمَنْ كَانَ هَذَا إِحْسَانُهُ وَأَثَرُهُ، كَيْفَ لَا يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ مَحَبَّتُهُ وَتَوْقِيرُهُ وَالْقِيَامُ بِحُقُوقِهِ؟ وَأَمَّا حَقُّهُ الْخَاصُّ عَلَى الْمُتَعَلِّمِ فَلِمَا بَذَلَهُ لَهُ مِنْ تَعْلِيمِهِ وَالْحِرْصِ عَلَى مَا يَرْشِدُهُ وَيُوَصِّلُهُ إِلَى عَقْلِ الدِّرَجَاتِ. فَلَيْسَ نَفْعُ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ نَظِيرًا لِنَفْعِ الْمُعَلِّمِينَ الْمُرَبِّينَ لِلنَّاسِ بِصِغَارِ الْعِلْمِ قَبْلَ كِبَارِهِ، الْبَاذِلِينَ نَفَائِسَ أَوْقَاتِهِمْ وَصَفْوَةَ أَفْكَارِهِمْ فِي تَفْهِيمِ الْمُسْتَرْشِدِينَ بِكُلِّ طَرِيقٍ وَوَسِيلَةٍ يَقْدِرُونَ عَلَيْهَا. وَإِذَا كَانَ مَنْ أَحْسَنَ إِلَى الْإِنْسَانِ بِهَدِيَّةٍ مَالِيَّةٍ يَنْتَفِعُ بِهَا ثُمَّ تَذْهَبُ وَتَزُولُ لَهُ حَقٌّ كَبِيرٌ عَلَى الْمُحْسِنِ إِلَيْهِ، فَمَا الظَّنُّ بِهَدَايَا الْعِلْمِ النَّافِعِ الْكَثِيرَةِ الْمُتَنَوِّعَةِ الْبَاقِيَةِ نَفْعُهَا مَا دَامَ الْعَبْدُ حَيًّا وَبَعْدَمَا مَاتَ، الْمُتَسَلِّسِلَةِ بِحَسَبِ حَالِ تِلْكَ الْهَدَايَا؟ فَهَيْهَاتَ يُعْرَفُ حَقُّهُ وَيُوَقَّرُ وَيُحْسَنُ الْأَدَبُ مَعَهُ، وَلَا يُخْرَجُ عَنْ إشَارَتِهِ وَإِرْشَادِهِ. وَلْيَجْلِسْ بَيْنَ يَدَيْهِ مُتَأَدِّبًا، وَيُظْهِرْ غَايَةَ حَاجَتِهِ إِلَى عِلْمِهِ، وَيَدْعُوَ لَهُ حَاضِرًا وَغَائِبًا. وَإِذَا أَفَادَهُ بِفَائِدَةٍ وَتَوضِيحٍ لِعِلْمٍ، فَلَا يُظْهِرْ لَهُ أَنَّهُ قَدْ عَرَفَهُ قَبْلَ ذَلِكَ. وَإِذَا كَانَ عَارِفًا لَهُ، بَلْ يَسْقِي إِلَيْهِ إصْغَاءَ الْمُتَطَلِّبِ بِشِدَّةٍ إِلَى الْفَائِدَةِ. هَذَا فِيمَا يَعْرِفُهُ، فَكَيْفَ بِمَا لَا يَعْرِفُهُ؟ وَلِهَذَا كَانَ هَذَا الْأَدَبُ مُسْتَحْسَنًا مَعَ كُلِّ أَحَدٍ فِي الْعُلُومِ وَالْمُخَاطَبَاتِ فِي الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ. أَشَارَ هُنَا رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى أَدَبَيْنِ مُهِمَّيْنِ كَذَلِكَ فِيمَا يَكُونُ بَيْنَ الْعَالِمِ وَالْمُتَعَلِّمِ، وَهُمَا الْخَاصُ وَالْعَامُ. أَمَّا الْعَامُ فَهُوَ كَوْنُهُ مُعَلِّمَ خَيْرٍ، فَيَنْبَغِي كَمَا ذَكَرَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِمَا يَغْنِي عَنْ الْإِعَادَةِ أَنْ يُلَاحَظَ هَذِهِ الْأُمُورَ الْعَظِيمَةَ الَّتِي تُورِثُ لَهُ مِنْ الْاحْتِرَامِ وَالتَّقْدِيرِ. وَكَذَلِكَ الْحِرْصُ وَالرَّغْبَةُ فِيمَا يَسَاعِدُهُ عَلَى تَحْصِيلِ الْعِلْمِ الَّذِي يَأْخُذُهُ. وَهَكَذَا كَذَلِكَ الْمُعَلِّمُ مَعَ الطَّالِبِ يَحْتَسِبُ هَذَا الْأَصْلَ بِمَا يَسَاعِدُهُ عَلَى إِيصَالِ هَذَا الْعِلْمِ لِمَنْ يَحْتَاجُهُ. وَأَمَّا الْمَعْنَى الْخَاصُّ فَهُوَ مَا يَكُونُ مِنْ الْعَلَاقَةِ الْأُبَوِيَّةِ بَيْنَ الْمُعَلِّمِ وَالِابْنِ فِي تَفَاصِيلَ كَثِيرَةٍ تَمُرُّ أَثْنَاءَ كُلِّ تَعْلِيمٍ وَمَسْأَلَةٍ. فَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ هَذِهِ أَسْبَابًا لِلْمُحَافَظَةِ عَلَى الْأَدَبِ بَيْنَ الْمُعَلِّمِ وَالْمُتَعَلِّمِ كِلَيْهِمَا، بِمَا يَنْبَغِي عَلَيْهِ مِنْ جِهَتِهِ، بِمَا يَكُونُ بِهِ زِيَادَةُ الْإِقْبَالِ عَلَى هَذَا التَّعْلِيمِ وَاحْتِسَابِ الْأَجْرِ فِيهِ، لِأَنَّهَا أَبْوَابُ حَسَنَاتٍ عَظِيمَةٍ وَكَذَلِكَ أَبْوَابُ فَوَائِدَ كَثِيرَةٍ وَهَدَايَا مُتَنَوِّعَةٍ يَنْبَغِي أَنْ يُحْرَصَ عَلَيْهَا وَأَنْ لَا يُمَلَّ مِنْ جَمْعِهَا. فَكَيْفَ إِذَا انْضَافَ إِلَى هَذَا أَنَّهُ كُلَّمَا حَسُنَ الْأُسْلُوبُ كُلَّمَا ثَبَتَتْ هَذِهِ الْفَائِدَةُ وَوَصَلَتْ هَذِهِ الْهَدِيَّةُ. مَثَلًا الْمُعَلِّمُ مَعَ الطَّالِبِ مَثَلُهُ كَمَثَلِ مَنْ يُعْطِي هَدِيَّةً لِإِنْسَانٍ، فَإِذَا أَعْطَى لَهُ الْهَدِيَّةَ عَلَى وَجْهٍ يَكُونُ فِيهِ مُرَاعَاةٌ لِحَاجَةِ هَذَا الطَّالِبِ لِنَوْعِ الْهَدِيَّةِ، كَانَ الْانْتِفَاعُ بِهَذِهِ الْهَدِيَّةِ أَعْظَمَ. ثُمَّ قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَإِذَا أَخْطَأَ الْمُعَلِّمُ فِي شَيْءٍ فَلْيُنَبِّهْهُ بِرِفْقٍ وَلُطْفٍ بِحَسَبِ الْمَقَامِ، وَلَا يَقُلْ لَهُ أَخْطَأْتَ أَوْ لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا تَقُولُ. بَلْ يَأْتِي بِعِبَارَةٍ لَطِيفَةٍ يُدْرِكُ بِهَا الْمُعَلِّمُ خَطَأَهُ مِنْ دُونِ أَنْ يَتَشَوَّشَ قَلْبُهُ. فَإِنَّ هَذَا مِنْ الْحُقُوقِ اللَّازِمَةِ وَهُوَ أَدْعَى لِلْوُصُولِ إِلَى الصَّوَابِ. فَإِنَّ الرَّدَّ الَّذِي يَصْحَبُهُ سُوءُ الْأَدَبِ وَانْزِعَاجُ الْقَلْبِ يَمْنَعُ مِنْ تَصَوُّرِ الصَّوَابِ مِمَّنْ قَصَدَهُ. وَكَمَا أَنَّ هَذَا لَازِمٌ عَلَى الْمُتَعَلِّمِ، فَعَلَى الْمُعَلِّمِ إِذَا أَخْطَأَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْحَقِّ وَلَا يَمْنَعُهُ قَوْلٌ قَالَهُ ثُمَّ رَأَى الْحَقَّ فِي خِلَافِهِ مِنْ مُرَاجَعَةِ الْحَقِّ وَالر