الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 4، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح السعدي أن أموال الكفار وأولادهم لا تنفعهم يوم القيامة شيئاً، وأنهم وقود النار كدأب آل فرعون ومن قبلهم. ويؤكد أن الله يأخذهم بذنوبهم وأن عذابه شديد.
يخاطب النبي ﷺ عمه عباس وعمة صفية وابنته فاطمة مؤكداً أنه لا يغني عنهم شيئاً يوم القيامة إن كفروا. يبين أن الشفاعة لا تنفع المشركين مستشهداً بالآية الكريمة.
يصف المقطع عذاب الكفار في النار وكيف تتغيظ عليهم، ويذكر أن مصيرهم كمصير آل فرعون والأمم المكذبة. يؤكد أن سبب العذاب هو تكذيب آيات الله وإعراضهم عنه.
يذكر المقطع أن الله يتوعد المخالفين بالعذاب في الدنيا ثم يعاقبهم أشد عذاب في الآخرة بالنار. يختم بالاستعاذة بالله من النار وسؤال السلامة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى عند قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ * كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. قال رحمه الله: لما ذكر يوم القيامة، ذكر أن جميع من كفر بالله وكذب رسول الله لا بد أن يدخلوا النار ويصلوها، وأن أموالهم وأولادهم لن تغني عنهم شيئا من عذاب الله. يقول المؤلف رحمه الله: إن الله عز وجل لما ذكر يوم القيامة ويوم يجمع الله الناس: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾، فبعد أن ذكر هذا، ذكر أن أهل الكفر في ذلك اليوم لن ينفعهم شيء، لا أولادهم ولا أموالهم ولا غيرها من هذه الأشياء، بل هم وقود النار، يوقد بهم النار كما قال الله عز وجل: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾، في النار وقودها الناس والحجارة، توقد هذه الحجارة وتشتعل بالناس وبأهلها، وكذلك بالحجارة. فقال هنا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾، لن ينفعهم شيء أبدا، كما قال نبينا الكريم عليه الصلاة والسلام بعد أن جمع الناس فخص وعم، فقال: «يا بني عبد مناف، اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئا. يا عباس بن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، اشترِ نفسك، لا أغني عنك من الله شيئا. يا صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله، لا أغني عنك من الله شيئا». وقال: «يا فاطمة بنت محمد، سليني من مالي ما شئتِ، لا أغني عنك من الله شيئا». يبين نبينا عليه الصلاة والسلام أنه وهو رسول الله لا يغني عن أحد شيئا يوم القيامة، أي من الكفار إذا كفر وأعرض. أما من أسلم فإن الله عز وجل أخبره بعد ذلك بالشفاعة، فتكون لمن لم يشرك بالله شيئا، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. وأما من أشرك بالله كما قال الله عز وجل، فما تنفعهم شفاعة الشافعين. من كفر بالله وأشرك، ما تنفعه الشفاعة، ولا ينفعه صديق ولا حميم، أو صديق حميم، فلا ينفعه شيء في ذلك اليوم العظيم، ولا يملكون نصرهم ولا أنفسهم ينصرون، لا يستطيع أحد أن ينصرهم ولا يستطيعون نصر أنفسهم. فلذلك قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾. قال رحمه الله: أنه سيجري عليهم في الدنيا من الأخذات والعقوبات ما جرى على فرعون وسائر الأمم مكذبة بآيات الله، أي أنه أغرقهم أو خسف بهم أو جاءهم بالريح فأهلكهم. فقال الله عز وجل: ﴿وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾، أي هؤلاء الكفار توقد بهم النار وتشتعل، كلما ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا * وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾، حتى لما تراهم هذه النار تتغيظ عليهم، فإذا وضعوا فيها اشتعلت، صارت أشد حرارة، فلذلك فإنهم يطلبون الويل ويصيحون. ثم قال الله عز وجل: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾، أي لم يغن عنهم شيئا، بل أغرقهم الله وعذبهم في الدنيا قبل الآخرة، وكأن هذا تهديد. معنى الله عز وجل يهدد هؤلاء الكفار أنهم إن لم يتوبوا إلى الله وإن لم يؤمنوا بالله عز وجل، فإنه سيصيبهم كما أصاب فرعون والأمم التي عذبها الله عز وجل من قبل، أي الأمم الكافرة الذي بين الله عز وجل كيف فعل بهم، ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾، فقال: ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. فقال: أخذهم الله بذنوبهم وعجل لهم العقوبات الدنيوية متصلة بالعقوبات الأخروية، عذبهم الله عز وجل في الدنيا قبل الآخرة، وهذا لأجل إعراضهم عن الله وكفرهم بالله جل وعلا. قال: ﴿وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، أي لمن استحقه. فإياكم أن تستهينوا بعقابه، فيهون عليكم الإقامة على الكفر والتكذيب. وهؤلاء الكفار إنما غاب عنهم هذا المشهد، وترك اليقين من قلوبهم. كما أن الإيمان لما كان اليقين في قلوبهم بموعود الله، كانوا أذعنوا لله عز وجل وطاعوه. وأما هؤلاء، خرج اليقين من قلوبهم، فكذبوا الله وكذبوا رسله وكذبوا اليوم الآخر، فلذلك استهونوا هذا الأمر. فالله عز وجل يهددهم بهذا ويتوعدهم أنهم سيحصل لهم في الدنيا من العذاب، ثم بعد ذلك أيضا يرجعون إلى الآخرة ويكونون أيضا في العذاب، وهو أشد العذاب. والله شديد العقاب، أن يعاقبهم بعد أن يعاقبهم في الدنيا، أيضا يعاقبهم في الآخرة بالنار، والعياذ بالله. فنسأل الله عز وجل أن يسلمنا من النار، الحمد لله رب العالمين.