تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 15

تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 15

الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 15، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

نسبة الخير والشر إلى الله وحكم إضافتهما

الخير كله من الله وينسب إليه، بينما الشر لا يضاف إلى الله وصفاً ولا اسماً ولا فعلاً بل هو في أفعال المخلوقين مع أن الله خلقه وقدره لحكمة. الإيمان بالقدر يشمل خيره وشره على حد سواء.

نفي الشر عن أفعال الله وتفسير الرزق بغير حساب

أفعال الله كلها خير وحكمة ولا يصح نسبة الشر إلى فعله، والشر يقع في أفعال المخلوقين فقط. الرزق بغير حساب يحصل بالأسباب المعنوية كالتقوى والتوكل، والرزق يشمل كل ما ينفع العبد.

مفهوم الرزق وأسبابه المشروعة

الرزق العام يشمل كل ما سُخر للإنسان حلالاً وحراماً، بينما الرزق الخاص يقتصر على ما أحله الله. أعظم أسباب نيل الرزق الحلال هي تقوى الله والتوكل عليه مع الأخذ بالأسباب المباحة دون الاعتماد عليها وحدها أو اللجوء للمحرمات.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال العلامة السعدي رحمه الله: وقوله: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾. قال: وقوله: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾، أي: الخير كله منك، ولا يأتي بالحسنات والخيرات إلا الله. وأما الشر: فإنه لا يضاف إلى الله تعالى لا وصفاً، ولا اسماً، ولا فعلاً. وهذه مسألة مهمة لم يفهمها كثير من الناس، خاصة نفاة القدر. هذه المسألة هي نسبة الشر إلى الله. فبعضهم خلط بين عدم نسبة الشر إلى الله، وأنه لا يجوز أن يُنسب الشر إلى الله جل وعلا، وبين خلقه للشر. والله عز وجل خلق الخير والشر، كله بيده، وكل مقدر من عنده سبحانه وتعالى، كما جاء في حديث جبريل: «وأن تؤمن بالقدر خيره وشره». قال النبي صلى الله عليه وسلم: من أركان الإيمان، بعدما عدد أركان الإيمان، قال: «وتؤمن بالقدر خيره وشره». أي: أنه كله مقدر من عند الله سبحانه وتعالى، سواء كان خيراً أو شراً. لكن هذا الشر الذي يقدره الله عز وجل ليس في أفعاله سبحانه وتعالى، وإنما في أفعال المخلوقين. فالشر هذا إنما هو في أفعال المخلوقين. لكن هل هو شر أصلاً؟ الشر هذا الذي جعله الله عز وجل، جعله لحكمة، خلقه لحكمة سبحانه جل وعلا. لهذا خلق الله عز وجل أهل الطاعة وأهل المعصية، خلق المؤمن والكافر. فهل يقول أحد: إن الكافر لم يخلقه الله؟ هذا لم يقله إلا الملاحدة. حتى القدرية ما يقولون مثل هذا، لكن يقولون: إن عمل الإنسان لا دخل لله عز وجل فيه، فينفون القدر من أفعال العباد. وهذا باطل، وهذا باطل. فربنا جل وعلا خلق الخير وقدره، وخلق الشر وقدره. لكن كما قال المؤلف هنا: «وليس ولا يضاف إلى الله تعالى لا وصفاً ولا اسماً ولا فعلاً». يعني: لا يضاف الشر لا في أسمائه، ولا في أفعاله، ولا في أوصافه، وإنما هو في فعل بني آدم، فعل المخلوق. الشر هذا في فعل المخلوق. لكن في فعل الله عز وجل هو حكمة منه سبحانه وتعالى، قدر هذا الشر لحكمة منه. وهذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ولا ينسب الشر إليك». لا يجوز للمسلم أن ينسب الشر إلى الله من ناحية فعله، أو صفة، أو اسماً. لا يقول مثلاً: هذا شر من أفعال الله، هذا الشر من أفعال الله. هذا كلام باطل، وأيضاً قلة أدب مع الله جل وعلا. فربنا جل وعلا ليس في أفعاله شر أبداً، بل كلها خير، وكلها أيضاً كذلك حكمة منه جل وعلا. فهذا المقصود معنى أن الشر لا ينسب إليه، أي: لا يضاف إليه إضافة صفة، ولا فعل، وإنما يضاف إليه إضافة خلق. إضافته إضافة خلق، أي: أنه خلقه وقدره. قاله، لكنه يدخل في مفعولاته، مفعولاته أي: التي خلقها، ويندرج في قضائه وقدره. وتؤمن بالقضاء والقدر خيره وشره. فالخير والشر كله داخل في القضاء والقدر، فلا يقع في ملكه إلا ما شاءه. لا يقع في ملك الله عز وجل إلا ما يريد. فعال لما يريد، وما تشاءون إلا أن يشاء الله. فليس هناك شيء يقع في الكون إلا بمشيئة الله عز وجل النافذة في كل شيء. قال: ولكن الشر لا يضاف إلى الله، فلا يقال: بيدك الخير والشر. لا يقال: بيدك الخير وبيدك الشر. لا، فليس في أفعال الله عز وجل شر، بل أفعاله كلها خير سبحانه وتعالى وحكمة. لهذا لا يصح، ليس من الكلمات الصحيحة أن يقال: الشر بيد الله، الشر بيد الله. لا، هذا خطأ. معنى بيد الله: أي في فعل الله، وهذا خطأ. وإنما يقال: الخير بيد الله. وأما الشر فهو يقع، لكنه بحكمة من الله سبحانه وتعالى. لو قال مثلاً: الشر بحكمة الله، ما في شيء. قال: بل يقال: بيدك الخير، كما قاله الله، وقاله رسوله صلى الله عليه وعليه وسلم. وأما استدراك بعض المفسرين حيث قالوا: وكذلك الشر بيد الله، فإنه وهم محض. إن بعض المفسرين قال: والشر أيضاً بيد الله. لمَ هنا خص الله عز وجل فقال: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾؟ فبعض المفسرين ظن أن هناك أمراً في عدم ذكر الشر، فقال: والشر أيضاً بيد الله. لكن هذا خطأ؛ لأنه لو قيل: بيد الله، أي: من أفعال الله عز وجل، والشر ليس من أفعال الله، ولا يضاف إلى الله سبحانه وتعالى، وإنما الشر في أفعال المخلوقين. هذه نقطة مهمة حتى لا يقع الإنسان في الألفاظ الخاطئة. قالوا: كذلك الشر بيد الله، فإنه وهم محض. ملحظهم حيث ظنوا أن تخصيص الخير بالذكر ينافي قضاءه وقدره العام. وجوابه ما فصلناه. قالوا: قوله: وهذا أيضاً مما يدلك على أن القراءة في كتب أهل السنة، سواء كان في التفسير أو في غيره، يعصمك من الزلات العظيمة. لأن هذه الآية قد زل فيها كثير من الناس، وبسبب أنهم توهموا أن الشر أيضاً مما خلقه الله فجعلوه من فعل الله، فقالوا: بيدك الخير أيضاً وبيدك الشر. فهذا خطأ. وليس بيد الله عز وجل، أي: ليس من أفعال الله عز وجل الشر، وإنما هو من مفعولاته التي في المخلوقين. قالوا: قوله: ﴿وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. قالوا: قد ذكر الله في غير هذه الآية الأسباب التي ينال بها رزقه. ﴿تَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. إن هناك من ترزقه بفعل الأسباب، ومن ترزقه بغير فعل الأسباب. لكن فعل الأسباب بعضها معنوية وبعضها حسية. فالمراد هنا: ﴿وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ﴾، أي: من أردت أن ترزقه بغير حساب. لماذا؟ لأنه أتى بالأسباب المعنوية أولاً. فلهذا من الأسباب المعنوية: التقوى والتوكل، وغيرها من هذه الأسباب العظيمة. فإن العبد، فإن الله عز وجل يسر العبد رزقه. والرزق قد يأتي بمعنى الطعام والشراب، معنى الأكل والشرب، وقد يأتي بمعنى عام. يأتي بمعنى عام من ذلك، وهو: كل ما أعطاه الله عز وجل للعبد، سواء كان نقداً، مالاً، معنى نقد وثمن من الذهب والفضة وغيرهما، أو كذلك من العقارات، من البيوت والأراضي، وكذلك أيضاً من كل ما يكون في هذه الحياة من متاعها يسمى الرزق. ولهذا سمى الله عز وجل السكر، سماه رزقاً: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾. سكراً ورزقاً حسناً. يعني: تتخذون من هذا الطعام، أو من هذا الشراب، أو من الثمار هذه التي تخرجونها من هذه المزارع، سكراً، أي: ما يسكر الإنسان، مع أنه حرام، لكنه سماه رزقاً لأنه داخل في الرزق العام. فلهذا الرزق العام يشمل كل شيء أعطي للإنسان وسخر له، أعطي للإنسان وسخر له، وسواء استعمله في الخير أو استعمله في الشر فهو رزق. لكن هناك من الرزق ما هو حرام، هناك من الرزق ما هو حرام، أي: مما أعطي به العبد، فهذا لا يجوز له أن يستعمله وإن أعطي. أنا أحياناً مثلاً بعض الطيبات لكن تستخدم في الحرام، مثل السكر كما قلنا، أصله طيب، أنا من الفواكه، من التمر والعنب وغيرها، يستعمل بعد ذلك يكون خمراً. فلهذا فالرزق له معنى: رزق عام يشمل كل شيء أعطي الإنسان، ورزق خاص وهو المراد به ما أعطي من الحلال، ما أعطي مما أحله الله عز وجل به. وأيضاً هناك ما هو أخص من ذلك، والمراد به بالرزق أيضاً: الطعام والشراب، الطعام والشراب. قال: وقد ذكر الله في غير هذه الآية الأسباب التي ينال بها رزقه، كقوله: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾. وقد ذكر العلماء أسباب الرزق التي جاءت في الكتاب والسنة، وهي كثيرة، لكن أشار المؤلف إلى سببين: إلى التقوى والتوكل، وهما أعظم الأسباب التي فيها تيسير الرزق للعبد. أنه يتقي الله عز وجل، ومن تقوى الله أنه لا يطلب الحرام، أن لا يجعل عمله في الحرام هو رزق يأتي به من حلال أو من حرام. لكن لا يجد له، إذا كان متقياً لله، لا يجد له أن يأتي بهذا الرزق من الحرام. لهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث جابر: «إن روح القدس نفث في روعي أنها لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها». أن الرزق مثل الأجل، حتى تستكمل رزقها وأجلها. «فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، فإنما عند الله لا ينال بمعصية الله». أجملوا في الطلب: أي: حاولوا أن تكون مكاسبكم من الحلال الذي حله الله. قالوا: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾. أن التوكل بأخذ الأسباب، ليس بدون أخذ الأسباب. لأن التوكل بترك الأسباب يعتبر تواكلاً، يعتبر تواكلاً، لا يجوز، وليس من التوكل في شيء. والاعتماد على الأسباب أيضاً شرك، والاعتماد على الأسباب وحدها يعتبر شركاً في الاعتقاد. لكن الواجب هو الأخذ بالأسباب مع عدم اعتمادها، وإنما تفويض أمره إلى الله جل وعلا، وأن الأمر كله بيد الله، الخير والشر. لكن يعمل بالأسباب، مثل التداوي مثلاً، التداوي وهو يعلم أن الشافي هو الله، سواء كان استعمل هذا الدواء أو هذا الدواء، فالذي يشفيه هو الله. فمن الناس من يشفيه الله عز وجل بدواء معين، وآخر يشفيه الله عز وجل بدواء معين، وهكذا. لكن استخدم الأسباب التي جاءت في الشرع، أو في التجربة، التجربة، وأيضاً بالأسباب القدرية، وتدخل فيها الأسباب المجربة التي هي جربت صحيحاً. أما الأسباب المحرمة كإتيان الكهان والعرافين وغيرها فهي محرمة، كذلك التمائم والحروز. قال: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾. فعلى العباد أن لا يطلب الرزق إلا من الله، ويسعى فيه بالأسباب التي يسرها الله، أباحها. لأن الرزق من عنده سبحانه وتعالى، فهو يطلب من عنده. فكتب بهذا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر. شكراً للمشاهدة.