الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 105، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يفسر المقطع أن إمهال الله للكفار ومنحهم النعم في الدنيا ليس محبةً لهم، بل ليزدادوا إثماً وتقوم عليهم الحجة، مستدلاً بالآية والأحاديث التي تؤكد أن الله يمهل الظالم ليبلغه العذر ويرسل الرسل إقامةً للحجة، وأن ذلك من رحمته الواسعة التي تشمل حتى الكافرين لعلهم يتوبون.
يبيّن المقطعان أن إعطاء الله الدنيا للكفار وللمعصين ليس علامة على محبته أو رضاه عنهم، بل هو إمهال واستدراج ليزدادوا إثماً، كما ورد في القرآن والسنة؛ فالدنيا تُعطى لمن يُحب ومن لا يُحب، أما الآخرة فهي للمتقين فقط، ومتاع الكفار قليل ثم مصيرهم جهنم.
يوضح المقطع أن تفاوت العطاء بين الناس هو استدراج وابتلاء من الله لتمحيص الإيمان، ليتيقن المؤمنون وأهل الكتاب ويزداد إيمانهم، ويختتم بالدعاء بالتوفيق والسداد والحمد لله.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله عند قول الله جل وعلا: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [آل عمران: 178]. قال رحمه الله: «ولا يظن الذين كفروا بربهم ونبذوا دينه وحاربوا رسولهم، وأن تركنا إياهم في هذه الحياة الدنيا وعدم استئصالنا لهم وإملاءنا لهم، خير لأنفسهم ومحبة منا لهم. كلا، ليس الأمر كما زعموا، وإنما ذلك لشر يريده الله بهم، وزيادة عذاب وعقوب إلى عذابهم. ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾». «نملي لهم» بمعنى: أن يؤخرهم ويعطيهم في هذه الحياة، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته»، وقرأ قول الله جل وعلا: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: 102]. أخرجه البخاري ومسلم. فربنا جل وعلا يعطي هؤلاء الكفار ويمهلهم، ولا يهمل ربنا جل وعلا، وإنما يمهلهم في هذه الحياة ويعطيهم ما يكون عليهم حجة يوم القيامة، سواء كان يعطيهم من النعم، أو يعطيهم من الوقت والعمر: ﴿أَفَلَمْ نُمَعِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر: 37]. فربنا جل وعلا يحب الإمهال، أو يحب سبحانه وتعالى الإمهال من خلقه، وهو سبحانه وتعالى قادر أن يفعل ما يشاء جل وعلا، لأن الملك ملكه. لكن ربنا جل وعلا يقول: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: 15]. فربنا جل وعلا كما جاء في بعض الأحاديث يحب الإمهال، ولهذا أرسل الرسل، فيحب أن يقيم الحجة ويعطي خلقه ما يقيم عليهم الحجة بعد ذلك، حتى لا يحتجون بعد ذلك. لهذا، مثلا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أعذر الله إلى امرئ أخر الله أجله إلى ستين سنة أو سبعين سنة». «أعذر الله إلى امرئ» بمعنى: قد بلغ معه العذر حتى أنه بلغه إلى هذا السن وهو لا يزال على غيه وطغيانه، لهذا فأعذره، أي أنه أقام عليه الحجة، أقام عليه العذر، فلا عذر له بعد ذلك. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: 165]. فليس كما قلنا أن الأمر كله بيده جل وعلا، والملك ملكه سبحانه وتعالى، إلا أن الله عز وجل يقيم الحجة على عباده، ويملي لهم ويعطيهم ويمهلهم، لعلهم يراجعون أنفسهم، لعلهم أيضًا كذلك يتوبون ويأوبون، وهذا من رحمة الله عز وجل وفضله. فرحمته سبحانه وتعالى وسعت كل شيء، حتى الكفار، فيعطيهم الله عز وجل ويرزقهم، وهم يدعون له الولد، وكذلك يشركون به غيره. لكن الله عز وجل كريم سبحانه وتعالى، يعطيهم ويرزقهم، وأيضًا كذلك يمهلهم في هذه الحياة. لكن لا يظن، أو لا يظن هؤلاء، أن إمهال الله عز وجل لهم وأيضًا رزقهم في هذه الحياة أنه يحبهم أو أنه راضٍ عنهم. فقال الله عز وجل: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنفُسِهِمْ﴾. فليس هذا لهم خيرًا، وإن ظنوا ذلك الآن. بعض الماديين تجدهم يقولون: مثلا هؤلاء الكفار عندهم الدنيا، وعندهم الأموال، وعندهم الأخلاق. حتى بعضهم يقول: عندهم الأخلاق، مع أنهم لا أخلاق لهم. لكن يظن أن هذا الذي يفعلونه في بعض التعاملات يظن أنه من حسن الأخلاق، وهم قد هتكوا الأستار، فأي خلق بعد هتك الأستار؟ لهذا فتجد بعضهم يقول: هذا يقول عندهم كذا، وعندهم كذا. الله عز وجل أعطاهم من الدنيا، وهذا ليس معناه أنه يحبهم، بل كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا رأيت الله عز وجل يعطي العبد وهو مقيم على معاصيه، فاعلم إنما هو استدراج». ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف: 182-183]. إن يعطيهم الله عز وجل، يملي لهم، واستدرجهم من حيث لا يعلمون. لهذا فربنا جل وعلا قد يعطي حتى العبد المسلم، يعطيه الله عز وجل وهو مقيم على معاصيه، وهو أيضًا لا يتوب ولا يرجع ولا يستغفر، والله عز وجل يعطيه. فليس ذلك محبة له. فإن الله عز وجل يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الآخرة إلا من يحب. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الزخرف: 33] أي في الكفر. قال الله عز وجل: ﴿وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفًا ۚ وَإِن كُلُّ ذَٰلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَالْآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: 33-35]. فالآخرة جعل الله عز وجل لأهل التقوى، وأما الدنيا فيعطيها من يحب ومن لا يحب. بل أن الله عز وجل قال لنبيه الكريم صلى الله عليه وسلم، كما سيأتي في الآيات: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ﴾ [آل عمران: 196]. «لا يغرّنك تقلب الذين كفروا في البلاد»، أي: لا تغتر بما معهم من النعم، وما معهم من الأموال، وما معهم من الجاه وغير ذلك. لا تغتر بذلك. «لا يغرّنك تقلب الذين تقلبهم» أي في النعم. ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [آل عمران: 196-197]. هذه الدنيا فقط متعة، يمتعهم الله عز وجل في هذه الدنيا متاعًا قليلًا، ثم مأواهم جهنم وبئس المصير. لهذا ربنا جل وعلا يعطي الكفار من هذه الدنيا ويملي لهم، لكن جل وعلا قال: ﴿أُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف: 183]. فربنا جل وعلا يعطيهم، لكن يأخذهم أخذ عزيز مقتدر. وأيضًا وإن أعطاهم في هذه الدنيا فهو يمنع عنهم الآخرة، وهي الحيوان، لو كانوا يعلمون، أي الحياة الحقيقية. وقال جل وعلا: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ [آل عمران: 178]. وهذا من كيد الله عز وجل لهم، وبسبب كفرهم وعنادهم. ف الله عز وجل يملي لهم لأجل أن يزدادوا إثما، ويعطيهم من هذه الدنيا، ويبقيهم في هذه الدنيا، وكل ذلك حتى يزدادوا إثما على إثمهم. قال: «فالله تعالى يملي للظالم حتى يزداد طغيانه، وتترادف كفرانه، وهذا بسبب كفره وعناده، وإلا لو رجع إلى الله وتاب، تاب الله عز وجل عليه، بل بدل الله عز وجل سيئاتهم حسنات». قال: «وتترادف كفرانه، حتى إذا أخذه، أخذه أخذ عزيز مقتدر». فليحذر الظالمون من الإمهال، كما قال ربنا جل وعلا. فربنا جل وعلا بيّن أن الظلم عاقبته وخيمة، وأنه له عاقبة، والظلم ظلمات يوم القيامة. قال: «فليحذر الظالمون من الإمهال، ولا يظن أن يفوت الكبير المتعال». وكما قال ربنا جل وعلا: ﴿ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: 227]. فالظلم عاقبته وخيمة، وإذا أمهل الله عز وجل العبد وهو على ظلمه قائم، لا يظن أن هذا محبة من الله، ولو أعطاه المال، ولو أعطاه الجاه. لهذا قال الله عز وجل في سورة الفجر: فربنا جل وعلا قال: ﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ [الفجر: 15-16]. «أما إذا ما ابتلاه» بمعنى: ابتلاه للدنيا بالفقر، فيقول: «رب أهانني». «وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه»، بمعنى: رزقه كان قليلًا، فقدر عليه رزقه، فيقول: «ربي أهانني». لا، ذاك ولا هذا. ليس الذي يعطيه الله عز وجل المال ويصرف عنه البلاء أنه يحبه وأنه يكرمه في هذه الحياة. «فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه»، بمعنى: أعطاه من هذه النعم، فيقول: «ربي أكرمني»، بمعنى: ربي يحبني، ربي كذا من هذا. وإذا ما أعطاه شيئًا يقول: «ربي أهانني في هذه الدنيا، وجعلني ضعيفًا، وجعل لي الهوان» وكذا. فقال الله عز وجل: ﴿كَلَّا﴾ [الفجر: 17]. ليس هذا ولا هذا. لا يعطي الله عز وجل الدنيا لأنه يحب من يعطيه، ولا أنه يمنعها عمن لا يحبه. بل الدنيا يعطيها من يحب ومن لا يحب. وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لو أن الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة، ما شرب منها كافر شربة ماء». لكن هانت على الله، هانت على الله هذه الدنيا، فأعطاها للكفار. ولولا أن الناس سيكفرون جميعًا، لأعطى الكفار الدنيا، وجعل المسلمين للفقر. لكن الله عز وجل قسم أرزاقه، قسم للكفار أرزاقهم، وكذلك قسم لأهل الإسلام أيضًا أرزاقهم. يعطي هؤلاء ويعطي هؤلاء، وإن أعطى أولئك أكثر، فإنما هو استدراج من عنده جل وعلا، وابتلاء لأهل الإيمان، ليستيقن الذين آمنوا، ليستيقن الذين أوتوا الكتاب، ويزداد الذين آمنوا إيمانًا، أي بهذا الابتلاء العظيم الذي يبتليهم الله عز وجل به. فنسأل الله عز وجل التوفيق والسداد والإعانة. الحمد لله رب العالمين.