تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 118

تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 118

الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 118، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

فضل ذكر الله وأحواله وصفات الذاكرين

يشرح المقطع فضيلة ذكر الله في جميع الأحوال قياماً وقعوداً وعلى الجنب كما ورد في آية آل عمران، مبيناً أن أكمل الذكر ما وافق فيه اللسان القلب مع استحضار العظمة والخوف من الله. وتستعرض الأحاديث النبوية أن الذكر أفضل العبادات وأسهلها، وأن المواظبة عليه من علامات أهل الإيمان وأولي الألباب.

أحكام القيام والقعود والاضطجاع في الصلاة والفرق بين الفرض والنفل

يبيّن المقطع أن القيام في الصلاة ركن واجب عند القدرة في الفريضة، ومن صلى جالساً مع قدرته على القيام بطلت صلاته، بينما يجوز القعود في النفل بنصف أجر القائم. ويرتّب الشارع المواضع حسب حال المكلف: القائم أفضل، ثم القاعد، ثم المضطجع، مع مراعاة العذر والمشقة، والأجر على قدر النصب.

التفكر في خلق السماوات والأرض ودلالاته على التوحيد والتعظيم والدعاء

يبيّن المقطع أن التفكر في خلق السماوات والأرض من أعظم صفات أهل الإيمان وعباداتهم، إذ يستدلون به على عظمة الله وتوحيده وقدرته على البعث. ويشرح معنى دعاء المؤمنين: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾، موضحاً أن التسبيح تنزيه لله عن الشريك والنقص، وأن الاستعاذة من النار تنبع من الخوف القلبي وتتضمن سؤال الجنة.

خاتمة تفسير الآية

يختتم المفسر حديثه بالإشارة إلى أن ما ذُكر يُعد خلاصة لتفسير الآية، مكتفياً بذلك ومفوضاً العلم لله تعالى. ويختتم بالحمد لله رب العالمين.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فقال الإمام العلامة السعدي رحمه الله: أن قول الله جل وعلا: ﴿ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾. قال رحمه الله: ثم وصف أولي الألباب بعدما ذكر أنها آيات لأولي الألباب، قال: فوصف أولي الألباب بأنهم يذكرون الله، أي في جميع أحوالهم. عن أن هذه الصفة من صفات أهل الإيمان، ومن صفات أهل القلوب التي لبت إلى الله ولبت نداءه، فهم يذكرون الله. هذه الصفة العظيمة تمثلوا بها يكونون من الذاكرين الله عز وجل على كل أحواله وفي جميع أحواله. فهذه الصفة العظيمة التي ذكرها الله عز وجل في أكثر من آية، وكذلك نبينا عليه الصلاة والسلام. ولما ذكر الله عز وجل صفات أهل الإيمان في آخرها قال: ﴿ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴾. وكذلك النبي عليه الصلاة والسلام، كما جاء في صحيح مسلم: لما مر من عندي أحد أو جبل جمدان، قال: «هذا جمدان، سبق المفردون، سبق المفردون». قالوا: ومن المفردون يا رسول الله؟ قال: «الذاكرون الله كثيرا والذاكرات، الذاكرون الله كثيرا والذاكرات». فهي صفة من صفات أهل الإيمان الذين طمأنت قلوبهم لذكر الله، وصار لهم ذكر الله مثل العادة، فيذكرون الله في جميع أحوالهم. وهذا الذكر هو من أعظم العبادات وأجلها وأسهلها، أسهل عبادة وأعظم عبادة. في حديث أبي الدرداء قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا أدلكم على ما هو خير لكم من الصلاة والصيام والصدقة، خير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم وتضربوا أعناقكم، خير لكم من إيتاق الذهب والورق؟» قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «ذكر الله، ذكر الله». فذكر الله عظيم، ومن وفقه الله عز وجل إلى ذكره سبحانه وتعالى كان هذا توفيقا من الله جل وعلا. وفي الحديث قال سفيان: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا أبدا. قال: «لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله، لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله». أي من كثرة ذكره جل وعلا حتى تتعود اللسان على الذكر في كل الأحوال، في قيامه، في قعوده، في اضطجاعه. قال رحمه الله: ﴿ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ ﴾. قال: وهذا يشمل جميع أنواع الذكر بالقول والقلب، ويدخل في ذلك الصلاة قائما، ويدخل في ذلك الصلاة قائما، فإن لم يستطع فقاعدا، فإن لم يستطع فعلى جنب. فيقول المؤلف رحمه الله في تفسير هذه الآية: ﴿ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ ﴾، قال: هذا يشمل جميع أنواع الذكر بالقول والقلب، لأن الذكر الصحيح والذكر الذي يكون أجره أعظم أن يتواطأ القلب مع اللسان، يتواطأ القلب مع اللسان. فأما الذكر المجرد بدون استحضار القلب، وإن كان الإنسان يؤجر عليه، المسلم يؤجر على الذكر، لكنه لا يستفيد من هذا الذكر ولا ينتفع بهذا الذكر لأن قلبه مشغول، فتجده يذكر الله وهو مشغول عن الذكر. لكن من ذكر الله عز وجل بقلبه، باستحضار قلبه وبلسانه، فإنه من أكمل الحالات، كما قال الإمام ابن القيم رحمة الله عليه. فلهذا أكمل الحالات أن يتواطأ اللسان مع القلب في ذكر الله جل وعلا، فيذكر الله العبد بلسانه وكذلك مع حضور قلبه. وأيضا قد يكون الذكر بالقلب، قد يكون الذكر بالقلب وهذا إما المراد به معناه يذكر الله عز وجل فيتفكر بقلبه، فالتفكر يعتبر أيضا ذكرا وهو ذكر القلب. وكذلك أيضا ذكر القلب أيضا عند استحضاره عظمة الله جل وعلا والخوف من الله، كما قال الله عز وجل: ﴿ وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ ﴾. فذكروا الله هنا أي تذكروه بقلوبهم وخافوا الله وعظموه، فهذا أيضا ذكر يعتبر ذكرا لله جل وعلا، بل هو من أعظم الذكر. لكن كما قلنا أفضل الأحوال أن يتواطأ اللسان مع القلب، فيذكر الله بلسانه مع استحضار قلبه. ويكون أيضا الذكر باللسان، ويكون الذكر باللسان دون القلب، لكن كما قلنا وإن كان يؤجر عليه الإنسان، والمسلم يؤجر عليه، لكن نفعه قليل، نفعه بالنسبة إلى قلب العبد وإيمانه يكون قليل. فأفضل الأحوال أن يكون الذكر بالقلب وباللسان. قال: ويدخل في ذلك الصلاة قائما، فإن لم يستطع فقاعدا، فإن لم يستطع فعلى جنب. يقول بعض العلماء كما ذكر النووي رحمه الله عن الغزالي في ذكر عشرة أمور استحبت في تلاوة القرآن وكذلك في الذكر، أن الأفضل أفضل الذكر وأفضل التلاوة أن يكون قائما. قالوا: لأن الله عز وجل قدم القيام، قدم القيام ثم القعود ثم الاضطجاع، فيذكر الله عز وجل، يذكر الله العبد قائما وقاعدا وعلى جنبه. فهذه الأحوال أفضلها القيام، ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام فضل الصلاة التي يكون فيها طول القيام أو طول القنوت، والمراد به طول القيام. كلما كانت الصلاة صلاة الليل أطول كانت أطول في القيام والقراءة كانت أفضل، كانت أفضل. ولهذا كان السلف يحرصون على كثرة القيام، كان النبي عليه الصلاة والسلام يقوم حتى تتفطر قدمه عليه الصلاة والسلام، كما جاء في الصحيحين في حديث عائشة والمغيرة بن شعبة. فقالت عائشة للنبي عليه الصلاة والسلام: يا رسول الله، لما تفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: «أفلا أكون عبدا شكورا؟». فلهذا كان السلف يحرصون على كثرة القيام، وخاصة في صلاة الليل لأنه أفضل، حتى أن بعضهم كان يقوم الليل أو يقوم بالقرآن كله في قيامه، كما كان يفعل أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه. ذكر الظاهري الأسود أنه مرة كان في الحرم، قال: كنت أصلي عند المقام، قال: فكنت أصلي فما انتبهني إلا رجل يشير إلي أو مسني أن أتأخر قليلا، فتأخرت. فلما انتهيت من الصلاة نظرت إليه فإذا هو عثمان بن عفان، قال: فاستفتح القرآن، أي من سورة البقرة، ثم قرأ، قال: حتى سمعته ختم القرآن وهو في ركعة واحدة، قال: ثم سجد ثم سلم ثم خرج، وكان قبل الفجر. فيدل على أن السلف كانوا يحرصون على كثرة القيام، على كثرة القيام لأنه أفضل. فلهذا فالقيام في الصلاة أو في ذكر الله عز وجل أفضل من القعود، والقعود أفضل من أن يذكر الله عز وجل على جنبه. ولهذا لما ذكر الله عز وجل المرض ذكر أولا المضطجع ثم القاعد ثم القائم، أو ذكرهما على سبيل التخير، فقال جل وعلا: ﴿ وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا ﴾. أنا ذكر أولا أنه يدعو على جنب لأن المريض غالبا يكون مطرح الفراش، فلهذا ذكر الله عز وجل ذكر المريض له سبحانه وتعالى، فذكر أولا على الاضطجاع، فقال: ﴿ وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ ﴾، دعا ربه، دعا الله عز وجل وذكر الله سبحانه وتعالى وهو على جنبه مضطجعا أو قاعدا أو قائما. فقدم في المرض المضطجع، وفي غير حالة المرض قدم القائم: ﴿ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ ﴾. قال: ويدخل في ذلك الصلاة قائما، فإن لم يستطع فقاعدا، فإن لم يستطع فعلى جنب. فمعلوم أن الصلاة، صلاة الفريضة، لابد أن يكون العبد قائما إذا كان يستطيع القيام، أي عند القدرة. فلهذا اتفق العلماء وأجمعوا على أن القيام عند القدرة ركن من أركان الصلاة، ومنهم من يجعله شرطا من شروط الصلاة، ركن من أركان الصلاة، فلا تصح الصلاة لمن يستطيع القيام إلا بالقيام. فإن كان يستطيع القيام وجلس في الفريضة فصلاة غير صحيحة. ولهذا يحذر، يحذر الذين يصلون مثلا على الكراسي، بعضهم مثلا يستطيع القيام، يستطيع أن يقوم بدون مشقة، بدون أيضا ضرر على أعضائه، لكن تجد مثلا أنه مثلا يشتكي من رجله أو يشتكي من شيء فيجلس، فيظن أن هذا الجلوس جائز له، فهذا خطأ، بل لا بد أن يصلي قائما. إذا لم يستطع صلى قاعدا. ولهذا لما كانت البواسير بعمران بن حسين، أصابته البواسير، فجاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام يسأله كيف يفعل في الصلاة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب». أنا لابد التدرج، إن استطاع القيام صلى قائما، وإن لم يستطع القيام صلى جالسا، فإن لم يستطع الجلوس صلى مضطجعا. كذلك إذا كان يستطيع أن يجلس ثم يصلي وهو مضطجع لأنه مريض مثلا، فهذا أيضا خطأ، وتكون صلاة غير صحيحة إذا كان يستطيع القيام بدون مشقة فيصلي وهو جالس، فهذا لابد منه. فذكر الله عز وجل في الصلاة يدخل فيه هذه الأشياء. وأما في النفل فيجوز الإنسان أن يجلس، أما في النفل يجوز الإنسان أن يجلس، فقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يصلي ليلا طويلا قائما وليلا طويلا جالسا. وأيضا جاء في حديث عائشة عند أحمد والنسائي وأبي داود أنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يسبح، يسبح النافلة، أو قال: كان يسبح النافلة وهو جالس. فيجوز، يجوز الإنسان للمسلم أن يجلس في النافلة. ولهذا أكثر أهل العلم حملوا قول النبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين: «صلاة الجالس نصف صلاة القائم»، وجاء في رواية: «صلاة القائم ضعف صلاة الجالس، وصلاة الجالس ضعف صلاة المضطجع»، وجاء في لفظ: «صلاة المضطجع نصف صلاة القاعد، وصلاة القاعد نصف صلاة القائم». فحمله العلماء أو كثير من أهل العلم على النافلة، لأن هذا في النافلة. وحمله بعض العلماء كما ذكر الخطابي وأيده الحافظ ابن حجر على المريض الذي يشق عليه القيام، يستطيع لكن بمشقة شديدة، يستطيع أن يقوم لكن بمشقة شديدة، فإن جلس فإن قام تحصل على ضعف أجر الجالس، فإن قام وتحامل على نفسه يتحصل على ضعف أجر القاعد. وهذا الضعف، أو هذا الضعف أجر الجالس، ليس أنه أنقص من الصحيح الذي يصلي قائما، وإنما نفسه لأنه جلس لأجل المرض فهو معذور، لكن إن قام أعطي أجرا زائدا بسبب أنه أولا صلى قائما، وأيضا تحامل على نفسه لأجل العبادة، تحامل على نفسه لأجل العبادة. وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما أجركم على قدر نصبكم»، إنما أجركم على قدر نصبكم. فلهذا فالأجر على قدر النصب، المشقة إذا كان مشروعا. فلهذا فذكر الله عز وجل هنا يكون أيضا في الصلاة. قال: وأنهم، أي من صفاتهم العظيمة، من صفات أهل الإيمان، وأنهم يتفكرون في خلق السماوات والأرض، أي ليستدلوا بها على المعبود منها. ودل هذا على أن التفكر عبادة من صفات أولياء الله العارفين. فإذا تفكروا بها عرفوا أن الله لم يخلقه عبثا. فالتفكر كما ذكرنا في الدرس الذي مضى أنه من أفضل العبادات ومن أعظم العبادات، وتفكر من صفات أولياء الله الذين عرفوا الله عز وجل، فيستدلون بهذه المخلوقات العظيمة والتفكر فيها بعظمة الله جل وعلا وتوحيده. وأيضا كذلك استدلوا بعظيم خلقه جل وعلا وأنه قادر على كل شيء، ومن ذلك أنه قادر على أن يحيي الموتى. فلهذا تجد في القرآن أن الله عز وجل يستدل بمثل هذه المخلوقات العظيمة في خلق السماوات والأرض وغيرها، يستدل بها على البعث، لأنه ما دام أنه خلق مثل هذه المخلوقات العجيبة العظيمة فهو قادر على أن يخلق هذا العبد الضعيف الذي هو أو يعيده بعد أن خلقه وبعد أن أنشأه قبله. فلهذا قال الله عز وجل في رد على بعض المشركين الذين أنكروا البعث: ﴿ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ﴾، قال الله عز وجل: ﴿ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ﴾. فلهذا فربنا جل وعلا ذكر من صفات أهل الإيمان وأوليائه الأصفياء أنهم يتفكرون في خلق السماوات والأرض، وهذا التفكر يستدلون به على عظمة الله جل وعلا وعلى توحيده سبحانه وتعالى. ولهذا قالوا: ﴿ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا ﴾، ﴿ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا ﴾، أي ليس عبثا وليس هكذا، بل خلقه جل وعلا لحكمة عظيمة ودلالة عظيمة. ﴿ لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ ﴾. فيقولون: ﴿ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ ﴾، أي عن كل ما لا يليق بجلالك، بالحق وللحق، بل خلقتها مشتملة على الحق. فهنا يقول: أن أهل الإيمان وأهل أولياء الله عز وجل الذين اصطفاهم الله عز وجل إذا تفكروا في مخلوقات الله عظموا الله جل وعلا: ﴿ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ ﴾، أن يكون لك شريك. وهنا ﴿ سُبْحَانَكَ ﴾ أضافها بالكاف، وهذا ليدل على تنزيه جل وعلا من أن يكون معه غيره في مثل هذه الأشياء، وكذلك أن يعبد غيره، أن يعبد غيره، فهو تنزيه لله جل وعلا، كما قال المؤلف: عن كل ما لا يليق به جل وعلا، بالحق وللحق، بل خلقتها مشتملة على الحق. فليس هناك شيء باطل، بل خلق الله عز وجل ليدل الناس على أنه الحق سبحانه وتعالى، ويدلهم إلى الحق. وكذلك أيضا خلقها مشتملة على الحق. فلهذا فأهل الإيمان يستدلون بهذه المخلوقات العظيمة على عظمة الله جل وعلا وتوحيده. فقال جل وعلا في قوله: ﴿ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾. و﴿ سُبْحَانَكَ ﴾ أي تنزيه التسبيح، تنزيه الله عز وجل عن العيوب، ومن أعظم العيوب التي نزه الله عز وجل عنها أن يكون له شريك، أن يكون له شريك، سبحانه وتعالى تعالى. فلهذا فعندما يقول: ﴿ سُبْحَانَكَ ﴾، أي ينزهون الله عز وجل عن كل نقص وعيب، عن كل نقص وعيب، ومن أعظم النقص والعيب أن يتخذ مع الله عز وجل شريكا في عبادته، سبحانه وتعالى. فقال جل وعلا على لسان هؤلاء: ﴿ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾، أي بأن تعصمنا من السيئات وتوفقنا للأعمال الصالحات لننال بذلك النجاح من النار، ويتضمن ذلك سؤال الجنة، لأنهم إذا وقاهم الله عذاب النار حصلت لهم الجنة. ولكن لما قام الخوف بقلوبهم دعوا الله بأهم الأمور عندهم، فقالوا: ﴿ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾. بعد تعظيمهم لله جل وعلا وتوحيده دعوا الله عز وجل أن يقيهم عذاب النار ويدخلهم الجنة. معنى مفهوم الكلام أن يقيهم عذاب النار ويدخلهم جنته سبحانه وتعالى. فلهذا العبد يسأل الله عز وجل الجنة ويستعيذ به من النار، وكما قال النبي عليه الصلاة وال السلام لذاك الشاب الذي خرج من الصلاة، لما كان معاذ يصلي، فقال: ما تقول؟ قال: أقرأ الفاتحة وأسأل الله الجنة وأعوذ به من النار، ولا أعرف دندنتك ودندنة معاذ. أنا آتي بكلام ما أفهمه، لكن أنا أقول هذا، لا أعرف دندنتك ودندنة معاذ. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «حولها ندند، حولها ندند». معنى: حول هذه الأشياء التي تذكرها هو كلامنا ودندنتنا. فلهذا قال هنا: ﴿ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾، فسأل الله عز وجل للخوف العظيم الذي في قلوبهم. ولهذا فإن التفكر في مخلوقات الله عز وجل يقود إلى تعظيم الله عز وجل والخوف منه والخوف من عذابه سبحانه وتعالى. فلهذا قالوا: ﴿ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾. فقال المؤلف رحمه الله: فقال: ويتضمن ذلك سؤال الجنة، لأنهم إذا وقاهم الله عذاب النار حصلت لهم الجنة. ولكن لما قام الخوف بقلوبهم دعوا بالله، أو دعوا الله بأهم الأمور عندهم، أي أنه لا يعذبهم الله جل وعلا، فإذا لم يعذبهم أنعم الله جل وعلا. فهذا خلاصة ما يذكر في تفسير هذه الآية، فنكتفي بذلك، والله تعالى أعلم وأحكم. الحمد لله رب العالمين.