الدرس في القواعد والأصول الجامعة 51، الدرس الحادي والخمسون : من : ( القاعدة السادسة والعشرون ... إذا ادعى الأمين دعوة تخالف الحس والعادة فيرد قوله ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تناول الشيخ شرح قاعدة قبول قول الأمناء في التصرفات أو التلف ما لم يخالف العادة، مع توضيح شروط قبول قولهم.
يتناول المقطع مسألة التصرف في الأمانات وحدود الجواز فيها، مشيرًا إلى أن الأصل هو الجواز ما لم يرد دليل شرعي يمنعه.
يشرح المقطع قاعدة فقهية تتعلق بمسؤولية الأمين عن التلف بدون تعد أو تفريط، ويبين كيفية التعامل مع الدعاوى التي تتعارض مع الحس والعادة.
يشير المقطع إلى أدلة شرعية متعددة تدعم القواعد الفقهية المذكورة، مثل أحاديث نبوية وآيات قرآنية.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: عبد الرحمن بن ناصر السعدي، رحمه الله تعالى، قال: القاعدة السادسة والعشرون، قال: «يقبل قول الأمناء بالتصرفات أو التلف ما لم يخالف العادة». وهذه القاعدة مر معناها القاعدة الرابعة عشر، بقوله: «التلف في يد الأمين غير مضمون إذا لم يتعد أو يفرد». وتلك القاعدة مر الكلام عليها، ووجه مناسبتها. وهنا لما ذكر رحمه الله تعالى مسائل السرق إلى المباح والتزاحم، وكذلك قبل ذلك الصلح وما كان معه من أمره الأمانات والتصرفات، ناسب أن يذكر رحمه الله تعالى تصرفات الأمناء. ومعنى تصرفات الأمناء: أي من استؤمن أمانة أو وكل في عمل، فتصرف تصرفا ليس فيه تعد ولا تفريط، لا في الشرع ولا في العادة، فإنه لا ينكر عليه، ولا يؤاخذ على ذلك. قال: «هذه قاعدة نافعة تحل الاختلافات الواقعة بين الأمناء والملاك في متعلقات الأمانة التي تحت أيديهم وتصرفهم». فإذا اختلفوا بتصرف أو صفة ذلك التصرف أو تلف، فالقول قول الأمناء. قال: «لأن أرباب الأموال اعتمنوهم ونزلوهم منزلة أنفسهم». ومقتضى هذا الاعتماد قبول قولهم، إلا إذا ادعى الأمين دعوى تخالف الحس والعادة، فيرد قوله. فخلص بهذا أن تصرف الأمين أو تصرف الأمناء عموما تنقسم إلى قسمين: تصرفات ليس فيها تعد ولا تفريط، لا شرعا ولا عادة، فهذا ينبغي أن يقروا عليها، والقول قولهم. وتصرفات فيها معنى التعدي والتفريط شرعا وعادة، فإنه ينبغي أن يدفع ما تلف. ثم ذكر هنا ثلاثة تصرفات أو ثلاثة أحوال، قال: إذا اختلفوا -أي المالك وهذا الرجل الذي استؤمن- أمامة عنده من إبل المالك. قال: إذا اختلفوا في تصرف أو صفة ذلك التصرف أو تلف. مثال اختلاف التصرف: مثلا جاء رجل فأعطى آخر مالا أمانة، فتصرف هذا في هذا المال، لأن وضعه في حرزه، فسرقه أو أخذ بعضه. فنشير عليه بما سبق من الأدلة في هذا الباب: «ما على المحسنين من سبيل»، هو حفظه في حرزه، في حرزه مع حرزه على حفظه. أو كذلك لو أنه تصرف ليس بالحفظ بشيء آخر من الإعطاء، مثلا جرت العادة أن من وكل على عمل وعلى مال أنه له التصرف اليسير فيه. مثلا أن تعامل في بقالة، جاء مسكين يريد صدقة، أعطيته عشر ريالات صدقة عليه من أصل المال. هذا لا يوجد دليل في الشرع ولا في العادة والعرف يبطضي أن هذا اعتداء على مال صاحب المال. هذا التصرف اليسير، بل دل دليل الشرع على جواز إخراج مثل هذا الشيء اليسير. ودليل ما جاء في البخاري بحديث أبي هريرة في قصة إبليس الشيطان حين جاء إلى النبي، إلى أبي هريرة في صورة فقير جاء يسرق، فلما أراد أبو هريرة رضي الله عنه أن يقبضه ويأخذه إلى النبي عليه الصلاة والسلام، ادعى أنه صاحب عيال ونحو ذلك، فعفا عنه. فدل أن مثل هذا مما يحصل به التسامح في الشرع، وكذلك في العرف كذلك. قال: «أو صفة ذلك التصرف». صفة ذلك التصرف، مثلا تصرف تصرف في الأصل لا يمنع، لكن على هذه الكيفية. إذا اختلفوا بالكيفية، فكذلك إذا لم يأت دليل من الشرع يمنع، وكان العرف يقضي بجوازه، فالأصل هو الجواز: «ما على المحسنين من سبيل». وكما قال المؤلف رحمه الله: «لأن أرباب الأموال اعتمدوهم ونزلوهم منزلة أنفسهم»، حين وضعوا عندهم هذه الأموال ووكلوهم عليها. فمثاله: مثلا قد يقول قائل: أنا تصدقت بالتصرف بالصدقة اليسيرة، لكن ما أردت أن تصدق على مثل هذا الإنسان. فيقول: هذا شيء خاص يحتاج منك إلى تنبيه. يحتاج منك إلى تنبيه. أنا عندي الأصل أنني أتصدق، ولا أدري أنك لا تريد أن تتصدق على أمثال هؤلاء. وهذا شيء على خلاف الشرع والعرف، إذن يحتاج إلى تنبيه خاص. فمن بعد التنبيه يلام، وما قبل التنبيه لا يلام. كذلك إذا حصل التلف وهو بغير تعد ولا تفريط، فلا شيء عليه. وأما كما قال رحمه الله: «إذا ادعى الأمين دعوى تخالف الحس والعادة فيرد قوله». تخالف الحس والعادة يرد قوله. يأتي إنسان يضع عند آخر أمانة أو يرسل معه رسالة، فيقول له: أنا نمت البارحة والفأر أكل المال. كيف الفأر أكل المال؟ هذا خلاف الحس والعادة. يقول: إيش أعمل؟ الفأر أكل المال، صفحت إلى المال قد أكل، أكله الفأر. وهذا وقع لبعض الإخوان، ورسلت مع أحد الإخوة أمانة مال، ما هذه خمسين ألف وأربعين ألف، مسكين منتظر للزواج، فأصبح ثاني يوم قال: أتى لها الفأر، خلاص أهلكني الله من هذا الفأر. فهذا إذا خرج عن الحس والعادة لا يقبل، لا تقبل مثل هذه الدعوى، ويطالب ببينة أن المال هذا قد ضاع، أو شهود يشهد له على ذلك. فالحاصل: هذه القاعدة في الحقيقة تدخل في القاعدة السابقة التي مرت معنا: «التلف في يد الأمين غير مضمون إذا لم يتعد ويفرط». والتلف في يد الظالم مضمون. والتلف في يد الظالم مضمون. لكن هذه فيها بيان ما يرجع إلى العادة والعرف والحس، وأن ذلك ينظر له باعتبار. فإنه قد يكون شيء ليس هناك ما يدل على بطلانه بالشرع، لكن يدل على ذلك بالعرف، ويرجع إلى العرف. والأدلة القاضية بهذه القاعدة قد مرت معنا، وهي كثيرة، مثل كما مر معنا حديث أبي هريرة، والمذكور كذلك عموم الآية، وحديث عروة البارقي في تصرفه بالشاه من بيع وشراء، وغيرها من الأحاديث التي بهذا المعنى.