الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 101، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يفسر العلامة السعدي آية ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ﴾ مؤكداً أن الطاعة الحقيقية يجب أن تكون ظاهرة وباطنة في الحضرة والمغيب. ويحذر من حال من يظهر الطاعة أمام الناس ثم ينتهك محارم الله في الخلوة مشبهاً إياهم بالمنافقين مستدلاً بحديث ثوبان.
يبيّن المقطع أن العمل الذي يقصد به وجه الله مع قصور في الإخلاص لا يمنع صاحبه من الوقوع في المنكرات في الخلوات. كما يحذر من أن أعمال المرائين تذهب بلذة الطاعة وتورث الخسران العظيم وإن لم يفضحهم الله في الدنيا.
يحذر المقطع من الاغترار بالطاعات الظاهرة مع الإصرار على المعاصي مبيناً أن المعاصي تسلب حلاوة العبادة وتورث قسوة القلب. ويؤكد وجوب تجنب مصاحبة من يظهر الطاعة ويخفي السوء والأمر بالإعراض عنهم والتوكل على الله.
تأمر الآية بالإعراض عن المعاندين والاعتماد الكامل على الله في كل الشؤون لأن النفع والضر والرفعة والخفض بيده وحده. ويؤكد أن الله كافٍ وكيلاً للمؤمنين يحفظ دعوتهم وينصرهم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى عند قول الله جل وعلا: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾. قال رحمه الله: ولابد أن تكون طاعة الله ورسوله ظاهرا وباطنا في الحضرة والمغيب. فأما من يظهر في الحضرة الطاعة والالتزام، أي في حضرة الناس، فإذا خلا بنفسه أو بأبناء جنسه ترك الطاعة وأقبل على ضدها، فإن الطاعة التي أظهر غير نافعة ولا مفيدة، وقد أشبه من قال الله فيهم: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾. قال: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ﴾، معناها: أننا سنطيع، أن يظهرون الطاعة إذا كانوا عندك. ﴿فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِندِكَ﴾ أي: خرجوا من عند النبي عليه الصلاة والسلام، وخلوا في حالة لا يطلع فيها عليهم، إما بأنفسهم وإما بمن يكون مثلهم. ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾، قال: دليل على أن الأمر الذي استقروا عليه غير الطاعة، لأن التبييت تدبير الأمر ليلاً على وجه يستقر عليه الرأي. ثم توعدهم على ما فعلوا. وهذا، وإن كان هذا الكلام ينطبق على المنافقين، لكن أيضا من فعل فعلهم وشابههم فقد شابههم في صفاتهم، وإن لم يكن من المنافقين، لكن فعل فعلهم. وهذا الذي يظهر للناس أنه على طاعة وأنه مطيع، فإذا خلا لنفسه، أو خلا بمن يكون معه من جنسه، ممن يفعل معه المعاصي، فلا رقيب ولا حسيب. وهذا مثل ما ذكر النبي عليه الصلاة والسلام في حديث ثوبان: «ليأتين أقوام من أمتي يوم القيامة بأعمال كجبال تهامة بيضا، فيجعلها الله هباء منثورا». قالوا: يا رسول الله، صفهم لنا، جلهم لنا، ألا نكون منهم؟ قال: «هم قوم من جلدتنا، يصلون كما تصلون، ويصومون كما تصومون، ويأخذون من الليل كما تأخذون، لا يقومون الليل، ولكنهم أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها». إذا كان مع أصحابه الذين يفعل معهم المعاصي لا يبالي، بل يكون أكثرهم فعلا للمعاصي، أو أنه إذا خلا بنفسه ذهبت المراقبة، كأنه لم يعتقد مراقبة الله له، وكأنه يراقب الناس فقط، فيصلي عند حضور الناس، ويصوم كذلك، بل يقوم الليل، قد يكون عند حضور الناس أيضا، يعني حتى يري أهله أنه من أهل الطاعة، أو يكون مثلا في المسجد. لكن إذا خلا بمحارم الله لا يكون فيه وازع يدعوه إلى ترك هذه المخالفات، بل يفتح الذي يريد، يريد، مثل ما يحصل من كثير من الشباب ومن غيرهم في هذه الجوالات، تجد إذا خلا بنفسه، أو خلا بأصحابه الذين يكونون معهم، يفتحون ما هب ودب، ما يكون فيه حتى الإباحة، والعياذ بالله، يفتحون كل شيء، حتى ما يكون فيه الزنا واللواط وغير ذلك، ولا يبالون، وكأنهم ليسوا أولئك الذين كانوا يصلون، وأيضا يظهرون الطاعة. فهذا العمل غالبا من عمل المنافقين، وإن كان لا يسمى هذا الشخص منافقا، لأنه يريد وجه الله في طاعته، وعنده إخلاص في طاعته، لكن إخلاصه قاصر، وأيضا عمله قاصر. وإلا لو عمل مثل ما أراد الله من الإخلاص والمتابعة، فإن هذا سيدعوه إلى ترك مثل هذه الأمور، كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾. فالصلاة الصحيحة إذا أتى بها الإنسان على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وبإخلاص، فإنها ستنهيه. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك الرجل الذي كان يصلي ويصلي الليل، ثم إذا أصبح سرق: «أما إنه ستنهاه صلاته، أما إنه ستنهاه صلاته». فلذلك إذا اعتمر العبد بأمر الله أمرا صحيحا، فإنه لا شك أنه سيترك مخالفة أمر الله جل وعلا. وأما هؤلاء الذين يدعون الطاعة ويظهرونها أمام الناس فقط، فهذا غالبا لا يتحاشون في الخلوات، وفي أيضا ما يكون من مثل جنسهم.حيانا بعض الناس تجده مثلا يصلي، وأيضا يصلي السنن، يصلي كذا في مقدمة الصفوف، لكن له أصحاب، إذا ذهب إليهم عمل كل باطل. بل بعضهم حتى، أعرف بعض ناس، إذا التقى بأصحابه حتى شرب المخدرات والخمر يشربوا، لكن إذا التقى بأصحابه وإلا فهو ظاهر على الطاعة والاستقامة وطلب العلم. وهذه السريرة التي ذهبت بعمله، أو هذه الخصلة التي كان يعملها، تجد أنها بسبب خبيئة خبيثة فيه، وإلا لو كان عمله صحيحا لما فعل مثل هذا الفعل. لكن غالبا عمله تجده لأجل إما لأجل الناس، أو لأجل أن لا يذم. لأن بعض الناس كما ذكرنا قبل في الدرس الذي مضى، أو في الدرس الذي قبل الظهر، بعض الناس يتأثر كثيرا بالذم والمدح، يتأثر كثيرا بالذم والمدح، لا يحب أحدا يذم، ولهذا يفعل الأفعال لأجل أن لا يذم. أهل النفاق في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وفي غيره، يذهبون ويصلون، لماذا يصلون؟ ما هم لله، ويتصدقون أيضا، وليس لله، وإنما لأجل أن لا يذموا، أو لأجل أن يمدحوا عند الناس، يقول هؤلاء من المصلين، هؤلاء من المتصدقين، وكل أعمالهم رئاء الناس، ويظاهرون بها الناس فقط. فلذلك، كما قلنا، أن مثل هذه الأعمال الخبيثة التي تكون في بعض الناس، نعوذ بالله أن نسلم منها، هذه تؤثر عليه في مستقبله، تؤثر عليه في فعله، في أعماله، تستمر عليها، حتى وإن لم يفضحه الله، ليس معنى ذلك أن الله عز وجل راض عنك، أو أن هذا العمل عمل تجده بسيطا، مثلا أو سهلا، لا. قد يملي الله عز وجل بشيء أنت قد لا تشعر أنك خسرت أشياء عظيمة، لذة الطاعة، لما يخسرها، كما ذكر الإمام ابن القيم: لذة الطاعة هي من أعظم الأشياء التي يمتلكها العبد المؤمن في الدنيا، لذة الطاعة. إذا حرمت لذة الطاعة، معنى ذلك أنك قد حرمت أمرا عظيما. كثير من الناس لا يستشعر هذا الأمر، يظن أنه بمعاصي في سلامة، يقول: أنا أعمل طاعات، أصلي وأصوم، هذه الأشياء تغفر لهذه الأشياء. معنى يعتمد على عفو الله وكرمه، ويغتر بذلك، فيقول: أنا أصلي، أنا أصوم، أنا كذا، هذه المعاصي تذهب، تذهبها هذه الصلاة وهذا الصيام. هذا صحيح، لكن هذه المعاصي تؤثر على قلبك، يعاقبك الله عز وجل في قلبك. تلك الصلاة التي كنت تصليها وتجد اللذة فيها، تذهب هذه اللذة، يذهب ذلك الخشوع، تذهب تلك المحبة التي كنت تحب كتاب الله جل وعلا، تقرأ القرآن وتحب أن تحفظ، هذه كلها تذهب عليه، تجد أنك تضيق عندما تقرأ، ما تريد أن تقرأ. فكل هذا بسبب هذه المعاصي. فلذلك هؤلاء الذين وصفهم الله عز وجل بهذا الصفة هم أهل النفاق، لكن كما قلنا، من فعل فعلهم فهو على وعيد الله، وأن مثل هؤلاء لا يصاحبون، ولا أيضا كذلك يجالسون، حتى لا يؤثروا على غيرهم. لأن الإنسان إذا كان يظهر الطاعة ويظهر الأخلاق، لكن يختبئ أو يخبئ الأخلاق السيئة، فإذا صاحبته ظهر لك هذه الأخلاق السيئة. الإنسان لا يعرف العاشر إلا إذا عاشره. ولهذا يذكر عن عمر، وبعضها العلم من المعاصرين يحسنه، يحسن هذا العثر، أن رجلا شهد عند رجل على شخص أنه كذا وكذا، يمدح، فقال: أنت تعرفه؟ قال: نعم. قال: هل سافرت معه فعرفت، فعرفت أخلاقه؟ قال: لا. قال: هل عاملته بالدينار والدرهم حتى تعرف أخلاقه؟ قال: لا. قال: هل صاحبته؟ وغيره ذكر له أشياء مما يعرف بها الشخص، غيره يعرف بها الشخص غيره. فلذلك المصاحبة لها أثر في معرفة الناس، ولهذا لا يصاحب الإنسان إلا مؤمنا، كما قال عليه الصلاة والسلام: «لا تصاحب إلا مؤمنا، ولا يأكل طعامك إلا تقي». قال رحمه الله: ﴿وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾، أن يحفظوا عليهم، وسيجازيهم عليه أتم الجزاء. ففيه وعيد لهم على كتابته جل وعلا هذه الأشياء عليهم، وهذا وعيد منه سبحانه وتعالى أن هذه الأشياء محفوظة عليهم لا تنسى، وسيعلمونها يوم القيامة. قال: ثم أمر رسوله بالمقابلة بالإعراض وعدم التعنيف، فإنهم لا يضرونه شيئا إذا توكل على الله واستعان به في نصر دينه وإقامة شرعه. لهذا قال تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾. أي هؤلاء لا يضرون دعوة الله عز وجل في شيء، ولو كانوا من أهل الدعوة، لأن الدعوة حاميها الله جل وعلا. وهذه الأخطاء التي تحصل من بعض الناس لا تضر دعوة الله جل وعلا، ولا تضر، لا يضر هذا الشخص إلا نفسه، لا يضر هذا الشخص إلا نفسه. فلذلك الله عز وجل يحافظ على دعوة الله، دعوته، وقد حفظها ربنا جل وعلا لنا: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾. فالشخص مهما بلغت مرتبته في دين الله، أو في الدعوة إلى الله، فإن أخطاءه عليه، أخطاؤه عليه، لا تضر دعوة الله جل وعلا. فإن أخطأ، فإن أخطأ فهو له أو عليه، ويضر نفسه، وإن أصاب وأطاع الله فهو له أيضا كذلك. قال: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾، اعتمد على الله جل وعلا في كل أموره، وفوضها لله سبحانه وتعالى، فإن النفع والضر، والرفعة والخفض، من الله جل وعلا. ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾. فهذا ما يذكر في هذه الآية، والله تعالى أعلم.