باب الإخلاص وإحضار النية من رياض الصالحين 14

باب الإخلاص وإحضار النية من رياض الصالحين 14

الدرس في باب الإخلاص وإحضار النية من رياض الصالحين 14، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

شرح حديث النية في القتال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا

يستعرض المقطع حديث أبي موسى الأشعري الذي سأل الصحابة عن دوافع القتال، فأجاب النبي ﷺ بأن القتال في سبيل الله هو من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا. ويبين أن هذا الحديث يعد ميزاناً للتمييز بين القتال الحق والدوافع الدنيوية.

إخلاص النية في القتال وتحذير من العصبية القومية والوطنية

يوضح المقطع أن المراد بكلمة الله هو التوحيد، وأن القتال يجب أن يكون خالصاً لله لا للعصبية القومية أو الوطنية. وينقل عن ابن عثيمين تحذيره من القتال للقومية العربية أو للوطن معتبراً ذلك قتالاً جاهلياً لا يُعد صاحبه شهيداً.

تصحيح نية القتال: الدفاع عن الإسلام لا عن الوطن فقط

يؤكد الشيخ ابن عثيمين أن المسلم يقاتل دفاعاً عن الدين والأرض الإسلامية لا لمجرد الانتماء الوطني، لأن الوطنية المجردة نية باطلة لا تنفع الإسلام. ويبين أن حب الوطن المسلم لكونه إسلامي هو من الإيمان بينما حب الوطن لمجرد الوطن دعوة جاهلية.

  • 12 جمادى الأولى 1447هـ - 02/11/2025مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، فيقول الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه رياض الصالحين، في باب الإخلاص وإحضار النية: وعن أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري رضي الله عنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء، أي ذلك في سبيل الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله». متفق عليه. ومعنى هذا الحديث أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم ذكروا للنبي صلى الله عليه وسلم مقاصد الناس في القتال، فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: الرجل يقاتل شجاعة. ومعنى يقاتل شجاعة: يعني يحب القتال لأنه رجل شجاع، متصف بالشجاعة، والشجاعة لا بد لها من ميدان تظهر فيه، فتجد الشجاع يحب أن ييسر الله له القتال. مثل الماهر مثلا في السباحة، لا شك أنه يحب أن يسابق غيره وأن يكون في الميدان ليظهر مهارته، وهكذا من كان ماهرا في أمر ما فهو يحب أن يظهر مهارته في هذا الشيء. وهكذا بعض الناس لربما أعطي شجاعة فهو يحب القتال من أجل أن يظهر ما خُص به من هذه الشجاعة. وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل حمية، والحمية هي الأنفة والغيرة، فمعناه: يقاتل أنفة وغيرة على قومه أو على قبيلته أو على وطنه أو على أي عصبية ينتمي إليها من حزب أو جماعة، لا لما تحمل من حق ودين، وإنما لما ينتسب إليها وينتمي إليها، فهذا هو القتال حمية. ثم قال الصحابة: ويقاتل رياء، وفي لفظ: ويقاتل ليرى مكانه، بمعنى أنه يقاتل من أجل أن يراه الناس ويعرف أنه شجاع. فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم، وطبعا هذه الأشياء الثلاثة التي ذكرها الصحابة رضي الله تعالى عنهم هي بعض مقاصد وأغراض الناس في القتال، وإلا هناك أغراض أخرى، كمن يقاتل من أجل الغنيمة فقط، وهو كمن يقاتل من أجل النساء أن يحظى بامرأة، أو لمن يقاتل من أجل أن ينال شيئا من أمور وحطام هذه الدنيا. قال النبي صلى الله عليه وسلم جوابا على ما ذكره الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فذكر صلى الله عليه وعلى آله وسلم كلمة جامعة وكلمة موجزة، فهي تعد ميزانا للقتال الحق. ما هي هذه الكلمة وما هو هذا الميزان؟ قال عليه الصلاة والسلام: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله». وكلمة الله المراد بها: لا إله إلا الله، أي من يقاتل من أجل التوحيد ومن أجل الدين ومن أجل إظهار الدين، فهذا هو في سبيل الله، هذا هو الذي ينال أجر القتال. وبسبب ذلك أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث في باب الإخلاص وإحضار النية، ففي هذا الحديث إخلاص النية لله عز وجل، وأن من قاتل يقاتل من أجل إعلاء كلمة الله لا لأي غرض آخر ولا لأي نية أخرى، فهذا يدل على أن النيات أمرها مهم جدا في القتال في سبيل الله سبحانه وتعالى. وذكر الشيخ ابن العثيمين هنا تنبيها مهما، وهو أنه يجب أن نعدل عن كل لهجة غير ما حصر النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله». فذكر أن من يزعم أنه يقاتل في سبيل الله فله لهجتان: اللهجة الأولى: لهجة قوم يقاتلون للقومية، والمراد بالقومية هنا القومية العربية. قال الشيخ العثيمين: والقتال للقومية العربية قتال جاهلي. لماذا قتال جاهلي؟ قال رحمه الله تعالى: لأن القومية تخرج أناسا من المسلمين، أليس هناك من المسلمين من هم من غير العرب؟ فإذا حصرت القتال من أجل القومية، فهؤلاء المسلمون لا حظ لهم إذن في القتال، لا حظ لهم إذن في القتال لأنهم ليسوا من العرب، لأنهم ليسوا من العرب. ويدخل في القومية ربما اليهود والنصارى إذا كانوا من سكان البلاد العربية، فالبلاد العربية بعض سكانها ممن يدين بالديانة اليهودية أو بالديانة النصرانية، أو كذلك من يلحد ويكون ملحدا علمانيا لا يعترف بدين، لا يعترف بدين. فلذلك الدعوة إلى القتال من أجل القومية دعوة جاهلية. يقول الشيخ ابن عثيمين: من قتل فيه، أي في دعوة القومية، فليس شهيدا، ليس شهيدا، لأن هذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «يقاتل حمية»، فهو لم يقاتل من أجل أن تكون كلمة الله العليا. فلو قاتل من أجل ذلك لما حصر قتاله في العرب دون غيرهم من المسلمين، ولو كان يقاتل من أجل كلمة الله لما أدخل في القتال غير المسلمين. فلذلك انتقد العلماء من يدعو بدعوة القومية، أو كذلك الوطنية. وهذه هي اللهجة الثانية: قوم يقاتلون للوطن، قوم يقاتلون للوطن، أي من أجل الوطن. يقول الشيخ ابن عثيمين: ونحن إذا قاتلنا من أجل الوطن لم يكن هناك فرق بيننا وبين الكافر، لأنه أيضا يقاتل من أجل وطنه. اليهود الآن يقاتلون من أجل أن يكون لهم وطنا، وهكذا النصارى يقاتلون في بعض البلاد من أجل وطنهم. والمسلم لا يقاتل من أجل الوطن فحسب، وإنما يقاتل كما ذكر الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى: من أجل الدفاع عن البلاد المسلمة، من أجل الإسلام، من أجل الدين، فيدخل في ذلك الدفاع عن الوطن المسلم، لا لكونه وطنا لك، وإنما لكونه وطن مسلم، لكونه وطن إسلامي. فأنت تقاتل من أجل ذلك، فأنت تقاتل من أجل ذلك. فنحن نحمي الإسلام الذي في بلادنا، نحمي الإسلام الذي في بلادنا، سواء كان في أقصى شرق أو في غربها، أو في غربها. فنحن نقاتل من أجل الإسلام في وطننا، أو من أجل وطننا لأنه إسلامي، ندافع عن الإسلام الذي فيه. أما مجرد الوطنية فإنها نية باطلة لا تفيد الإسلام شيئا كما تقدم. وأما من يقول: حب الوطن من الإيمان، فذلك حديث ضعيف، بل كذب عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ولكن حب الوطن المسلم لأنه وطن إسلامي، فلا شك أن هذا من الإيمان. أما إطلاقه هكذا فيراد بذلك التعلق بالوطن دون نظر إلى الدين، دون نظر إلى الدين. فأنت لما تقاتل مثلا الرافضة، لا تكون نيتك من أجل منصب أو من أجل مال أو من أجل راتب أو من أجل وطن لأنك من هذا الوطن، من الجنوب أو نحو ذلك. هذه دعوات جاهلية. أنت تقاتل الرافضة لأنهم أعداء الإسلام، لأنهم يطعنون في عدول هذه الأمة الصحابة رضي الله تعالى عنهم، لأنهم يكفرون أهل الإسلام ويستحلون دماءهم، لأنهم كذلك يدعون إلى الشرك بالله من دعوة الحسين، ومن كذلك دعاء أئمتهم والتعلق بهم ونحو ذلك. فأنت تقاتل هؤلاء من أجل أن تكون كلمة الله هي العليا، من أجل أن لا يفسد هؤلاء معالم الدين في بلاد المسلمين. هكذا ينبغي أن تكون نية الجندي والمقاتل. لا يقاتل من أجل وطنه، ومن أجل منصبه، ومن أجل كذلك مبدأه الذي هو مبدأ حزبي وهو لا يضر، لا يقاتل من أجل إعلاء كلمة الله عز وجل. فهذا هو ملخص ما ذكر في هذا الحديث، فلابد من تصحيح النية، فالنية لها منزلة عظيمة في دين الله سبحانه وتعالى، فلا يقتل المقاتل ويقال شهيد إلا إذا كانت نيته في قتاله إعلاء كلمة الله سبحانه وتعالى. وبهذا نكون قد انتهينا من شرح هذا الحديث، وبه نكتفي. وإلهنا لا أحسن لأحسن أحسن أحسن أحسن