الدرس في التعليق على كتاب الداء والدواء 78، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يوضح المقطع أن الشرك الحقيقي يتمثل في تشبيه المخلوق بالخالق في خصائص الإلهية، وأن إثبات صفات الكمال لله لا يعد تشبيهاً بل تنزيهاً يليق بجلاله. وينقل عن ابن القيم ردوده على من خلط بين التوحيد والتشبيه مستنداً إلى مؤلفات مثل «كشف الشبهات» و«الأصول الستة».
يبيّن أن المخلوق فقير وعاجز بذاته بينما الله غني وقادر بذاته، مما يجعل تشبيه المخلوق بالخالق أقبح أنواع الشرك الذي لا يغفر. وتتمحور العبودية الصحيحة في غاية الحب مع غاية الذل لله وحده، ومن صرف شيئاً منها لغيره فقد شبهه بالله في حقه الخالص.
يسلط الضوء على كيفية تزيين الشيطان للناس لعبادة المخلوقين مستدلاً بآيات قرآنية عن إضلال الشياطين وتبرؤهم يوم القيامة. ويذكر خصائص الإلهية كالسجود والتوكل والتوبة والحلف بالله محذراً من تشبيه الخالق بالمخلوق في هذه العبادات القلبية والبدنية.
يختتم المتحدث الدرس بالإشارة إلى تكملة الموضوع في درس قادم إن شاء الله داعياً الله أن يوفق الجميع ويصلي على النبي محمد. ثم يحث المشاهدين على الاشتراك في القناة ومتابعة الدروس القادمة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، قال الإمام أبو عبد الله محمد بن أبي بكر الزرعي، المشهور بابن القيم، ويقال ابن قيم الجوزية، رحمه الله تعالى، وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين. قال رحمه الله تعالى في هذه الفصول الماتعة التي يبين فيها رحمه الله تعالى الشرك الذي يقع في العبادة: قال رحمه الله تعالى: «فصل: إذا عرفت هذه المقدمة، إن فتح لك باب الجواب عن السؤال المذكور، فنقول: ومن الله وحده نستمد الصواب. حقيقة الشرك هو التشبه بالخالق والتشبيه، التشبه بالخالق والتشبيه للمخلوق به. هذا هو التشبيه في الحقيقة، لا إثبات صفات الكمال التي وصف الله بها نفسه، ووصفه بها رسوله صلى الله عليه وسلم». والملاحظ يا إخوان أن مذهب أهل التعطيل الذين عطلوا الأسماء والصفات، أو عطلوا الصفات وأثبتوا الأسماء، أو عطلوا بعضا من هذه الصفات، سبب وقوعهم في التعطيل هو أنهم شبهوا الخالق بالمخلوق. شبهوا الخالق بالمخلوق، فعندها أرادوا أن ينزهوا الخالق عن مشابهة المخلوق، فعطلوا هذه الصفات. يقولون: إذا أثبتنا لله عز وجل الوجه أو اليدين أو غيرها من تلك الصفات التي أثبتها ربنا عز وجل لنفسه، وأثبتها له رسوله صلى الله عليه وسلم، فمعنى هذا أننا شبهنا الخالق بالمخلوق. وهذا فهم قاصر، وهكذا مذهب عاطل. فلا يلزم من إثبات الصفات تشبيه الخالق بالمخلوق، لأننا حين نثبت لله عز وجل هذه الصفات، فإننا نثبتها على الوجه الذي يليق بجلاله ومنزهه عن مشابهة خلقه. عن مشابهة خلقه: إذا كان عدم التشابه لا يقع في الصفات التي يشترك فيها المخلوقون، عندنا صفة الطول: رجل طويل، وحبل طويل، وطريق طويل، فأين التشابه بين هذه الأمور التي وصفت بصفة الطول؟ هذا بين المخلوقات، فكيف بالذي يكون بين الخالق وبين المخلوق؟ الله عز وجل عليم، وله صفة العلم، والمخلوق أيضا قد يتصف بصفة العلم، لكن علم الخالق ليس كعلم المخلوق. وهكذا قل في صفة الكرم والجود والرحمة والقدرة، قد يتصف بها المخلوق، لكنه لا يشابه فيها الخالق. وهكذا قل في صفة الوجه: ﴿وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾، صفة اليدين: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾، وهكذا صفة القدم والساق، وغيرها من الصفات التي جاء إثباتها في آيات الكتاب وأحاديث السنة. ولهذا مذهب أهل السنة والجماعة إثباتها لله عز وجل على الوجه الذي يليق لجلاله، بعيدا عن التشبيه والتعطيل والتحريف والتكييف. قال رحمه الله تعالى: «فَعَكْسَ مَنْ نَكَسَ اللَّهُ قَلْبَهُ، أو نَكَسَ اللَّهُ قَلْبَهُ، وَأَعْمَى عَيْنَ بَصِيرَتِهِ». وأين تكون عين البصيرة؟ أين تكون عين البصيرة؟ قال: «وَأَعْمَى عَيْنَ بَصِيرَتِهِ». يا أبا الفاروق، في القلب البصيرة، في القلب، والبصر في العين. وأيهما أعظم ضررا وأشد خطرا: عمى البصر أو عمى البصيرة؟ نعم، عمى البصيرة، عمى البصيرة. فكم ممن فقد البصر ورزق البصيرة، أصبح إماما يهتدى به ويقتدى به. أما من فقد البصيرة، فلا ينفعه البصر، لا ينفعه البصر في الوصول إلى الحق. قال: «وَأَعْمَى عَيْنَ بَصِيرَتِهِ»، وفي بعض النسخ: «عَيْنَيْ بَصِيرَتِهِ». قال: «وَأَرْكَسَهُ بِلْبَسِ الْأَمْرِ». وأركسه: أي رده وأعاده. وقد جاء في التنزيل: ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوا﴾، أي ردهم إلى الكفر، ردهم إلى الكفر. قال: «وَأَرْكَسَهُ»، أي رده وأعاده، «بِلْبَسِ الْأَمْرِ». ولبسه الأمر: أي اختلطت عليه الأمور وتقلبت. وفي بعض النسخ: «بِنَفْسِهِ الْأَمْرِ»، والمعنى من حيث هو متقارب. قال: «وَجَعَلَ التَّوْحِيدَ تَشْبِيهًا، وَالتَّشْبِيهَ تَعْظِيمًا وَطَاعَةً». وهذا من الأمور التي اختلطت على البعض من الناس، اختلطت على البعض من الناس. وفي هذا الباب يا إخوان، رسالة عظيمة قيمة لشيخ الإسلام الإمام محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى، فما هي في الغلط الذي حصل للكثير من الناس في هذا الباب؟ التوحيد إثباته عندهم شرع، والشرك الذي يقع فيه الكثير يعدونه تعظيما وطاعة، وهكذا توحيدا وتنزيها لله عز وجل. وهكذا عندهم العلماء، وهكذا العلم يزهد فيه، بينما الجهل وأهله يمجدون. وهكذا بالنسبة للجماعة والفرقة، والسنة والبدعة، فاختلط عند الكثير من الناس الحابل بالنابل، وانعكست هذه المفاهيم. ما اسم هذه الرسالة لشيخ الإسلام الإمام محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى التي يعالج فيها هذه المفاهيم المغلوطة، المغلوطة؟ ما اسمها؟ مر معنا تدريسها قبل فترة، يا باحث، يا ظيفا: كشف الشبهات، أو غير ذلك؟ نعم، في «كشف الشبهات» بين رحمه الله تعالى شبهات القوم، وبينها أيما بيان. وهكذا فعل الصنعاني، محمد بن إسماعيل الصنعاني رحمه الله تعالى، في كتابه «تطهير الاعتقاد من أدران» -أي أوساخ- «الإلحاد». لكن هناك رسالة أخرى عنوانها «الأصول»، يا بجعفر: «الأصول»، لا، الستة؟ أحسنت: «الأصول الستة». رسالة قيمة يا إخوان، اهتم العلماء بها أيما اهتمام. قال رحمه الله تعالى: «فَالْمُشْرِكُ مُشَبِّهٌ لِلْمَخْلُوقِ بِالْخَالِقِ فِي خَصَائِصِ الْإِلَهِيَّةِ وَالْإِلَهِيَّةِ»، أي العبودية، أي العبودية. قال: «فَإِنَّ مِنْ خَصَائِصِ الْإِلَهِيَّةِ التَّفَرُّدَ بِمُلْكِ الضَّرِّ وَالنَّفْعِ وَالْعَطَاءِ وَالْمَنْعِ»، أي لا يضر ولا ينفع إلا الله تبارك وتعالى، وهكذا هو الذي يعطي ويمنع. ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. قال: «وَذَلِكَ يُوجِبُ تَعَلُّقَ الدُّعَاءِ وَالْخَوْفِ»، تعلق الدعاء والخوف، والرجاء والتوكل به وحده، والتوكل به وحده. قال: «فَمَنْ عَلَّقَ ذَلِكَ بِمَخْلُوقٍ فَقَدْ شَبَّهَهُ بِالْخَالِقِ، وَجَعَلَ مَا لَا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا، فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِ، شَبِيهًا لِمَنْ لَهُ الْأَمْرُ كُلُّهُ، وَلَهُ الْمُلْكُ كُلُّهُ، وَبِيَدِهِ الْخَيْرُ كُلُّهُ، وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ، وَهُوَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى». قال: «فَأَزِمَةُ الْأُمُورِ كُلِّهَا بِيَدَيْهِ»، فأزمة الأمور كلها بيديه. والزمام هو الأصل، يطلق على الحبل الذي تقاد به البهيمة، تقاد به البهيمة، يقال: زمامها. فالشيء الذي يجلب به الأمور كلها بيديه تبارك وتعالى، لا بيد غيره سبحانه. قال: «وَمَرْجِعُهَا إِلَيْهِ، فَمَا شَاءَ كَانَ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَى، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعَ». بل إذا فتح لعبده بابا رحمة، بابا رحمة، لم يمسكها أحد، لم يمسكها أحد. وإن أمسكها عنه لم يرسلها إليه أحد. فمن أقبح التشبيه تشبيه هذا العاجز الفقير، العاجز الفقير بالذات، العاجز الفقير بالذات، بالقادر الغني بالذات. يعني المخلوق أصله وذاته عاجز وفقير. وإذا استطاع أن يقوم بشيء من الأعمال، فإنما هو بمعونة من، من الذي أعانه؟ الله عز وجل. وهو بذاته فقير. وإذا، وإذا تحصل على شيء من المال أو الرزق، فإنما هو من عند الله تبارك وتعالى. بخلاف الخالق سبحانه وتعالى، فإنه قادر غني بذاته، وليست هذه القدرة والغنى اكتسبها من غيره. لا. ولهذا في حديث أبي ذر الغفاري رضي الله تعالى عنه، قال الله عز وجل: «يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَن تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَن تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنفَعُونِي. يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَىٰ أَتْقَىٰ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِّنكُم مَّا زَادَ ذَٰلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا. يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَجِنَّكُمْ وَإِنسَكُمْ كَانُوا عَلَىٰ أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِّنكُم مَّا نَقَصَ ذَٰلِكَ مِن مُّلْكِي شَيْئًا». أذى يا إخوان، لتمام قدرته، وهكذا لكمال غناه عن خلقه. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾. قال رحمه الله تعالى: «وَمِنْ خَصَائِصِ الْإِلَهِيَّةِ»، أي التي يجب أن يتفرد بها سبحانه ولا يجوز أن تصرف لغيره، قال: «الْكَمَالُ الْمُطْلَقُ لِلَّهِ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ». هذا لا يجوز إلا في حق الله. وكمال المخلوق يعتبر كمالا ناقصا، وليس كاملا، وليس كاملا. قال: «وَمِنْ خَصَائِصِ الْإِلَهِيَّةِ الْكَمَالُ الْمُطْلَقُ لِلَّهِ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ، مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ، الَّذِي لَا نَقْصَ فِيهِ بِوَجْهٍ مِّنَ الْوُجُوهِ». وذلك يوجب أن تكون العبادة كلها له وحده، والتعظيم والإجلال والخشية والدعاء والرجاء والإنابة والتوبة والتوكل والاستعانة، وغاية الذل مع غاية الحب، كل ذلك يجب أن يكون، يجب أن يكون لغيره. قال: «قَالَ: كُلُّ ذَلِكَ يَنْبَغِي عَقْلًا وَشَرْعًا وَفِطْرَةً أَنْ يَكُونَ لَهُ وَحْدَهُ، وَيَمْتَنِعُ عَقْلًا وَشَرْعًا وَفِطْرَةً أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِ». قال: «فَمَنْ جَعَلَ شَيْئًا مِّن ذَٰلِكَ لِغَيْرِهِ فَقَدْ شَبَّهَ ذَٰلِكَ الْغَيْرَ بِمَن لَّا شَبِيهَ لَهُ وَلَا مِثْلَ لَهُ وَلَا نِدَّ لَهُ، وَذَٰلِكَ أَقْبَحُ التَّشْبِيهِ وَأَبْطَلُهُ». يعني شبه المخلوق بالخالق سبحانه وتعالى، وهذا من أقبح التشبيه وأبطله. قال: «وَلِشِدَّةِ قُبْحِهِ وَتَضَمُّنِهِ غَايَةَ الظُّلْمِ، أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ عِبَادَهُ أَنَّهُ لَا يَغْفِرُهُ، مَعَ أَنَّهُ كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ، وَأَخْبَرَ أَيْضًا يَا إِخْوَانَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾، وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، وَأَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾، إِلَّا هَذَا الذَّنْبَ يَا إِخْوَانِ، لِعَظَمِهِ وَلِقُبْحِهِ، فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ». وهكذا أيضا أخبر سبحانه وتعالى أن من وقع في هذا الشر، أن الجنة حرام عليه، وأن مأواه النار، وبئس القرار، وبئس القرار. قال رحمه الله تعالى: «وَمِنْ خَصَائِصِ الْإِلَهِيَّةِ الْعُبُودِيَّةُ الَّتِي قَامَتْ عَلَىٰ سَاقَيْنِ، الَّتِي قَامَتْ عَلَىٰ سَاقَيْنِ، لَا قِوَامَ لَهَا بِدُونِهِمَا: غَايَةُ الْحُبِّ مَعَ غَايَةِ الذُّلِّ، غَايَةُ الْحُبِّ مَعَ غَايَةِ الذُّلِّ». قال: «هَذَا تَمَامُ الْعُبُودِيَّةِ وَغَايَتُهَا، هَذَا تَمَامُ الْعُبُودِيَّةِ وَغَايَتُهَا، وَتَفَاوُتُ مَنَازِلِ الْخَلْقِ فِيهَا حَسْبَ تَفَاوُتِهِمْ فِي هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ»، أي في الحب، وهكذا أيضا في الذل. ومر معنا ما ذكره شيخ الإسلام ابن القيم رحمه الله تعالى في منظومته النونية المسمى «الشافية الكافية». قال: «قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: قَالَ: هُوَ الْإِلَهُ الْحَقُّ لَا مَعْبُودَ إِلَّا وَجْهُهُ الْأَعْلَى الْعَظِيمِ الشَّانِ، بَلْ كُلُّ مَعْبُودٍ سِوَاهُ فَابْطِلُ، مِنْ عَرْشِهِ حَتَّى الْحَضِيضَ الدَّانِي، وَعِبَادَةُ الرَّحْمَٰنِ غَايَةُ حُبِّهِ مَعَ ذُلِّ عَابِدِهِ، هُمَا قُطْبَانِ، وَعَلَيْهِمَا فَلَقُ الْعِبَادَةِ دَائِرٌ، وَعَلَيْهِمَا فَلَقُ الْعِبَادَةِ دَائِرٌ، مَا دَارَ حَتَّىٰ قَامَتِ الْقُطْبَانِ، وَمَا دَارَهُ بِالْأَمْرِ أَمْرِ رَسُولِهِ، لَا بِالْهَوَى وَالنَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ. قَالَ: فَقِيَامُ دِينِ اللَّهِ بِالْإِخْلَاصِ وَالْإِحْسَانِ، إِنَّهُمَا لَهُ أَصْلَانِ». إذن تمام الحب مع تمام الذل، هذا يقع به تمام العبودية لله عز وجل. قال رحمه الله تعالى: «فَمَنْ أَعْطَى حُبَّهُ وَذُلَّهُ وَخُضُوعَهُ لِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ شَبَّهَ ذَٰلِكَ الْغَيْرَ بِهِ فِي خَالِصِ حَقِّهِ وَخَالِصِ مَا لَهُ عَلَى الْعِبَادِ». وهذا يا إخوان هو عين الشرك الذي حرمه الله تبارك وتعالى. قال: «وَهَذَا مِنَ الْمُحَالِ أَنْ تَجِيءَ بِهِ شَرِيعَةٌ مِّنَ الشَّرَائِعِ، وَقُبْحُهُ مُسْتَقِرٌّ فِي كُلِّ فِطْرَةٍ وَعَقْلٍ، وَلَكِنَّ غَيَّرَتِ الشَّيَاطِينُ فِطَرَ أَكْثَرِ الْخَلْقِ وَعُقُولَهُمْ، وَأَفْسَدَتْ عَلَيْهِمْ، وَاجْتَالَتْهُمْ عَنْهَا»، أي حرفتهم عنها، وأمالتهم عنها. قال: «وَمَضَىٰ عَلَى الْفِطْرَةِ الْأُولَىٰ مَنْ سَبَقَتْ لَهُ مِنَ اللَّهِ الْحُسْنَى». ومر معنا يا إخوان أن الشيطان هو الذي يزين لهذا الإنسان أن يترك عبادة الخالق، ويلجأ إلى عبادة المخلوق، أن يسوي بين القوي وبين الضعيف، وبين الغني وبين الفقير، بين القادر وبين العاجز. قال ربنا تبارك وتعالى في قصة هدهد سليمان عن أهل سبأ: ﴿قَالَ إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾. الشيطان هو الذي يزين لهذا الإنسان أن يرتكب الشرك بالله عز وجل. وهكذا في قوله تبارك وتعالى: ﴿أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾. فالشيطان هو الذي يزين لهم هذا الشر وهذا الباطل. قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾، أي تدفعهم إلى الباطل، إلى الشرك، إلى الضلال، أَزًّا. فما أعظم جناية الشياطين على الكثير من الناس. ولهذا في يوم القيامة مما يزيد حسرة أهل النار، أن الشيطان يقوم خطيبا فيتبرأ منهم: ﴿مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِيَّ﴾، فيتبرأ ممن كانوا اتبعونه ويطيعونه. ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَلَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾، ألا تعبدوا الشيطان. وعبادة الشيطان يا إخوان تكون بماذا؟ باتباعه. بل للأسف الشديد، وجد من الناس من يعبد الشيطان صراحة وعلانية. عباد الشيطان يوجدون في بعض البلاد في جنوب شرق آسيا وغيرها، كالهند وغيرها. الهند يا إخوان، بلاد العجائب والغرائب، بلاد العجائب والغرائب، ولا سيما في الديانات والمذاهب. إذا أردت أن تتعرف على أغرب الديانات والمعبودات، فهي في ذلكم البلد، في ذلكم البلد: تعبد الفئران، ويعبد الشيطان، وتعبد الفروج، الفروج تعبد، وهكذا غيرها، وهكذا غيرها. قال: «وَلَكِنَّ غَيَّرَتِ الشَّيَاطِينُ فِطَرَ أَكْثَرِ الْخَلْقِ وَعُقُولَهُمْ، وَأَفْسَدَتْ عَلَيْهِمْ، وَاجْتَالَتْهُمْ». وهذا الذي جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى قال: «إِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ، فَاجْتَالَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ». ما معنى حنفاء؟ «إِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ». نعم، يا باحث، يا ظيفا: ما معنى حنفاء؟ وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء. ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ﴾. نعم، المقصود: حنفاء، أي على التوحيد، مقبلون على الله عز وجل، معرضون عما سواه، معرضون عما سواه. قال رحمه الله تعالى: «وَمَضَىٰ عَلَى الْفِطْرَةِ الْأُولَىٰ»، أي التي لم تتغير ولم تنحرف وتتبدل. قال: «وَمَضَىٰ عَلَى الْفِطْرَةِ الْأُولَىٰ مَنْ سَبَقَتْ لَهُ مِنَ اللَّهِ الْحُسْنَى»، أي بقي على التوحيد، وبقي على الخير. قال: «فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ رُسُلَهُ وَأَنزَلَ عَلَيْهِمْ كُتُبَهُ بِمَا يُوَافِقُ فِطَرَهُمْ وَعُقُولَهُمْ، فَازْدَادُوا بِذَٰلِكَ نُورًا عَلَىٰ نُورٍ، يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ». حديث: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ»، يعني الأب والأم، «يُهَوِّدَانِهِ»، أي يجعلانه يهوديا، «أَوْ يُنَصِّرَانِهِ»، أي يجعلانه نصرانيا، «أَوْ يُمَجِّسَانِهِ»، أي يجعلانه مجوسيا. من صحابيه، ومن أخرجه، يا أبا صالح؟ من صحابيه، ومن أخرجه؟ ها، أيا عبد الله، عندك من صحابيه ومن أخرجه؟ أنت معنا، ها، تعال، بربه، هنا. نعم، من صحابيه ومن أخرجه، يا أبا خالد؟ «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ»، حديث أبي هريرة. أحسنت. فمن أخرجه؟ ها، كيف عرفت؟ ها، لا، بس انتبهت. إذن أخرجه البخاري ومسلم، رحمة الله عليهما. قال: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ». الفطرة هي الإسلام، السنة. طيب. فمع بقائهم على الفطرة، أرسل الله إليهم رسلا، وأنزل عليهم كتبا، فازدادوا بذلك نورا على نور، على نور. قال رحمه الله تعالى: «وَإِذَا عَرَفْتَ»، قال: «وَإِذَا عَرَفَ هَذَا، فَمِنْ خَصَائِصِ الْإِلَهِيَّةِ». قلنا لكم: الإلهية، إيش معنى الإلهية؟ لما نقول: توحيد الألوهية والربوبية والأسماء والصفات، وهنا يقول: «فَمِنْ خَصَائِصِ الْإِلَهِيَّةِ». ها، الله، يعني بمعنى المألوه، أي إيش معنى المألوه؟ المألوه هذا يتكرر كثيرا: الألوهية، الإلهية، الله له صفة الألوهية، فما هي الألوهية أو الإلهية؟ آخان، رمزي: الألوهية أو الإلهية، نقول: الله عز وجل له صفة الإلهية، من أله يأله، إذا ماذا؟ أحسن: أي العبودية. الإلهية: أي العبودية. أي العبودية. والله: أي المألوه، بمعنى المعبود، بمعنى المعبود. قال: «وَإِذَا عُرِفَ هَذَا، فَمِنْ خَصَائِصِ الْإِلَهِيَّةِ السُّجُودُ، فَمَنْ سَجَدَ لِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ شَبَّهَ الْمَخْلُوقَ بِهِ، الْمَخْلُوقَ بِهِ، أَيْ بِالْخَالِقِ، بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَلَا يَجُوزُ السُّجُودُ إِلَّا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، إِلَّا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ». وبعض الناس إذا أراد أن يعظم شيئا، قام بتقبيله، قام بتقبيله، وزاد على التقبيل ما يوحي إلى السجود. هذا لا يجوز، هذا لا يجوز، ولو مع المصحف، ولو مع المصحف، كما يفعل البعض من الناس. قال: «وَمِنْهَا»، أي من خصائص الإلهية، «التَّوَكُّلُ، فَمَنْ تَوَكَّلَ عَلَىٰ غَيْرِهِ فَقَدْ شَبَّهَهُ بِهِ». حتى فيما مضى معنا من المساواة وعدم المساواة، لا يجوز أن تقول: أنا متوكل على الله ثم عليك، لأن التوكل هذا من الأمور الخاصة بالله عز وجل. لكن يجوز التوكيل في المهام والأعمال. قال: «وَمِنْهَا التَّوْبَةُ، فَمَنْ تَابَ لِغَيْرِهِ فَقَدْ شَبَّهَهُ بِهِ»، أي شبه الغير بالله عز وجل. قال: «وَمِنْهَا الْحَلِفُ بِاسْمِهِ تَعْظِيمًا وَإِجْلَالًا لَهُ، وَالْحَلِفُ يَا إِخْوَانُ يَتَضَمَّنُ مَاذَا؟ التَّعْظِيمَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ». قال: «فَمَنْ حَلَفَ بِغَيْرِهِ فَقَدْ شَبَّهَهُ بِهِ». قال: «هَذَا فِي جَانِبِ التَّشْبِيهِ فِي الْأَعْمَالِ، فِي الْأَعْمَالِ، وَصَدَقَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَيْضًا صُوَرًا لِهَذَا التَّشْبِيهِ فِي مَاذَا؟ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْأُمُورِ الْقَلْبِيَّةِ، وَهَكَذَا غَيْرِهَا، وَهَذَا يَسْتَدْعِي يَا إِخْوَانَ أَعْظَمَ الْحَذَرِ مِنْ أَنْ يَقَعَ الْوَاحِدُ مِنَّا فِي مُشَابَهَةٍ أَوْ تَشْبِيهِ الْخَالِقِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِالْمَخْلُوقِينَ». يأتي تتمة ذلك إن شاء الله عز وجل في درس لاحق. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى. وصل اللهم على نبينا محمد، وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. اشتركوا في القناة