الدرس في قصة إبراهيم عليه السلام 9، بناء الكعبة - ذبح الطير - وفاة إبراهيم عليه السلام . ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
نزل إبراهيم عليه السلام إلى مكة لبناء الكعبة مع إسماعيل، ورفعا قواعد البيت واتخذ إبراهيم حجرًا ليصعد عليه. أمر الله إبراهيم بالتطهير والنداء بالحج ودعا لقبول عملهما.
طلب إبراهيم من الله أن يريه كيف يحيي الموتى، فأمره الله بأخذ أربعة طيور وتقطيعها وتوزيعها على الجبال ثم دعوتها لتعود إليه كاملة، مما يعد آية على قدرة الله في إحياء الموتى.
توفي إبراهيم عليه السلام في فلسطين وترك دعوة عظيمة في الحجاز والشام من خلال إسماعيل وإسحاق، حيث دعا إسماعيل في مكة وأنجب نسلًا عظيمًا منه خرج النبي محمد، وبقي إسحاق في الشام وأنجب يعقوب.
يتضمن المقطع دعاء بأن ينفع الله بما قيل ويصلي على النبي محمد وآله وصحبه، ويظهر الرغبة في نيل رضا الله والتوفيق، ويُنهي بالصلاة والسلام على النبي محمد.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، لازلنا إخواني في الله في ذكر أهم ما ذكره الله عز وجل عن إبراهيم عليه السلام من قصائص ومن أحوال وحوادث. وكان مما جاء ذكره عن إبراهيم عليه السلام أنه نزل إلى مكة، وكان هذا هو النزول الثالث من فلسطين إلى مكة. الأمر الأول حين وضع هاجر وابنها إسماعيل، والأمر هو النزول الثاني حين أراد أن يذبح إسماعيل حين بلغ معه السعي. والموطن الثالث هذا مقامه، نزل إبراهيم عليه السلام من فلسطين إلى مكة والتقى بإسماعيل، وأخبره بأن الله عز وجل أمره بأمر وأنه يريد منه المعونة، وكان هذا الأمر هو بناء الكعبة. فقام إبراهيم عليه السلام مع إسماعيل في بناء الكعبة، وكان كما قال العلماء إسماعيل هو الذي يجلب الحجارة وإبراهيم عليه السلام هو الذي يضعها حجرًا فوق حجر. ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ فبدأوا برفع جدار من الجهات الأربع حتى وصل إبراهيم إلى مرحلة لا تصلها يده، فحينها أتى بحجر وجعل هذا الحجر ركيزة لكي يصعد عليه إبراهيم عليه السلام لكي يرفع هذا البيت. وكان إبراهيم كلما انتقل إلى جهة يأتي بهذا الحجر معه إلى الجهة الثانية، يصعد عليه إذا انتهى من الجهة الثالثة إلى الجهة الرابعة، هكذا حتى انتهى من بناء البيت. وكان هذا الحجر له شأن، وهو المعروف الآن بمقام إبراهيم، وهي من الآيات العظيمة الباقية، ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ آية بينات جعلها الله عز وجل. ذكر العلماء أن آثار أقدام إبراهيم عليه السلام على هذا الحجر كانت باقية لفترة طويلة، حتى إن من كان من العرب ممن أتى من أهل الجاهلية قد وجدوا هذه الآثار. ومن عظيم هذا المقام أن الله عز وجل قال: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ فكان عليه الصلاة والسلام شرع لكل طائف أن يركع ركعتين بعد المقام. فالشاهد أن هذا المقام هو الحجر الذي صعد عليه إبراهيم عليه السلام لبناء الكعبة. ثم بعد ذلكم كان إبراهيم وإسماعيل مع قيامهما بهذا العمل الصالح كانوا يفتقرون إلى الله جل وعلا: «ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم». فكانوا يدعوان الله عز وجل بأن الله يتقبل منهم هذا العمل المبارك، بناء بيت الله جل في علاه. وأمرهم الله عز وجل بالتطهير والنظافة، ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾. وكان هذا البيت من تلكم الأيام وإلى الآن لا زال في قمة النظافة والطهارة. ثم بعد إتمام البيت أمر الله عز وجل إبراهيم أن ينادي بالناس بالحج، ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ أي يمشون على أرجلهم وعلى كل دابة هزيلة لبعد المسافة، إشارة إلى أن الناس سيشدون الرحال من أنحاء الأرض شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا، كلهم توجهًا إلى هذا البيت المعظم. فشاهد أن الله عز وجل أمر إبراهيم وإسماعيل ببناء البيت فأتموه، ثم أذن إبراهيم بالحج فجاء أهل الإسلام ومن بعدهم من الأجيال تلو الأجيال إلى هذا الزمان. إلى أن تتغير الأحوال كما سيأتي في علامات الساعة أن الكعبة تكسر وتهدم. وبهذا البناء من إبراهيم للكعبة كانت الكعبة حينها قبلة الأنبياء والرسل، صلى إليها إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ويوسف والأسباط، كل أنبياء كانوا يصلون إلى مكة إلى الكعبة. إلى أن جاء موسى عليه السلام بشريعته، نصخت الكعبة فتحولت القبلة إلى بيت المقدس. ثم سار بنو إسرائيل من زمن موسى إلى نبينا عليه الصلاة والسلام، عادت القبلة إلى ما كانت عليه. وسأتي هذا معنا بإذن الله إذا تحدثنا عن حوادث موسى عليه السلام. فالشاهد إخواني في الله أن هذه من الحوادث المهمة التي وقعت لإبراهيم عليه السلام من بناء الكعبة. وأيضًا مما يذكر مما حكاه ربنا عز وجل عن إبراهيم قصة الطيور. حين أن طلب إبراهيم عليه السلام هذا الطلب: «ربي أرني كيف تحيي الموتى؟ قال أولم تؤمن؟ قال بلى ولكن ليطمئن قلبي». إبراهيم عليه السلام ما عنده أدنى شك ما عنده أدنى شك في قدرة الله على إحياء الموتى. ولهذا هو ما سأل ما يدلل به على القدرة، وإنما سأل عن الكيفية: كيف تحيي الموتى يا رب؟ أما إبراهيم فهو على يقين من ربه ما عنده شك بأن الله هو ربه وهو على كل شيء قدير. فحينها لمقام إبراهيم عليه السلام عند ربه جل وعلا أعطاه الله ما أراد: «خذ أربعة من الطير فجاء بطيور مختلفة الأشكال مختلفة الألوان». تنوعت عبارات المفسرين في معرفة ما هي هذه الطيور، هذا ما لا تقدم ولا تؤخر في المعنى. أمره فصرهن إليك، اجمعها عندك، ثم قم بتقطيعها وذبحها، ثم توزع هذه الطيور المقطعة إلى أقطاع إلى قطع أشلاء، أن توزع على رؤوس الجبال هنا وهنا وهنا، قسمها على جبل على تل على هضبة على أي مكان مرتفع. ثم أمره ربنا عز وجل بأن يدعوها، ثم ادعوهن يأتينك سعيًا، نادها بأسمائها يا طير فلان يا طير فلان بجنسها وأنواعها، يأتينك سعيًا، تأتي هذه الطيور إليك وهي كاملة الخلقة بكامل جسدها والروح قد دبت فيها. هذه آية من الآيات العظيمة في بيان قدرة الله عز وجل على إحياء الموتى. جاء في بعض الروايات على أن إبراهيم عليه السلام عندما ذبح هذه الطيور جعل الرؤوس عنده، أبقى الرؤوس عنده، وأما الأعضاء وباقي الأجزاء قسمها على الجبال. فإذا بهذه الطيور وهي من كل جبل يمشي إلى التل الأخرى فيلتقي بالجسد فيلتصق به، وهكذا يبحث كل طرف عن عضوه. فما بقي إلا الرأس فيأتي هذا الطير بلا رأس يمشي يمشي إلى أن يأتي عند إبراهيم عليه السلام باحثًا عن رأسه فيلتصق الرأس بالجسد. فشاهد أن هذه آية من الآيات العظيمة التي أرادها الله عز وجل لإبراهيم ولمن بعده في بيان قدرة الرب سبحانه وتعالى على إحياء الموتى. وبهذا نختم الكلام والحديث عن هذا التاريخ العظيم الذي كنا معكم فيه مع إبراهيم عليه السلام، قصص كثيرة وقائع عظيمة حدثت لإبراهيم عليه السلام وخلدها لنا القرآن. جاءته المنية بعدما كبر هذا السن العتي الكبير، وقد بذل حياته وعمره كما سمعنا من أول قصة وشاب فتى كسر الأصنام إلى أن بلى قبلة الموحدين عليه السلام. مات إبراهيم عليه السلام في أرض فلسطين، هذا موقعه، وأكثر العلماء على أنه توفي في منطقة لا زالت الآن باسمه بمنطقة الخليل، هي مشهورة في أرض فلسطين، لا زالت منطقة الخليل، هذا الذي دفن فيها إبراهيم عليه السلام. وترك إبراهيم دعوة عظيمة دعوة كبيرة دعوة في أرض الحجاز في الجزيرة العربية في أرض اليمن، انتشر الإسلام هناك بفضل من بفضل إسماعيل ابنه. إسماعيل ترك في أرض الحجاز في مكة، إبراهيم ترك ابنه يستكمل الدعوة هناك، لأن إسماعيل عليه السلام نزلت عليه النبوة وأصبح نبيًا مرسلًا كما قال جل في علاه: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾. فكان من رسل الله ومن أنبياء الله، فبقي في مكة وأخذ يدعو ويدعو ويدعو حتى جاء منه عليه السلام أفضل أمة على الإطلاق ألا وهي الأمة العربية، الذي خرج من نسله عليه الصلاة والسلام محمد صلوات ربي وسلامه عليه. هذا من آثار دعوة إبراهيم، إبراهيم وإسماعيل، ثم يتفرع إسماعيل ويخرج منه نبينا. وأيضًا ترك إبراهيم دعوة قوية جدًا في أرض الشام، لأنه ترك من ابنه إسحاق، إسحاق بقي في الشام، بقي فترة في الشام، بل كبر وتزوج، وجعل الله من نسل إسحاق ابنه يعقوب. وعلى القول بجماعة من أهل العلم على أن إبراهيم حضر زمن يعقوب، وهذه مسألة وقع فيها الخلاف، هل إبراهيم أدرك يعقوب حفيده يعقوب أم لا؟ منه من قال أنه أدرك، واستدل بقول ربنا عز وجل: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ أي وهبنا لك يا إبراهيم إسحاق، وقد مر معنا في درس أمس متى جاء إسحاق، جاء متأخرًا في سن اليأس، بشره ربنا بعد إسحاق يعقوب، فاستدل بعض العلماء على ظاهر هذا النص أن هذه الموهبة لك يا إبراهيم في حياتك. خذ إسحاق ومن بعد إسحاق يعقوب، فذهب جماعة إلى أن إبراهيم أدرك إسحاق وهذا لا شك، وأدرك كذلك يعقوب وهو حفيده. ويعقوب عليه السلام جاءت منه أعظم أمة وهي من أمة بني إسرائيل، لأن يعقوب وسيأتي معنا أن يعقوب ماذا لقبه؟ يعقوب لقبه إسرائيل، هذا لقب يعقوب: «أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت؟» أو كفي قول تعالى: ﴿إِذْ حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ إسرائيل على نفسه، من إسرائيل. ويعقوب عليه السلام بالاتفاق لقب إسرائيل. وسيأتي معنا يعقوب عليه السلام وما كان من دعوته. فكان إبراهيم عليه السلام في زمنه ما قبض الله روحه إلا وقام دعوة عظيمة مترامية الأطراف في أرض الحجاز وفي أرض الشام. أما مصر لا، قد أشرنا إلى مصر إبراهيم دخل مصر لكن ما استطاع أن يدعو فيها، لماذا؟ لقصة ذاك الملك الجبار، فما استطاع، ولهذا لم تظفر مصر بدعوة في زمن إبراهيم عليه السلام، بخلاف الحجاز وبخلاف الشام. أما مصر سيأتي لها الدور وذلك في قصة يوسف عليه السلام بأن الدعوة تنتشر في زمنه. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.