الدرس في أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 104، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
توضح الأحاديث النبوية أن فتنة الدجال بلغت حد التواتر ولم ينكرها إلا فرق الضلال. يجب على المسلم معرفة تفاصيل هذه الفتنة العظيمة التي حذر منها جميع الأنبياء.
يُعرف الدجال بأربعة أسماء منها المسيح الدجال والأعور الكذاب، ويسمى المسيح لمسحه الأرض أو لكون إحدى عينيه ممسوحة. لم يُذكر اسمه في القرآن احتقاراً له لأن دعواه الإلهية تنافي جلال الله.
يوضح ابن كثير أن فرعون ذُكر في القرآن لانقضاء أمره بينما الدجال أمره آتٍ فلم يُذكر تعظيماً لشأنه وتحقيراً له. منكر خروج الدجال من أهل الأهواء يقدمون عقولهم على النصوص المتواترة.
يختتم المتحدث المقدمة الخاصة بفتنة المسيح الدجال مشيراً إلى أن الدروس القادمة ستتناول الأحاديث النبوية التي تصف صفات الدجال. يكتفي بهذا القدر في الدرس الحالي.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فما زلنا في ما ذكره المؤلف في أمثلة أمارات الساعة من السنة، ووقفنا عند أحاديث الفتن، ومثل لها بالدجال، والدجال هي أعظم فتنة تكون في هذه الأرض، فلذلك ولعظم هذه الفتنة ما من نبي إلا وأنذر قومه الدجال، فلذلك ينبغي للمسلم أن يكون على معرفة ودراية بكل ما يتعلق بهذه الفتنة حتى يحذرها وحتى يحذر منها، فأحببنا في هذا المقام أن نستطرد شيئاً في ذكر تفاصيل هذه الفتنة، فإن أحاديث الدجال كثيرة جداً، كثيرة جداً، حتى أن بعض أهل العلم ذكر أنها لو جمعت لصارت في مؤلف عظيم، لكثرتها، لكثرة هذه الأحاديث، وقد أفردها غير واحد من الأئمة في مواضع مستقلة أو تبعاً لأحاديث الفتن. وقد ذكر الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى أن هذه الأحاديث بلغت حد التواتر، بلغت حد التواتر، ولم ينكر هذه الأحاديث إلا فرق الضلال. يقول ابن كثير رحمه الله تعالى كما في البداية والنهاية: «وقد أنكر الطوائف كثيراً من الخوارج والجهمية وبعض المعتزلة خروج الدجال بالكلية، وردوا الأحاديث الواردة فيه، فلم يصنعوا شيئاً، وخرجوا بذلك عن حيز العلماء لردهم ما تواترت به الأخبار الصحيحة من غير وجه عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم»، فهي أحاديث، فهي أحاديث كثيرة وكثيرة جداً، فحري بالمسلم أن يكون على معرفة ودراية بمثل هذه الأحاديث، لا سيما وهي تتعلق بفتنة آتية، ولا تقول: لعلي لا أدركها، فأقول لك: لعلك تدركها، ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم حذر أصحابه من هذه الفتنة، وهكذا الأنبياء قبله حذروا أقوامهم من هذه الفتنة. الدجال، إجمال ما جاء في الأحاديث في ذكر اسمه: أنه المسيح الدجال، وأنه مسيح الضلالة، وأنه الأعور الدجال، وأنه الأعور الكذاب، هذه أربعة أسماء وردت لهذا الدجال. المسيح الدجال: المسيح، قيل سمي بذلك لمسحه الأرض، أي يطوف الأرض ويدخل جميع البلدان إلا بلدين لا يستطيع الدخول إليهما وهما مكة والمدينة، وقيل سمي المسيح لأنه ممسوح العين الواحدة، يعني إحدى عينيه ممسوحة، إحدى عينيه ممسوحة، فسمي المسيح، ولا يطلق المسيح مفرداً بل لا بد أن يقال: المسيح الدجال، والدجال بمعنى الكذاب، لأنه كذاب يموه على الناس ويلبس عليهم، ووصف بالدجال ليتميز عن المسيح ابن مريم عيسى عليه السلام، فيقال لعيسى: المسيح، فحتى يتميز عن هذا الدجال فيقال له: المسيح الدجال. هذا خلاصة ما ورد في تسمية هذا الدجال، في تسمية هذا الدجال. وهنا إشكال قد يرد على أذهان بعضكم، وهو: لماذا لم يذكر المسيح الدجال صراحة في القرآن الكريم؟ ما ذكر المسيح الدجال في القرآن الكريم مع عظم فتنته، وإنما ذكر بالتفصيل في السنة. أجاب عن ذلك الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى كما في البداية والنهاية، فقال: «لم يذكر بصريح اسمه في القرآن احتقاراً له، احتقاراً له، حيث إنه يدعي الإلهية وهو بشر، وهو مع بشريته ناقص الخلق لأنه أعور، يُنَافِي حَالُهُ جَلَالَ الرَّبِّ وَعَظَمَتَهُ وَكِبْرِيَاءَهُ وَتَنْزِيهَهُ عَنِ النَّقْصِ، فَكَانَ أَمْرُهُ عِنْدَ الرَّبِّ أَحْقَرَ مِنْ أَنْ يُذْكَرَ وَأَصْغَرَ وَأَدْحَرَ مِنْ أَنْ يُجَلَّ عَنْ أَمْرِ دَعْوَاهُ وَيُحَذَّرَ، وَلَكِنِ انْتَصَرَ الرُّسُلُ لِجَنَابِ الرَّبِّ عَزَّ وَجَلَّ فَجَلَّوْا لِأُمَمِهِمْ عَنْ أَمْرِهِ وَحَذَّرُوهُمْ مَعَهُ مِنَ الْفِتَنِ الْمُضِلَّةِ وَالْخَوَارِقِ الْمُنْقَضِيَةِ الْمُضْمَحِلَّةِ، فَاكْتَفَى بِإِخْبَارِ الْأَنْبِيَاءِ وَتَوَاتُرِ ذَلِكَ عَنْ سَيِّدِ وَلَدِ آدَمَ إِمَامِ الْأَتْقِيَاءِ، مِمَّنْ أَنْ يُذْكَرَ أَمْرُهُ الْحَقِيرُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى جَلَالِ اللَّهِ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَوَكَّلَ بَيَانَ أَمْرِهِ إِلَى كُلِّ نَبِيٍّ كَرِيمٍ». فإذن خلاصة ما ذكره الحافظ، ما ذكره الحافظ ابن كثير في عدم ذكره في القرآن، أنه أحقر وأصغر من أن يُذكر لأنه ادعى الألوهية، ثم أورد إشكالاً آخر فقال رحمه الله: «فإن قلت: فقد ذكر فرعون في القرآن، وقد ادعى ما ادعاه الدجال من الإلهية والكذب والبهتان، حيث قال فرعون: أنا ربكم الأعلى، فلماذا ذكر فرعون وهو يدعي الألوهية ولم يكن أمره أحقر وأصغر من أن يُذكر، ولم يُذكر المسيح الدجال في القرآن، وكلاهما وكلاهما ادعى الألوهية والكذب والبهتان؟». فأجاب عن ذلك الحافظ ابن كثير عليه رحمة الله بقوله: «أن أمر فرعون قد انقضى وتبين كذبه، هذا أمر قد مضى، أمر فرعون وتبين كذبه لكل مؤمن وعاقل، قال: وأمر الدجال سيأتي، فكون أمره سيأتي ولم ينقضِ بعد، فكان هذا هو السبب في عدم ذكره وتعظيم شأنه لأنه أحقر من أن يُذكر». هذا هو الفرق بين الأمرين، هذا هو الفرق بين الأمرين، فبهذا تزول هذه الشبهة إذا عرضت على المؤمن، أما غير المؤمن أو أهل البدع والضلال، فلأنهم من أتباع هذا الدجال فإنهم ينكرون وجوده أو خروجه بالكلية كما ذكر الحافظ، فهؤلاء في الحقيقة لا عبرة بمعارضتهم، لا عبرة بمعارضتهم، لأنهم يقدمون العقل على النقل وهم أهل أهواء، يقدمون أهواءهم، هؤلاء المعتزلة مثلاً يقولون: نحن ما نقبل إلا أحاديث... الأحاديث المتواترة، ما نقبل إلا الأحاديث المتواترة، أما أحاديث الآحاد فلا نقبلها، ومع هذا فإنهم يردون الأحاديث المتواترة التي لا توافق أهواءهم، مثل أحاديث الدجال ردوها، مع أن العلماء، علماء الحديث، حكموا عليها بالتواتر، حكموا عليها بالتواتر، ومن هنا يتبين لك حال صاحب الهوى، أنه لا يمشي على قواعد وإن قعدها هو، بل يخالف هذه القواعد متى ما خالفت هواه، والحق عند أهل السنة أن الأحاديث متى ما ثبتت سواء كانت عن طريق الآحاد أو عن طريق التواتر فهي مقبولة وهي مما يعمل به عند أهل السنة والجماعة. فهذا مقدمة ومدخل إلى معرفة شيء من هذه الفتنة فيما يتعلق بالمسيح الدجال، وإن شاء الله للحديث بقية في الدروس القادمة، إن شاء الله نذكر شيئاً من الأحاديث التي جاءت في وصف هذا الدجال، نكتفي بهذا اليوم، وإلى هنا والله تعالى. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر