أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 109

أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 109

الدرس في أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 109، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

خروج المسيح الدجال من خراسان وصفات أتباعه

يخرج المسيح الدجال من جهة المشرق من إقليم خراسان، ويتبعه سبعون ألفًا من يهود أصبهان عليهم الطيالسة الخضر، كما يتبعهم أقوام من الترك وجوههم كالمجان المطرقة، وقصده المدينة النبوية لأن الإيمان يأرز إليها في آخر الزمان، ويسلك طريقًا بين الشام والعراق، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم من سمع بخروجه أن يفر منه في الجبال.

قصة المؤمن مع الدجال وعبرة الفرار من الفتن

عند فتح القسطنطينية يفر المسلمون من الغنائم عند سماع خروج الدجال، ويخرج مؤمن في المدينة فيكذبه الدجال فيقتله ثم يحييه فيزداد بصيرة، ولا يستطيع الدجال قتله ثانية، ويبين العلماء أن هذا المؤمن خالف أمر النبي بالفرار لقوة إيمانه، لكن القاعدة العامة هي الفرار من الفتن حفظاً للدين لأن كثيراً من الناس يسقطون فيها لضعف إيمانهم.

النهي عن مجادلة أهل الأهواء ومجالستهم إلا للعالم الراسخ

أجمع أهل العلم على النهي عن مجادلة أهل الأهواء ومجالستهم، واستثنوا من ذلك العالم الراسخ في علوم الشريعة القادر على رد شبهاتهم وتفكيكها، أما العامة وطلبة العلم المبتدئون أو غير المتمكنين فالسلامة في الفرار منهم وحفظ الدين من الفتنة.

  • 12 جمادى الآخرة 1447هـ - 02/12/2025مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: فمن أين يخرج المسيح الدجال؟ يخرج من قبل المشرق، أي مشرق المدينة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنه في بحر الشام أو بحر اليمن، لا بل من قبل المشرق». وقوله: «إنه من بحر الشام» يعني البحر الأبيض المتوسط، وبحر اليمن الذي يسمى اليوم بحر العرب. فأولًا ذكر عليه الصلاة والسلام أنه يخرج في بحر الشام، ثم في بحر اليمن، ثم أضرب عن هذين الأمرين وقال: «بل من قبل المشرق». قال القرطبي رحمه الله تعالى في كتابه «التذكرة بأحوال الموتى» عند تعليقه على هذا الحديث: «شك أو ظن منه عليه الصلاة والسلام، أو قصد الإبهام على السامع، ثم نفى ذلك وأضرب عنه بالتحقيق فقال: لا بل من قبل المشرق». إذن هذا الحديث نص في أن الدجال يخرج من قبل المشرق. ومن أين يخرج؟ يخرج من خرسان. وخرسان حدودها: شمالًا من بحر القزوين ونهر جيحون، وجنوبًا يحدها كرمان، وشرقًا كابل، وغربًا حونقان، فهي بالقرب من أفغانستان. هذه هي خرسان، فأول ما يخرج منها الدجال. قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو يبين خروج هذا المسيح الدجال: قال أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه: «حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الدجال يخرج من أرض بالمشرق يقال لها خرسان، يتبعه أقوام كأن وجوههم المجان المطرقة». والحديث رواه أحمد وهو حديث صحيح. فدل هذا الحديث أولًا على ابتداء خروج الدجال وأنه يخرج من خرسان، وفيه أيضًا أن هذا الدجال له أتباع، ومن أتباعه أقوام وجوههم كالمجان المطرقة. المجان: جمع مجن، وهو الترس الذي يستخدم في الحروب، والمطرقة: أي التي أطرق بعضها فوق بعض. والمعنى في وصف هؤلاء القوم كما قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: أنه تشبيه وجوه الترك، لأن هؤلاء من الترك، وجوه تشبيه الترك في عرضها أنها عريضة، يعني متسعة، متسعة الاتجاهات. قال: «ومعنى تشبيه وجوه الترك في عرضها ونتوء جناتها»، يعني خروج النتوء هو البروز والخروج. ومعنى ذلك أن وجوه هؤلاء في عرضها ونتوء جناتها شبهها بالترس المطرقة، لأن الترس تكون واسعة ومستديرة، والمطرقة: أي كأن بعضها فوق بعض، بمعنى أنها فيها نتوء وبروز، فيها نتوء وبروز. وكذلك يتبعه من يهود أصبهان سبعون ألفًا، عليهم الطيالسة. وأصبهان هي مدينة اليوم جنوب طهران في إيران، تبعد عنها أربعمائة وخمسين كيلومترًا. هذه أصبهان. وأما الطيالسة: فالطيلسان نوع من الأكسية يغطي به اليهود رؤوسهم وأكتافهم، فهو أشبه بما يسمى اليوم عندنا بالشال، الشال الكبير الذي يستخدمه خصوصًا بعض البدو في البرد أو نحوه، فهي شبيهة بذلك يغطون بها رؤوسهم. يعني ليس مثل الشال هذا، هذا صغير، هذا تأتي أكبر من ذلك، تأتي أكبر من هذه العمائم التي نلبسها، فيضعونها إما على رؤوسهم يسقطونها على الصدور، وإما أن يضعونها على أكتافهم، على أكتافهم. فهذا الحديث أيضًا فيه أن الدجال يتبعه من اليهود، وأن اليهود من أتباع الدجال. ودليل ذلك ما جاء في مسلم: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يتبع الدجال من يهود أصبهان سبعون ألفًا عليهم الطيالسة». يقول الحافظ ابن كثير عليه رحمة الله: «بدء ظهوره -أي الدجال- من أصبهان من حارة بها يقال لها اليهودية، وينصره من أهلها سبعون ألفًا، سبعون ألف يهودي عليهم الأسلحة والسيجان، وهي الطيالسة الخضر، وكذلك ينصره سبعون ألفًا من التتار، وخلق من أهل خرسان». ذكر هذا في «البداية والنهاية». فإذا يخرج الدجال بهؤلاء الأتباع، وهمه وهمته وقصده المدينة، أي مدينة النبي صلى الله عليه وسلم، المدينة النبوية. فقد جاء في صحيح مسلم أيضًا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يأتي المسيح من قبل المشرق، يشرق همته المدينة». همته المدينة: يعني قصده ووجهته المدينة. وذكر أهل العلم أن العلة في قصده المدينة دون غيرها من البلاد: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن الإيمان في آخر الزمان يأرز إليها، ومعنى يأرز: أي ينضم إليها ويجتمع بعضه إلى بعض فيها، فيكون الدجال أطمع لأن يدخل هذه المدينة كي يفتن أهل الإيمان، كي يفتن أهل الإيمان، ولكنه لا يستطيع ذلك، وإنما يبقى في موضع بعيد شيء ما من المدينة ولا يستطيع دخولها. فالإيمان في آخر الزمان كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم يأرز إلى المدينة، وهذا الحديث متفق عليه: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها»، أي كما تنضم وتجتمع الحية في جحرها. هذا معنى الحديث. وهكذا الدجال يذهب إلى المدينة من طريق بين الشام والعراق، بين الشام والعراق. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنه خارج خلة بين الشام والعراق». رواه مسلم. ومعنى خلة: أي طريق يسلك، هذه الطريق قاصدًا إلى المدينة. قال القرطبي: «مبتدأ خروج الدجال من خرسان، ثم يخرج إلى الحجاز فيما بين العراق والشام، فيما بين العراق والشام». طيب، كيف يكون حال الناس في ذاك الوقت وهو إذا سمعوا بخروج الدجال؟ أولًا: أن الناس وأهل الإيمان يفرون منه في الجبال، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من سمع بالدجال فلينأَ عنه»، أي يبتعد عنه، يبتعد عنه. فأهل الإيمان يأخذون بوصية النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «لا يفرن الناس من الدجال في الجبال، في الجبال». وهذا الحديث رواه مسلم. كذلك مما تقدم معنا فيما يقع من حروب في القسطنطينية، أي من فتح، فلما يفتح المسلمون القسطنطينية وبدأوا يغنمون الغنائم، فيأتيهم الصارخ أن الدجال قد خرج، أن الدجال قد خرج، فيلقي الناس ما في أيديهم من الغنائم ومن الأموال فزعًا على نسائهم وصبيانهم، ويذهبون إلى أهاليهم، ويذهبون إلى أهاليهم. كذلك مما يقع عند خروج الدجال: أنه يخرج إليه عند مقدمه المدينة رجل مؤمن من أهلها، رجل مؤمن من أهلها، شاب مؤمن، فيخرج إلى الدجال ويقول للدجال: «أشهد أنك أنت الدجال»، فيقتله الدجال ثم يحييه، ثم يقول هذا الرجل: «ما ازددت فيك إلا بصيرة»، فيريد أن يقتله مرة أخرى فلا يستطيع، ولا يصلط بعد ذلك على أحد. ودليل ذلك أيضًا ما جاء في الصحيحين: قال عليه الصلاة والسلام: «فيخرج إليه يومئذ رجل هو خير الناس أو من خير الناس، فيقول له: أشهد أنك الدجال، أشهد أنك الدجال». وهذا الرجل لقوة إيمانه -لأنه جاء في هذا الحديث أنه خير الناس أو من خير الناس- فقد يقول قائل: لماذا لم يعمل بوصية النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: «من سمع بالدجال فلينأَ عنه»؟ فجمع أهل العلم أن هذا القول من النبي صلى الله عليه وسلم خشية أن يفتتن الناس به، خصوصًا من ضعف إيمانه. فهذا الرجل لما كان على علم وبصيرة وعلى قوة في إيمان، تعرض لهذا الدجال وفضح هذا الدجال، وبين للناس أن هذا الدجال كذاب وليس برب كما يزعم، وليس برب كما يزعم. فهذا من قوة إيمانه، وإلا فالسلامة أن المؤمن إذا سمع بالدجال فليبتعد عنه، لأنه كما مر معنا معه فتن عظيمة، لربما يضعف الإنسان أمامها، فله جنة وله نار، وعنده من الأموال، وكذلك ربما يقتل ونحو ذلك، ويبطش ونحو ذلك. فمن أجل عظيم ما أوتي من تلك الفتن يخشى على المسلم أن يفتتن بفتنته، فالسلامة أن يبتعد. وأنت الآن انظر إلى معرفة الناس ببعض الفتن، ومع هذا يتساقطون فيها، لماذا؟ بسبب ضعف الإيمان. إنسان مثلًا يقال له: يا أخي لا تخالط النساء، النساء فتنة، قال: نعرف أنها فتنة لكن أنا إيماني قوي، فإذا به يضعف شيئًا فشيئًا، وإلا فإذا به يقع في فتنة النساء، ويقع في زنا أو في كذلك علاقات مشبوهة أو نحو ذلك، بسبب ماذا؟ عدم صبره على مقاومة هذه الفتنة، على مقاومة هذه الفتنة. وهكذا كم من أناس يعلمون فتنة المال، فتنة كذلك مجادلة أهل الباطل، فيجده يجادل أهل الباطل فيأتون له بشبه فتؤثر فيه هذه الشبه، ويكون في قلبه من الشك أو من كذلك التضعضع في إيمانه وفي منهجه ونحو ذلك. فلذلك السلامة لا يعادلها شيء، السلامة لا يعادلها شيء، فيفر الإنسان من الفتن ولا يتعرض لها، ولا يقول: أنا أستطيع وأنا أستطيع. ولذلك ذكر أهل العلم أنه أو نهى أهل العلم عن مجادلة أهل الأهواء وعن مجالستهم، إلا لعالم يرد شبههم بعلم، ويقرأ في كتبهم وهو متضلع من علوم الشريعة، فيستطيع بذلك العلم بإذن الله عز وجل أن يرد هذا الباطل وأن يفند تلك الشبه. أما الإنسان العام الضعيف، أو طالب علم مبتدئ، أو طالب علم كذلك ولو كان قويًا لكنه ما عنده تلك الملكة الكافية في رد شبه أهل الباطل، فالسلامة لا يعادلها شيء، السلامة لا يعادلها شيء، فيفر من هؤلاء ولا يعرض دينه للإفتتان. طيب، نكتفي بهذا اليوم. وإلهنا الله تعالى ترجمة نانسي قنقر.