باب الصبر من رياض الصالحين 8

باب الصبر من رياض الصالحين 8

الدرس في باب الصبر من رياض الصالحين 8، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

معنى الصدقة كبرهان على الإيمان

الصدقة تُعد دليلاً على صدق الإيمان لأن النفس تميل إلى حب المال، فبذلها تقرباً لله يُظهر إيثار الآخرة. كما أن القرآن يكون حجة للعبد يوم القيامة إن عمل بأوامره، وإلا كان حجة عليه.

القرآن حجة للعبد أو عليه

القرآن إما حجة للإنسان إن اتبعه أو حجة عليه إن خالفه، ولا توجد مرتبة ثالثة. حديث النبي صلى الله عليه وسلم يقسم سعي الناس إلى من يحرر نفسه بالطاعة ومن يهلكها بالمعصية.

بيع النفس: عتقها بالطاعة أو إوباقها بالمعصية

من يبدأ يومه بالطاعة ويحافظ على الفرائض ويكتسب الحلال يبيع نفسه فيعتقها من النار. بينما من يفتتح يومه بالمعصية ويترك الصلاة يبيع نفسه فيوبقها في النار.

تفسير آية ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ والحث على الاجتهاد

الآية تنفي الإثم عن المؤمنين الذين اتقوا وآمنوا فيما طعموه قبل التحريم. الحديث النبوي يحث المسلم العاقل على اختيار طريق السعادة والجنة بالعمل الصالح.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد: فلا زلنا في شرح حديث أبي مالك الأشعري رضي الله عنه، ومما جاء في هذا الحديث قول النبي صلى الله عليه وسلم: «والصدقة برهان». الصدقة هي بذل المال تقربا إلى الله سبحانه وتعالى، سواء كان للأهل، أو كذلك للفقراء والمساكين والأرامل والأيتام، أو المصالح العامة مثل بناء المساجد ودور الأيتام ودور العلم، أو كذلك الإنفاق على العلماء وعلى المجاهدين في سبيل الله. كل هذا يدخل في معنى الصدقة. فالصدقة، أي إخراج المسلم لهذه الصدقة، هذا دليل على إيمانه، برهان بمعنى دليل، وكذلك حجة على صدق إيمانه. لماذا؟ لأن المال محبوب لدى النفوس، فكون الإنسان يبذل ويخرج من ماله، ما الذي دفعه إلى ذلك؟ مع أن هذا المال محبب إليه، ما الذي دفعه إلى إخراج هذه الصدقات؟ إنه الإيمان، يبتغي بذلك ما عند الله، يبتغي بذلك ما عند الله سبحانه وتعالى، وإلا فالنفوس شحيحة بالمال، فإذا بذله الإنسان فإنه لا يبذل إلا ما يحب لما هو أحب إليه منه. فإخراج هذا المال أحب لهذا الإنسان من بقاء هذا المال، وهذا علامة إيمانه، علامة إيمانه. ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث: «القرآن حجة لك أو عليك». لأن القرآن هو نور الله، وهو حجة الله على خلقه، ففي هذا القرآن من الأوامر، وفي هذا القرآن من النواهي، وفي هذا القرآن من الأخبار. فإذا من عمل بأوامر القرآن واجتنب نواهيه وصدق أخباره، فهذا القرآن حجة له يوم القيامة، حجة له يوم القيامة، يدافع عنه ويشفع له ويحاج عنه، كما جاء في كثير من الأحاديث أن سورة البقرة وآل عمران تحاجان عن صاحبهما، تحاجان عن صاحبهما، حج له ودفاع عنه. متى هذا؟ إذا عمل بأوامره واجتنب نواهيه وصدق أخباره. وأما إذا كان الأمر بالعكس، لم يقم لهذا القرآن بالا، فلم يأتمر بأمره ولم ينتهي عن نهيه ولم يصدق بأخباره، فهذا القرآن يكون حجة عليه، حجة عليه يوم القيامة. وفي هذا الحديث ما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم إلا مرتبتين: مرتبة الحجة لصاحبه، ومرتبة الحجة على صاحبه، فلم يذكر مرتبة بين هاتين المرتبتين، يعني لم يذكر أن القرآن لا لك ولا عليك، لا، إما لك وإما عليك، ما في هناك ليس لك وليس عليه، لأنه لابد أن يكون إما لك وإما عليك. على كل حال، فاختر لنفسك إحدى المرتبتين، ولا شك أن العاقل الذي يختار لنفسه المرتبة الأولى أن يكون القرآن حجة له يوم القيامة عند ربه. ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم في ختام هذا الحديث، وبه نختم: «كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها». ومعنى «كل الناس يغدو»: أي كل الناس يبدأ يومه من الغدوة، والغدوة هو أول النهار، لأن الله عز وجل جعل الليل سكنا، يغتسل فيه الناس وتهدأ فيه الأعصاب ويستريح فيه البدن ويستجد فيه نشاط الإنسان. فإذا نام الإنسان رفع عنه القلم، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، قال عليه الصلاة والسلام: «رفع القلم عن ثلاثة»، ومنهم عن النائم حتى يستيقظ، لأنه في عالم آخر. فإذا استيقظ غدا، سعى في هذه الأرض، فالناس في سعيهم كذلك ينقسمون إلى قسمين، لأن كل الناس تغدو، ما حد يجلس، كل الناس إذا صحت من نومها لا بد أن تعمل، لا بد أن تعمل. فهنا قسم النبي صلى الله عليه وسلم عمل الناس إلى قسمين، قال: «فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها». إيش معنى «بائع نفسه فمعتقها»؟ بمعنى أن المسلم الذي يغدو في طاعة الله، يغدو في مرضاة الله، يقوم من نومه فيذكر الله ويصلي صلاة الفجر، ويقرأ ما تيسر له من القرآن، ويأتي بأذكار الصباح، ثم يذهب في ما أحل الله له من طيبات هذه الحياة الدنيا، وهكذا يحافظ على الصلوات، يأتمر بأمر الله وينتهي عما نهاه الله عنه، فهذا باع نفسه فأعتقها، أعتقها من أي؟ من النار. «فبائع نفسه فمعتقها»: أي معتقها من النار بأعماله الصالحة، بأعماله الطيبة. والقسم الثاني: هو من يغدو فيبيع نفسه فيوبقها في النار، والعياذ بالله، يوبقها في النار، تكون هذه النفس من أهل النار. لماذا؟ لأنه أول ما فتح عينه فإذا به يعصي الله، فإذا به يترك صلاة الفجر ينام عنها، فإذا به لا يؤدي الصلوات، فإذا به ينهمك في الشهوات والملذات المحرمة. هذا باع نفسه فأوبقها، والعياذ بالله، في النار. فلذلك هذا الكافر يوم القيامة يعاقب حتى على النعم الدنيوية من المآكل والمشارب ونحو ذلك، أما المؤمن فإنه يثاب على ما أعطي من نعم في هذه الدنيا لأنه استعان بها على طاعة الله وشكر الله عز وجل عليها. ولذلك يقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. فمفهوم هذه الآية أنها للذين كفروا ليست خالصة يوم القيامة، إنما هي خالصة يوم القيامة لأهل الإيمان، لأنه قال: ﴿قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، أي يتمتعون بها ويجازون عليها، وهي تكون كذلك لهم يوم القيامة خالصة دون غيرهم ممن أوبق نفسه، والعياذ بالله، في النار. وكما قال الله عز وجل في الآية الأخرى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾، يعني فيما تمتعوا به من المطاعم في هذه الحياة. فمفهوم الآية أن على غير المؤمنين جناح فيما طعموه، لأن الله عز وجل خص أهل الإيمان بعدم الجناح، الجناح هو يعني الإثم، ليس عليهم إثم، ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا﴾. فإذا ينبغي للمسلم أن يغدو فيعتق نفسه من النار، ويحذر من أن يوبقها في النار، والعياذ بالله. وفي هذا الحديث قسم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: القرآن حجة لهم أو عليهم، وهكذا قسم الناس: قسم يعتقون أنفسهم بأعمالهم الصالحة، وقسم يهلكون أنفسهم بأعمالهم السيئة. فينبغي للمسلم العاقل أن يختار لنفسه ما يكون سببا في سعادته وفي دخوله جنة ربه سبحانه وتعالى. طيب، نكتفي بهذا، وإلهنا والله تعالى.