التعليق على رسالة الخشوع في الصلاة 2

التعليق على رسالة الخشوع في الصلاة 2

الدرس في التعليق على رسالة الخشوع في الصلاة 2، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

حقيقة الخشوع ومصدره وخشوع النفاق

الخشوع الحقيقي ينبع من تعظيم الله في القلب فيتبعه خضوع الجوارح، بينما خشوع الجوارح دون القلب يعد خشوع نفاق تعوذ منه السلف. تُظهر أمثلة النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وقصة حنظلة أهمية مجالس العلم والذكر لإحياء القلب ودوام الخشوع.

معاني الذل والانكسار في الخشوع

الخشوع في الصلاة يعني التواضع والذل والانكسار بين يدي الله، ويستحب وضع اليدين على الصدر هيئة للخضوع. تربط الأحاديث والآثار بين كمال الخشوع وتكفير الذنوب، وتحذر من ترك الذل لله فيؤدي إلى الذل لغيره.

علاقة الخشوع بيوم القيامة ورفعة العبد

الذل والخشوع لله في الصلاة سبب للرفعة في الدنيا والآخرة، والخشوع الحقيقي هو تفريغ القلب للدنيا واستحضار عظمة الله ويوم القيامة. من خشع قلبه خشعت جوارحه، والناس يحشرون يوم القيامة على قدر صنيعهم في الصلاة.

حكم الالتفات في الصلاة وأدلة النهي

النهي عن الالتفات في الصلاة ثابت من القرآن والسنة، لأن الالتفات ينقص الخشوع ويجعل الله يعرض عن العبد. الجمهور على كراهته وعدم إبطاله للصلاة، مع تفصيل أنواع الالتفات واستثناء حالات الضرورة.

الذل والخضوع في الركوع والسجود

الركوع والسجود مظهران للذل والخضوع لله بظاهر الجسد وباطن القلب، والسجود أقرب ما يكون العبد إلى ربه. شرع الله للعبد أن يسبح في ركوعه بـ"سبحان ربي العظيم" وفي سجوده بـ"سبحان ربي الأعلى" استشعاراً لعظمة الله وذله له.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فقد أخذنا بالآمس ما ذكره المؤلف، الحافظ ابن رجب، في هذه الرسالة. الرسالة صغيرة لكنها كبيرة المعنى، معناها كبير جداً. فذكر الخشوع في الصلاة، ذكر فضله، وذكر أيضاً منبع الخشوع وهو القلب، وأيضاً ذكر كيف يأتي الخشوع، وهو بتعظيم الله جل وعلا، ومعرفة الله سبحانه وتعالى. إذا عرف العبد ربه فإنه يخضع قلبه له، لأنه يعرفه بعظمته سبحانه وتعالى وكبريائه، فيخضع لله جل وعلا. قال رحمه الله: وقد شرع الله تعالى لعباده من أنواع العبادات ما يظهر فيه خشوع الأبدان. وقد ذكر رحمه الله خشوع القلب ثم أتبعه بخشوع الأبدان. والنتيجة التي حاول الحافظ ابن رجب أن يبينها هي أن القلب يخشع والأبدان تخشع. فإذا خشع القلب خشعت الجوارح، وإذا خشعت الجوارح فإن هذا من التكلف، يعني خشوع الجوارح بدون خشوع القلب يعتبر شيئاً من التكلف، أي أنه خشوع زائد. سماه السلف خشوع النفاق، سماه السلف خشوع النفاق، وكانوا يتعوذون من ذلك. كان سفيان الثوري يقول: نعوذ بالله من خشوع النفاق، وهو أن يظهر بجوارحه أنه خاشع وقلبه خاوٍ، وقلبه لاهٍ، وقلبه غافل. فهذا ليس من الخشوع المطلوب. فلابد معنى أكمل الخشوع أن يكون بالقلب ثم تتبعه الجوارح. والناس يختلفون في ذلك بين مستكثر ومستقل، وكلما زاد يقين العبد وعظمته لله جل وعلا زاد خشوعه وخضوعه لله سبحانه وتعالى. ولهذا عُرف كثير من السلف، وقدوتهم أيضاً نبي الله صلى الله عليه وسلم، بكثرة الخشوع والبكاء في الصلاة. فكان النبي عليه الصلاة والسلام يبكي حتى يسمع له صوت كصوت المرجل، وكان يقول: «إني أناجي من لا تناجون»، يناجي الله عز وجل. وكان أبو بكر رضي الله عنه إذا قرأ كان يبكي، حتى أن كفار قريش خافوا من نسائهم وأولادهم أن يسحروا، كما يزعمون، لأنهم يسمعون أبا بكر يقرأ القرآن ويبكي في قراءته. ولما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مروا أبا بكر فليصل بالناس»، قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: إن أبا بكر رجل أسيف، حزين، فإذا صلى لا يسمع الناس القراءة من كثرة البكاء. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مروا أبا بكر فليصل بالناس». قال رحمه الله: وقد شرع الله تعالى لعباده من أنواع العبادات ما يظهر فيه خشوع الأبدان الناشع عن خشوع القلب وذله وانكساره. ومن أعظم ما يظهر فيه خشوع الأبدان لله تعالى من العبادات الصلاة. وقد مدح الله تعالى الخاشعين فيها بقوله عز وجل: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾. أعظم ظهور الخشوع في أعظم عبادة وهي الصلاة. أن أعظم عبادة يظهر فيها الخشوع، سواء كان خشوع القلب أو خشوع الأبدان، هي الصلاة. وإلا ف الخشوع ليس المراد فقط في الصلاة، الخشوع العبد لربه وخضوعه وذله وانكساره ليس فقط في الصلاة، بل حتى خارج الصلاة في دعائه، حتى في حياته اليومية، في أعماله الصالحة، في تركه المعاصي. يترك المعاصي عظمة لله، لأنه عظم الله عز وجل في قلبه، فخضع لله وخشع قلبه لله. فإذا كان القلب خاشعاً في وقته أو في طول وقته، فلا شك أنه سيبتعد عن المعاصي ويبعد عنه الشيطان. ولهذا لما جاء حنظلة رضي الله تعالى عنه، حنظلة بن أسيد، جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو جاء إلى أبي بكر أول، فقال: يا أبا بكر، نافق حنظلة. فقال: وما ذاك يا حنظلة؟ قال: نكون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فيذكرنا بالجنة وكأننا نراها رأي عين، ويذكرنا بالنار فكأننا نراها رأي عين، كأنه يقين عندنا في الجنة والنار. ثم نخرج من عند النبي عليه الصلاة والسلام إلى بيوتنا، فنعافس الزوجات ونلاعب الأولاد، وننسى ذلك الخشوع والخضوع الذي يكون في مجلس النبي عليه الصلاة والسلام. نتذكر الجنة، نتذكر ما أعده الله عز وجل في الجنة، وكذلك يخوفنا من النار، فنتذكر أهوالها، تذكر جحيمها. ثم إذا ذهبنا إلى البيوت عافسنا الأزواج ولعبنا الأولاد، ونسينا، كأن القلب يغفل قليلاً عن تلك الحالة التي كنا عليها في مجلس النبي عليه الصلاة والسلام. فقال أبو بكر لحنظلة: صدقت يا حنظلة، كلنا نجد ذلك. فذهبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فذهبوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلما دخل حنظلة على رسول الله قال: يا رسول الله، نافق حنظلة. قال له: وما ذاك يا رسول الله؟ ثم ذكر له ما ذكره لأبي بكر. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لو أنكم تدومون على ما أنتم عليه عندي في المجلس، قلوبكم لا تتحرك، دائماً على هذا الخشوع ودائماً على هذا الخضوع، لو كانت قلوبكم هكذا لصافحتكم الملائكة في الطرقات». يعني لو تدومون على هذه الحالة ما يتغير القلب أبداً، فعندها سيصير الإنسان كالملك، سيصير هذا الإنسان كالملك، ما يخطئ أبداً ولا يفعل السوء أبداً. فقال: «لصافحتكم الملائكة في الطرقات». ولكن يا حنظلة، ساعة وساعة. ساعة وساعة، ليس كما يقول بعض الناس: ساعة لك وساعة لربك. لا، ساعة وساعة. ساعة يجد العبد إيمانه، خوفاً وإيماناً قوياً وحزناً ورغبة إلى الله عز وجل، يتمنى عندما يسمع الموعظة، يسمع الكلام، يتمنى أن يكون من أول من يستجيب لهذا الكلام. لكن إذا خرج نسي، نسي أشياء كثيرة، بل تجد أنه ينسى كل الكلام الذي قيل، ويتغير قلبه، ليس ذاك الذي كان موجوداً في المسجد. ولهذا أيها الإخوة الكرام، الإنسان إذا غفل عن هذه المجالس وابتعد عنها يغفل قلبه، يغفل قلبه، وتأتي أشياء أخرى تنهمك عليه، يأتي الشيطان، تأتي الدنيا، تأتي أشياء كثيرة تتراكم على قلبه. فلذا فهذه المجالس مجالس عظيمة، لا تجعل العبد لا يزال على الخير. حتى لو كانت دروس علم، ليس المقصود الموعظة، حتى لو كانت دروس علم، فإنها يكون القلب فيها أعظم مما يكون في غيرها من المجالس. ولهذا الله عز وجل قال لنبيه الكريم عليه الصلاة والسلام: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾. أي ضياع. فأقذ كما ذكر الإمام الشقيطي وغيره أن من ترك هذه المجالس ضيع نفسه. من ترك هذه المجالس، مجالس العلم ومجالس الوعظ ومجالس الذكر، فإنه يضيع نفسه، يضيع نفسه. فقال الله عز وجل: ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾، أي ضياع. فهذه المجالس عظيمة، فهي من المجالس التي تحيي قلب العبد. وقال ابن لهيعة عن عطاء بن دينار رحمة الله عليه، عن سعيد بن جبير رحمه الله قال: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾، يعني متواضعين، لا يعرف من عن يمينه ولا من عن شماله، ولا يلتفت من الخشوع لله عز وجل، ويريد في الصلاة أنه لا يدري حتى من الذي عن يمينه ومن عن شماله، حتى لا يتصنع مثلاً لأحد، فهو لا يدري من عن يمينه ولا يدري من عن شماله، فهو يصلي لله عز وجل. إن جاءه البكاء بكى وخشع لله عز وجل. فهذا معنى كلام سعيد بن جبير. وإن كان الإسناد فيه ابن لهيعة، وابن لهيعة فيه ضعف، لكن معنى هذا الأثر مشهور عن سعيد. وقال ابن المبارك عن نافع، عن جعفر، عن ليث، عن مجاهد في قوله جل وعلا: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾، قال: القنوت: الركوع والخشوع، وغض البصر، وخفض الجناح من رهبة الله عز وجل. فهذا القنوت، أي فيه الصلاة أو فيه خارج الصلاة. وقال: وكان العلماء إذا قام أحدهم في الصلاة هاب الرحمن عز وجل أن يشد نظره، أو يلتفت، أو يقلب الحصى، أو يعبث بشيء، أو يحدث نفسه بشيء من الدنيا، إلا ناسياً، ما دام في صلاته. معنى: إذا وقف أحدهم تذكر أنه بين يدي الله. وهذا هو الذي رفع السلف، أن عندهم يقيناً، يقيناً عظيماً. فهو إذا قام إلى الصلاة يعلم أنه يقابل الله عز وجل. ولهذا قد ذكرنا بالأمس ما جاء عن الحسين، أو علي بن الحسين، كان رحمه الله إذا وقف في الصلاة اصفر وجهه وانتفض جسده. لما سألوه قال: أتدري من أقابل؟ فهم لما عظموا الله عز وجل في قلوبهم عظموا ذلك الموقف. ولهذا لا يستطيع الإنسان أن يعبث في الصلاة، لماذا؟ لأنه يعلم أنه يقف بين يدي الله. لو أن إنساناً وقف عند ملك من ملوك الدنيا، هل يستطيع أن يعبث عنده؟ بل سيجد الصمت ويجد الهيبة ويجد كذا وكذا. وهذا ملك الملوك العظيم سبحانه وتعالى، فأنت تقف بين يدي الله جل وعلا، بين يدي العظيم سبحانه وتعالى، العزيز، فيحتاج منك أن تستشعر هذا الموقف. فلذا إذا استشعر الإنسان هذا الموقف لم يعبث في صلاته أبداً. وهذا الذي كان عند السلف. ولهذا كما قلنا: يقوم الواحد منهم حتى أنه يحسب أنه عمود، تأتي الطيور وتقف فيه. وقال منصور عن مجاهد رحمه الله في قوله تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾، قال: الخشوع في الصلاة. وقال: وخرج الإمام أحمد والنسائي والترمذي من حديث الفضل بن عباس رضي الله تعالى عنهما عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «الصلاة مثنى مثنى، تشهد في كل ركعتين، وتخشع وتضرع وتمسكن وتقنع يديك»، يقول: ترفعهما إلى ربك عز وجل وتقول: يا ربي، يا ربي، يا ربي، ثلاثاً. فمن لم يفعل ذلك فهي خداج. وهذا الحديث جاء بسناد لا بأس به، وقد نقل الإمام الترمذي عن البخاري أنه حسن هذا الحديث، وقال: هذا صحيح. «الصلاة مثنى مثنى، تشهد في كل ركعتين، وتخشع وتضرع»، أن هذا كمال الصلاة. «وتمسكن»، تمسكن لله، معنى تمسكن: إما يكون من السكون، أو من الحاجة، معنى أن الله عز وجل أنك محتاج إليه سبحانه وتعالى، وهو الصمد الذي تصمد إليه الأشياء. «وتقنع يديك»، أن التقنع: ترفعهما، ترفعهما إلى ربك عز وجل، وتقول: يا ربي، يا ربي، يا ربي. وقد كان السلف يقولون: إن من ذكر الرب في دعائه خمس مرات استجاب الله عز وجل له. استدلوا بالآيات التي في آخر سورة آل عمران، ثم قال الله عز وجل: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ﴾. فمن توسل باسم الرب جل وعلا، ودعا الله باسمه، باسم أنه الرب سبحانه وتعالى، استجاب الله عز وجل لدعائه. حتى قال بعض العلماء: إن هذا هو الاسم الأعظم. وهنا في هذا الحديث يقول: يا ربي، يا ربي، يا ربي، ثلاثاً. فمن لم يفعل ذلك فهي خداج، فيها شيء من النقص. قال: في صحيح مسلم عن عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب، ما لم تؤت كبيرة، وذلك الدهر كله». ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها، يتوضأ وضوءاً مثل وضوء النبي عليه الصلاة والسلام، وخشوعها، يخشع في صلاته، وركوعها، يتم الركوع والسجود، إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب. أن هذه الصلاة التي تكفر الذنوب، وليس كل صلاة. معنى: الذي يؤدي صلاة صحيحة مثل ما كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك أيضاً يتخشع فيها، يخشع في صلاته. وكما قد ذكرنا قبل أن العلماء قالوا: أن العبد ليس له من صلاته إلا ما عقل، إلا ما خشع فيها. فلذا قد يتحصل على عشر أجر، أجر الصلاة، بسبب أن خشوعه كان قليلاً. قال: ومما يظهر فيه الخشوع والذل والانكسار... قال: ومما يظهر فيه الخشوع والذل والانكسار من أفعال الصلاة: وضع اليدين إحداهما على الأخرى في حال القيام. يبين الأماكن التي يكون فيها الخشوع في الصلاة. من ذلك وضع اليدين في الصلاة إذا وضعها في حال القيام. قالوا: قد روي عن الإمام محمد رحمه الله أنه سئل عن المراد بذلك، قال: هو ذل بين يدي عزيزي. سئل الإمام محمد: لماذا المصلي يضع يديه على جسده، أو بين... معنى يضع يده اليسرى واليمنى على جسده، على بطن أو على صدره؟ فسئل الإمام محمد عن ذلك، فقال هذه الكلمة العظيمة: قال: هو ذل بين يدي عزيز. لأن هذه الهيئة هيئة الذل، يذل بين يدي الله. لأن العبد إذا لم يذل بين يدي الله فإنه سيذل بين يدي غيره. هؤلاء الذين تركوا الذل بين يدي الله، أذلهم الله عند غيره، عند مخلوق غيره. انظر إلى كفار قريش، بعضهم كان متكبراً، لما قرأ النبي عليه الصلاة والسلام سورة النجم، الحديث الصحيح، لما قرأ النبي عليه الصلاة والسلام سورة النجم، وفي آخرها قال: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾، فسجد المسلمون والكفار، إلا رجل واحد من الكفار، أخذ كفا من تراب ووضعه في جبهته، قال: يكفيني هذا. قيل أنه أمية بن خلف. هنا الآن هذا الرجل ما يريد أن يذل لله، لكنه يذل الأصنام، يعبد الأصنام ويسجد للأصنام. وأن استبدل هذا الذل بالذل لهذه الأحجار، الجمادات التي لا تتكلم ولا تفهم ولا تسمع. فلذا كما قال الإمام ابن القيم، وكذلك شيخ الإسلام، وغيره من أئمة الإسلام: أن من لم يذل لله أذله الله عز وجل لغيره. صابه الذل لغير الله، ذل لغير الله. بعضهم يتكبر، يقول: أنا أسجد وأمس التراب، لا، أنا ما سأفعل هذا. فيعيشه الله عز وجل ذلاً عند أناس من المخلوقين، يذلون إما بالتعذيب، إما أيضاً كذلك بالأوامر، يكون ذليلاً عند ملك أو عند مسؤول أو عند كذا، فيذله الله عز وجل. فلذا فالذل بين يدي الله عز... لأنك تذل بين من يستحق الذل. فالذل بين يدي الله عز للعبد ورفعة للعبد. وكلما ذل العبد لله كلما رفعه الله عز وجل. وهذا لا بد منه. كلما ذل العبد لله رفعه الله. ولهذا أعظم الناس عبادة الأنبياء، وقد رفعهم الله عز وجل في الدنيا والآخرة. فكلما ذل العبد لله وخضع لله كلما ارتفع عند الله عز وجل في الدنيا والآخرة. قال: قال: هو ذل بين يدي عزيز. قال علي بن محمد المصري الواعظ رحمة الله عليه: ما سمعت في العلم بأحسن من هذا. هؤلاء الذين يعرفون قدر هذا الكلام. يقول علي بن محمد المصري الواعظ رحمة الله عليه. بعض الناس، بعض المعاصرين، أخطأ، فقال: قال أبو الحسن المصري. قال: قال أبو الحسن المصري رحمه الله: ما سمعت في العلم بأحسن من هذا. فظن بعض الناس أنه يقصد هذا، أبو الحسن صاحب مارب. لا، هذا اسمه علي بن محمد المصري الواعظ، هذا قديم، وذكره الحافظ ابن رجب هنا، وأيضاً كنيته أبو الحسن، لكن ليس هذا، وإنما هذا رجل قديم، ذكره الحافظ ابن رجب في هذا الكتاب، وكذلك ذكره في لطائف المعارف. فقال علي بن محمد المصري الواعظ رحمه الله: ما سمعت في العلم بأحسن من هذا. معنى كلمة قد لا يلقي لها بال الإنسان، لكنها كلمة عظيمة. لما سئل الإمام أحمد: لماذا يضع الرجل المصلي يديه بعضهما على بعض؟ قال: هذا ذل بين يدي عزيز. هذا ذل بين يدي عزيز. وقال: وروي عن بشر الحافي رحمه الله أنه قال: اشتهيت منذ أربعين سنة أن أضع يداً على يد في الصلاة، ما يمنعني من ذلك إلا أن أكون قد أظهرت من الخشوع ما ليس في قلبي مثله. وهذا كان السلف يتحرجون من هذا، ويخافون أن يظهر الإنسان شيئاً من الخشوع الزائد عن القلب. وإنما الخشوع خشوع القلب. وقال: وروى محمد بن نصر المروزي رحمه الله بإسناده عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وأخرج أيضاً ابن أبي شيبة، قال: يحشر الناس يوم القيامة على قدر صنيعهم في الصلاة. وهذه كلمة عظيمة: على قدر صنيعهم في الصلاة. معنى: على قدر تعظيمهم لله في الصلاة. وكلما عظم العبد ربه جل وعلا في صلاته كلما كان أسبق في يوم القيامة. وقال: وفسره بعض رواته: يقبض شماله بيمينه، وينحني هكذا، أنه ينحني بصدره. قالوا: بإسناده عن أبي صالح السمان. ولهذا المصلي الأفضل أن يجعل صدره منخفضاً، لا يجعل صدره عالياً ومقابلة، لأن هذا بعيد من الخشوع. ولهذا بعض السلف كان يقول: من قدم صدره على جسده فلا يفلح. والمراد أن الإنسان يحاول أنه يتخشع في صلاة، لكن كما قلنا لا يفعل مثل هذا وهو وقلبه خاوٍ. وقال: بإسناده عن أبي صالح السمان، وهو الذكوان، قال: يبعث الناس يوم القيامة هكذا، ووضع إحدى يديه على الأخرى. فإني يوم القيامة في الحشر يبعثون هكذا. قالوا: ملاحظة هذا المعنى في الصلاة يوجب للمصلي أن يتذكر وقوفه بين يدي الله تعالى للحساب. أنا هذا يذكر: كلما قمت في الصلاة، وقفت بين يدي الله، تتذكر الموقف العظيم الذي يقف العبد بين يدي الله في الآخرة. ما من أحد إلا وسيقف بين يدي الله. ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾. قالوا: ملاحظة هذا. وقال: وكان ذنون رحمه الله تعالى يقول في وصف العباد: ذنون المصري، قيل أن اسمه هكذا، معنى اسمه ذنون، وقيل أن له اسماً لكن لم يشتهر به. قال: لو رأيت أحداً وقد قام إلى صلاته، فلما وقف في محرابه واستفتح كلام سيده، خطر على قلبه أن ذلك المقام هو المقام الذي يقوم الناس فيه لرب العالمين، فانخلع قلبه وذهل عقله. معنى: يقول: العباد الذين كانوا قبل، كان الإنسان يقف في الصلاة، فإذا قرأ القرآن تذكر يوم القيام، أنه سيقف بين يدي الله، فاستعظم هذا الموقف. قال: فانخلع قلبه، خلع قلبه، كأنه يصاب بشيء من الخشية والخشوع والذل لله عز وجل، بسبب رهبة ذلك الموقف. وقال: ومن ذلك إقباله على الله عز وجل وعدم التفاته إلى غيره. فهذا كلها وسائل تجعل العبد يخضع لله ويخشع في صلاته. قال: من ذلك الإقبال على الله وعدم التفاته إلى غيره، سواء كان الالتفات بالجسد أو بالقلب، وهو أعظم. قال: وهو نوعان: أحدهما عدم التفات قلبه إلى غير ما هو مناجٍ له، وتفريغ القلب للرب عز وجل. فرق قلبه لله، ترك المشاغل، وحضر قلبه في الصلاة، وجعل قلبه يهيم في الآخرة، يتذكر يوم القيامة، تذكر الوقوف بين يدي الله، تذكر كيف أن الناس يسحبون إلى النار، يسحبون كذا. حتى قيل لبعض السلف: ماذا تفكر في الصلاة؟ أيش تقول؟ أيش معنى... ذكر أشياء. قال: فإذا ركعت تذكرت النار، تذكر أنه لا يكون من أهل النار، وغير ذلك. فهذا مما يعين على الخشوع. ولهذا كما ذكرنا قبل أن الخشوع هو ذكر الدنيا، أو ترك الخشوع هو ذكر الدنيا. أما الإنسان يتذكر الآخرة وتذكر أمور الآخرة، حتى كما قلنا مسائل العلم، إذا كان الإنسان تذكرها في صلاة فهو لا يزال خاشعاً. أما إذا كان يتذكر الدنيا: متى سيخرج، متى سيدخل، فهذا هو ترك الخشوع. ويأتي بعد ذلك الشيطان ويلبس على العبد. أولاً: الإقبال على الله، عدم التفات قلبه إلى غير ما هو مناجٍ له، وتفريغ القلب للرب عز وجل. وفي صحيح مسلم عن عمر بن عبس رضي الله عنه عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه ذكر فضل الوضوء وطوابه، ثم قال: «فإن هو قام وصلى، فحمد الله وأثنى عليه ومجده بالذي هو أهله، وفرّغ قلبه لله، فرّغ قلبه لله». يعني قلبه مفرغ لله، يفكر في أمر الله، يفكر في تعظيم الله، في عظمة الله سبحانه وتعالى، يفكر في الدار الآخرة، فيكون قلبه مفرغاً من الدنيا، لا يذكر الدنيا ولا يذكر أهل الدنيا. «قال: وفرّغ قلبه لله، إلا انصرف من خطيئته كيوم ولدته أمه». وهذا الحديث كما ذكر في صحيح مسلم. وربط المؤلف رحمه الله هذا الكلام العظيم بالأحاديث حتى يكون استدلالاً قوياً. فذكر أن الإقبال على الله عز وجل أولاً: النوع الأول من الإقبال أنه يقبل بقلبه، وكيف يقبل قلبه؟ يفرغ قلبه لله، لا يلتفت إلى غير الله سبحانه وتعالى. قال: والثاني: عدم الالتفات بالبصر يميناً وشمالاً، وقصر النظر على موضع السجود، وهو من لوازم خشوع القلب وعدم التفاته. ولهذا رأى بعض السلف مصلياً يعبث في صلاته، فقال: لو خشع قلبه هذا لخشعت جوارحه. لو خشع قلبه هذا لخشعت جوارحه. وقد سبق ذكره. قلنا أنه لم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام، ولم يثبت أيضاً عن أبي هريرة ولا عن سعيد بن المسيب. وقال: وخرج الطبراني من حديث ابن سيرين عن أبي هريرة، قال: كان النبي عليه الصلاة والسلام يلتفت في الصلاة عن يمينه وعن يسار، ثم أنزل الله عز وجل: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾، قال: فخشع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يكن يلتفت يمنة ولا يسرة. وقال: ورواه غير عن ابن سيرين رحمه الله تعالى مرسلاً، وهو أصح. أنا هنا في حديث في الطبراني أنه رواه عن ابن سيرين عن أبي هريرة، وقد تفرد به حبرة بن نجم الإسكندري، وهو مجهول. والصحيح أن هذا مرسل، قد رواه أبو داود وغيره في المراسيل، مرسل من مراسيل ابن سيرين، وابن سيرين مراسيله من أفضل المراسيل. ولهذا أخذ به الشيخ الألباني رحمة الله عليه، بل وجمهور العلماء أخذوا بأن العبد في صلاة ينظر إلى موضع السجود، ينظر إلى موضع السجود، ولا يلتفت يميناً ولا شمالاً، ولا أيضاً يلتفت بعينيه إلى مكان آخر، معنى: من اليمين واليسار. لكن لو نظر أمامه لا بأس، بل قد جاء في حديث كما بوب على ذلك البخاري: قال: باب ينظر المصلي أمامه. وذكر حديث كثيرة، بي حديث الكسوف، وفي غيرها. وقال: وخرج ابن ماجة من حديث أم سلمة أم المؤمنين رضي الله عنها أنها قالت: كان الناس في عهد النبي عليه الصلاة والسلام إذا قام أحدهم يصلي لم يعد بصره موضع قدميه. فتوفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فكان أبو بكر، فكان الناس إذا قام أحدهم يصلي لم يعد بصره موضع جبينه، الجبين والجبهة. قال: فتوفي أبو بكر، فكان عمر رضي الله عنه، فكان الناس إذا قام أحدهم يصلي لم يعد بصر أحدهم موضع القبلة. وكان عثمان رضي الله عنه، فكانت الفتنة، فتلفت الناس يميناً وشمالاً. وهذا حديث حسن، لكن ظاهر أن بعض العلماء ضعفه، وإلا فمعناه عظيم. لكن كما قلنا إسناده فيه ضعف. طيب. قال: قال في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها أنها سألت النبي عليه الصلاة والسلام عن الالتفات في الصلاة، فقال: «هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد». اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد. معنى: يجد فرصة فيه حتى يجعله ينظر عن يمينه وعن شماله. وقال: وخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي من حديث أبي ذر رضي الله عنه عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «لا يزال الله مقبلاً على العبد في صلاته ما لم يلتفت، فإذا التفت انصرف عنه». وهذا الحديث حسن إسناده الشيخ الألباني رحمة الله عليه. أنا جاء بأسانيد فيها ضعف لكنها في الشواهد. «لا يزال الله مقبلاً على العبد في صلاته ما لم يلتفت، فإذا التفت انصرف عنه». وهذا يحمل على التفات القلب والتفات الجوارح. وقال: وخرج الإمام أحمد والترمذي من حديث الحارث الأشعري عن النبي عليه الصلاة والسلام أن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات أن يعمل بهن ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن. فذكر منها: «وآمركم بالصلاة». أنا وصية كبيرة، أوصى الله عز وجل بها يحيى بن زكريا، فأبطأ عليه، فقال له ابن خالته عيسى بن مريم: قال له: إن الله أمرك أن توصي بني إسرائيل بخمس كلمات، وقد أبطأت عليهم، إما أن تقوم أو أقوم أنا. فقال: لا، سأقوم فيهم. فقام فيهم، فذكر هذه الخمس الوصايا. ومن تلك الوصايا قال: «وآمركم بالصلاة، فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده ما لم يتلفت». في الرواية: «ما لم يلتفت». فإذا صليتم فلا تلتفتوا. فإذا صليتم فلا تلتفتوا. فهنا موعظة شديدة. فإذا صليتم فلا تلتفتوا. واستدل بعض العلماء كابن حزم وغيره أن الالتفات في الصلاة يعتبر مبطلاً للصلاة، مبطلاً للصلاة. لكن الصحيح أنه ليس مبطلاً، ولكن أقل ما يقال فيه أنه لا يجوز من غير حاجة. والجمهور يقولون أنه يكره، يكره الالتفات في الصلاة. الالتفات بالوجه: أن يلتفت بوجه يمين أو يسار أو فوق. وهو أعظم: أن الالتفات في أن يلتفت إلى الأعلى أعظم، لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ما بال أقوام ينظرون إلى السماء؟ لينتهين أو لتخطفن أبصارهم». وهذا في البخاري كما هو معلوم. طيب، فلذا لا يلتفت لا يمنة ولا يسرة. وجاء في حديث قسامة بن عمير أو بن شريك أن النبي عليه الصلاة والسلام أرسل، أرسل رجلاً يرى العدو، ثم صلى، فكان ينظر إلى الشعب، يلتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى الشعب. معنى: يريد أنه أن هذا الذي أرسله يرجع، يرجع إليه. معنى: كأنه كان خائفاً عليه، فلما رآه فلم يلتفت بعد ذلك، لما رآه آتياً من الشعب لم يلتفت بعد ذلك، عليه الصلاة والسلام. وأما ما جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلتفت في صلاته، فهذا حديث غير صحيح، حديث باطل. حتى أن رجلاً من أصحاب الإمام أحمد قال: يا أبا عبد الله، هذا الحديث حدثني به فلان، فلان، وذكر الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتلفت في صلاته. فقال: فغضب الإمام أحمد، قال: استغفر ربك. من الذي حدثك بهذا الحديث؟ قال: حدثني أبو عمر السيباني، يحيى أو الفضل بن يحيى السيباني. قال: قال: استغفر ربك، النبي عليه الصلاة والسلام تلفت في صلاته؟ والإمام أحمد يعلم هذا الحديث، وقد رواه عن وكيع، لكنه مرسل، وهذا أسنده الفضل بن موسى، ليس بن يحيى، الفضل بن موسى السيناني، أسنده عن النبي عليه الصلاة والسلام. معنى: ذكر الصحابي. والصحيح أنه مرسل، لا يصح. فلذا فلم يصح أن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يتلفت، إلا في ذلك الحديث. فلذا قال العلماء: يجوز أن يلتفت المصلي لأجل الحاجة. قالوا في المعنى: أحاديث أخرى متعددة. قالوا: قال عطاء: سمعت أبا هريرة يقول: إذا صلى أحدكم فلا يلتفت، فإنه يناجي ربه، إن ربه أمامه، وإنه يناجيه، فلا يلتفت. وأيضاً المعنى العظيم: أن العبد إذا أقبل في صلاته يعلم أن الله عز وجل مقبل عليه، وأنه قبل وجهه. فلذا إذا استشعر هذه الأشياء فإنه لا يتلفت، لا بقلبه ولا بجوارحه. قال: قال عطاء رحمه الله: وبلغنا أن الرب عز وجل يقول: «يا ابن آدم، إلى من تلتفت؟ أنا خير لك ممن تلتفت إليه». يعني: لماذا يلتفت قلبك أو جوارحك إلى غير الله عز وجل؟ قال: قال: وأخرجه البزار وغيره، المرفوع والموقوف أصح. معنى: أنه من لعله أخذهم الإسرائيليات. قال أبو عمران الجوني رحمه الله: قال: أوحى الله عز وجل إلى موسى عليه السلام: «يا موسى، إذا قمت بين يدي فقم مقام العبد الحقير الذليل، الحقير الذليل، وذن نفسك فهي أولى بالذن، وناجِ بقلب وجل ولسان صادق». أن هذه الأشياء يأخذونها من الإسرائيليات، وقد يكون أيضاً موجودة في التوراة، والله أعلم. إن شاء الله نكمل بعد العشاء. طيب. قال الحافظ بن رجب رحمه الله تعالى: قال: ومن ذلك الركوع، وهو ذل بظاهر الجسد. أي: من الأمور في الصلاة التي فيها الذل والخضوع لله جل وعلا: الركوع. قالوا: لهذا كانت العرب تأنف منه ولا تفعله، حتى بايع بعضهم النبي عليه الصلاة والسلام على أن لا يخر إلا قائماً. يعني: أن يسجد من غير ركوع، أن يخر قائماً بدون ركوع. يخر ساجداً لكن ما يسجد يركع ويسجد، لا يخر وهو قائم للسجود، يعني يجعل جسده معتدلاً حتى يسجد هكذا. فسرها الإمام أحمد رحمه الله والمحققون من العلماء. وقال: وقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾. وتمام الخضوع في الركوع أن يخضع القلب لله، ويدن له، فيتم بذلك خضوع العبد بباطنه وظاهره لله عز وجل. معنى: الظاهر أو الباطن، يفكر في أمر الله في الآخرة، وكذلك يخضع بجوارحه لله. وقال: ولهذا كان نبينا عليه الصلاة والسلام يقول في ركوعه: «خشع لك سمعي وبصري، ومخي وعظامي، وما استقل به قدمي». أنا لست فقط، ليس فقط بركوعي لك يا رب، بل بكل شيء: خشع لك سمعي وبصري، ومخي وعظامي، ما استقل به قدمي. وهذا الحديث كما تقدم معنا أنه في صحيح مسلم. الحديث: علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه. قال: إشارة إلى أن خشوعه في ركوعه قد حصل بجميع جوارحه، ومن أعظمها القلب الذي هو ملك الأعضاء والجوارح. وهنا قصد بمخي: أي ما يكون المخ المتصل بالقلب، لأن المخ محل... هو القلب، فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور. فالقلب هو محل العقل، والمخ هو المنفذ، لكن الأمر يأتي من القلب. فلذا فقوله: مخي، معنى المتصل بالقلب. قال: فإذا خشع، خشعت الجوارح والأعضاء كلها تبعاً لخشوعه. قال: من ذلك السجود. أي: من أيضاً خشوع الجوارح والخشوع في الصلاة ومواطنه: السجود. مواطن الخشوع في الصلاة. قال: وهو أعظم ما يظهر فيه ذل العبد لربه عز وجل. السجود أعظم ما يظهر ذل العبد لربه. ولهذا أقرب ما يكون العبد إلى ربه جل وعلا وهو ساجد. قال: حيث جعل العبد أشرف ما له من الأعضاء وعزها عليه، وهو الوجه، وعلاها، حقيقة، أوضع ما يمكنه، فيضعه في التراب ويعفر، ويتبع ذلك انكسار القلب وتواضعه وخشوعه لله عز وجل. قالوا: لهذا كان جزاء المؤمن إذا فعل ذلك أن يقربه الله عز وجل إليه. فإن أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد. فالسجود هو ذل بين يدي عزيز، ومن أعظم الذل لله عز وجل. فلذا قربه الله عز وجل، حتى قال: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد». كما صح ذلك عن النبي عليه الصلاة والسلام، وهو في صحيح مسلم حديث أبي هريرة. وقال الله تعالى: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾. والسجود أيضاً مما... واسجد واقترب، معنى: إذا أردت الاقتراب من الله اسجد له جل وعلا. ولهذا لما قال ربيعة بن كعب للنبي عليه الصلاة والسلام، قال له: يا رسول الله، أريد أن أكون معك في الجنة. فقال: «أعني على نفسك بكثرة السجود». أعني على نفسك بكثرة السجود. قال رحمه الله: والسجود أيضاً مما كان يعنف... والسجود أيضاً مما كان يعنف منه المشركون المستكبرون عن عبادة الله عز وجل. وكان بعضهم يقول: أكره أن أسجد، فتعلو أستي. ذكر هذا عن الوليد بن المغيرة. وكان بعضهم يأخذ كفا من حصى فيرفعه إلى جبهته، ويكتفي بذلك عن السجود. قلنا: أن هذا نزل، أو هذا الذي فعله هو أبي بن خلف، أحدهما، كما جاء الشك في الحديث. لما قرأ النبي صلى الله عليه وسلم سورة النجم، وسجد، وسجد المسلمون والمشركون، إلا هذا الرجل، فأخذ كفا من تراب أو من حصى، وقال: يكفيني هذا. طال. وإبليس إنما طرده الله لما استكبر عن السجود لمن أمره الله بالسجود له. ولهذا يبكي إذا سجد المؤمن، أي: الشيطان يبكي إذا سجد المؤمن، ويقول: يا ويلي، أمر ابن آدم بالسجود ففعل، فله الجنة، وأمرت بالسجود فعصيت، فلي النار. وهذا الحديث في صحيح مسلم أيضاً. قالوا: من تمام خضوع العبد لله عز وجل وتواضعه له في ركوعه وسجوده: أنه إذا ذل لربه بالركوع والسجود، وصف ربه حينئذ بصفات العز والكبرياء والعظمة والعلو. فكأنه يقول: الذل والتواضع وصفك، والعلو والعظمة والكبرياء وصفك، أي رب. فلذا شرع للعبد في ركوعه أن يقول: سبحان ربي العظيم، وفي سجوده: سبحان ربي الأعلى. هذه معاني عظيمة، بل استشعرها في صلاته أفادته كثيراً. وقال: وكان النبي عليه الصلاة والسلام أحياناً يقول في سجوده: «سبحان ذي الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة». وهذا حديث أيضاً صحيح، أخرجه أحمد وأهل السنن بإسناد صحيح. وقال: وروي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال في ليلة في سجوده: «أقول كما قال أخي داود عليه السلام: وعفر وجهي في التراب لسيدي، وحق لسيدي أن تعفر الوجوه لوجهه». وهذا ذكره البيهقي، لكن إسناده لا يصح. قال الحسن رحمه الله، حسن البصري: إذا قمت إلى الصلاة فقم قانتاً كما أمرك الله، وإياك والسهو والالتفات