تفسير سورة الفجر من تفسير الجلالين 2

تفسير سورة الفجر من تفسير الجلالين 2

الدرس في تفسير سورة الفجر من تفسير الجلالين 2، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تفسير آية 'هل في ذلك قسم لذي حجر' وقصة عاد

يتناول هذا الفصل تفسير الآية 'هل في ذلك قسم لذي حجر' من سورة الفجر، ويشرح معنى 'حجر' كمرادف للعقل، ويتناول أيضًا جواب القسم المحذوف في الآية وتفسير الآية التالية 'ألم تر كيف فعل ربك بعاد'.

تفسير إرم ذات العماد وقوم عاد

يفسر هذا الفصل الآية الكريمة ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾، حيث يوضح أن إرم هي عاد الأولى ويرد على المفسرين الذين ذهبوا إلى تفسير إرم بأنها مدينة خيالية.

صور العذاب في العصور القديمة وقوم ثمود وفرعون

يصف هذا الفصل صور العذاب التي كانت تستخدم في العصور القديمة، ويتناول تفسير الآيات القرآنية التي تصف قوم عاد وثمود وفرعون، موضحًا قوتهم وجبروتهم وكيفية تعذيبهم للآخرين.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، مواصلة في سورة الفجر، قال المؤلف رحمه الله تعالى عند قول الله جل في علاه: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾، قال: هل في ذلك القسم، والقسم الذي يعنيه المؤلف ما مضى في قول ربنا عز وجل: ﴿وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾، هذه أقسام أقسم بها ربنا جل في علاه. وقد أشرنا في درس أمس ما يتعلق بهذه الأقسام من معنى، فبعدما ذكر ربنا عز وجل هذه الأشياء التي أقسم بها، قال: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾، قال المؤلف: القسم قسم لذي حجر، أي: هل هذه الأقسام التي أقسم بها الرب عز وجل فيها نفع وفائدة وعظة لمن لذي حجر؟ قال: الحجر العقل، العقل يسمى حجرًا؛ لأن العقل يحجر، أي: يمنع صاحبه من المهالك والهوى، فإن الحجر في اللغة بمعنى المنع، بمعنى المنع، ومنه الحجر، أي: المنع من استخدام الأموال للسفهاء، يحجر على ماله، يحجر، أي: يمنع، فالحجر المنع، وسمي العقل حجرًا؛ لأنه يمنع صاحبه من سفاسف الأمور ومن الوقوع في المهالك والهوى. قال: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾، أي: عقل، قال: وجواب القسم محذوف، أي: لتعذبن يا كفار مكة، أي: هذا هو جواب القسم، وهي محل خلاف بين العلماء، أين جواب القسم؟ قيل: إنه مقدر، وقيل: أن القسم هو نفسه مقسم عليه، هو مقسم عليه، كما أشار إلى ذلك الإمام السعدي رحمه الله. ثم قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ﴾، قال: ألم ترَ، أي: تعلم يا محمد، هنا الرؤية بمعنى رؤية علمية، رؤية بصيرة، أي: هل علمت يا محمد كيف فعل ربك بعاد؟ بعاد وهي تلكم الأمة العظيمة التي أوجدها الله عز وجل بعد قوم نوح، وقد أرسل الله عز وجل إلى هذه الأمة هودًا عليه السلام، فأرسل إليهم، وكان من أمرهم ما كان. فقال ربنا: كيف فعل ربك بعاد؟ والذي فعله الله عز وجل بهم أن أرسل إليهم الريح العقيم، الريح الصرصر، الريح العاتية التي ترفعهم إلى السماء، ثم تهوي بهم على أم رؤوسهم، فينفلق الرأس عن الجسد، فأصبحوا كأنهم أعجاز نخل خاوية، هؤلاء قال ربنا عنهم: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ﴾، ألم ترَ كيف فعلنا، علمت كيف عاقبنا هؤلاء؟ قال: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾، قال: إرم هي عاد، هي عاد الأولى، فإرم عطف بيان أو بدل، ومنع الصرف للعالمية والتأنيث. قوله سبحانه وتعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾، إرم لها تعلق بعاد، تعلق بعاد، ولهذا أخطأ من أخطأ من المفسرين من ذهب يمنة ويسرة في تفسير إرم، وأعظم من أبعد النجعة في هذا المقام من فسر إرم ذات العماد بأنها مدينة خيالية، مدينة خيالية تظهر أحيانًا في بعض البلدان، تظهر في اليمن وتختفي، وتظهر في العراق وتختفي، وتظهر في الشام وتختفي، وهذه المدينة الخيالية مصنوعة من ذهب، مصنوعة من فضة، أرضها حصباؤها من الدرر والياقوت والجواهر، ترابها من مسك، هذه المدينة الخيالية يروج لها بعض المؤرخين، رد عليه ابن كثير رحمه الله تعالى، وقال: وهي من خيالات الإسرائيليين. إذن كل من خاض في إرم وذهب بها يمنة ويسرة فقد أبعد النجعة، إذن ما معنى إرم؟ إرم هي عاد، هي عاد، والصحيح من أقوال العلماء في إرم أنها هي المملكة، مملكة عاد، إرم، فقوله سبحانه وتعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ﴾، أي: مملكة إرم، فهذه مملكة إرم هي التي سكن فيها قوم عاد، وعاد على القول الصحيح أنه هو الجد، جد هذه القبيلة، جدها، كما أشار إلى ذلك قتادة رحمه الله. قال: ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾، قال رحمه الله: أي الطول، كان طول الطويل منهم أربعمائة ذراع، عاد وهي عاد إرم، المملكة العظيمة خلقها الله عز وجل على هيئة عظيمة، وكان هذه العظمة محل الغرور، اغتروا على الله جل وعلا حتى أنهم قالوا لهود عليه السلام: «من أشد منا قوة؟»، في أزمانهم ما كان أحد يدانيهم بقوتهم. وكان من قوتهم أن الله عز وجل أعطاهم طولًا فيما ذا في الأجساد، كما قال سبحانه وتعالى في بيان أمرهم: ﴿وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً﴾، أعطاهم بسطة، إطالة في الجسم، لكن المؤلف رحمه الله تعالى ذكر أربعمائة ذراع، يعني أربعمائة ذراع، لو تصورناها منظرًا خياليًا بعيد كل البعد، لا نشك أن الله أعطاهم مقدارًا طويلًا، لكن ليس إلى هذا الحد. والقاعدة عندنا أن الله عز وجل خلق آدم على هيئة، ومن بعد آدم بدأ الخلق بالتناقص، كم خلق آدم؟ قد مضى معنا لو من كان متابعًا لدروس قصص الأنبياء والرسل، آدم عليه السلام خلقه الله وهو على هذا القام ستون ذراعًا، ستون ذراعًا هذا آدم عليه السلام، ثم بعد ذلك بدأ الخلق يتناقص. فقول المؤلف: أربعمائة ذراع، أطول من آدم، هذا خروج عن الأصل وعلى القاعدة، ولهذا القول الصواب ما هو دون ذاك، نعم، ذهب بعضهم إلى أنهم ستون ذراعًا، نقل عنهم بعضهم اثني عشر ذراعًا مثل السارية، يمكن هذا يمكن؛ لأن الله أخبر بأنهم قد زادهم بسطة في الجسم. قال: ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾، قال رحمه الله تعالى: في بطشتهم وقوتهم، التي لا زال الخطاب عن قوم عاد، أن الله لم يخلق مثلهم في البلاد، لا زال الخلاف حاصلًا عند هذه الآية في قوله تعالى: ﴿الَّتِي﴾، يعود إلى ماذا؟ على القولين الذي مضى معنا، منهم من كان ولا زال يقول: الإشارة إلى الأعمدة، الأعمدة أو البناء الذي كانوا يبنونه، ليس له مثيل من حيث الضخامة والشدة. ثم قال سبحانه: ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾، أي: ومعنى الآية: وألم ترَ يا محمد كيف فعلنا بثمود؟ وثمود هي القبيلة والقرية التي جاءت بعد قوم عاد، وثمود هم الذين أرسل الله عز وجل عليهم صالحًا، نبي الله صالح عليه السلام، بعث إليهم، وكانوا من شأنهم في جهة جهة تبوك. فقال الله عز وجل واصفًا إياهم: ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾، قال: قطعوا الصخرة، جمعوا صخرة واتخذوها بيوتًا بالوادي، من فعل أهل ثمود، وهذا من آثار أيضًا قوتهم وغطرستهم وجباروتهم، أنهم كانوا يقطعون الصخرة، جابوا بمعنى قطعوا، بمعنى شقوا، بمعنى حفروا، هذا كله بمعنى جاب. فكان أمرهم أنهم ما كانوا يصنعون البيوت والمنازل من أوراق أو من فرو أو من خشب، لا، وإنما كانوا يتوجهون إلى الجبال، إلى الجبال وهناك ينحتونها نحتًا، ينحتون الجبل، لا أنهم لبحث أمر لا، بل لصنع بيت، بيت في داخل الجبل، بيت محصن، بيت محصن. فقال ربنا جل وعلا: ﴿الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾، وكما قال ربنا: ﴿يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾، فاره بمعنى حاذق، أي: ليس البنيان بنيان عشوائي هكذا لا، بنيان كان محكم، كان على حذقة في البناء، بيت متكامل الغرف والشقق والدروب والدهاليز متكامل. ثم قال سبحانه: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ﴾، وهذا النموذج الثالث، أي: ممن أراد الله عز وجل من نبينا أن يعتبر بهم، وهم قوم فرعون، وهو الطاغية الذي طغى وبغى، وها هنا وصفه ربنا جل وعلا بهذا الوصف: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ﴾. قال: كان يتدي أربعة أوتاد يشد إليها يدي ورجلي من يعذبه، هنا فسر المؤلف رحمه الله تعالى بأن فرعون ذي الأوتاد، أي: صاحب الأوتاد، ما المقصود بالأوتاد ها هنا؟ هي الأوتاد التي كان يستخدمها فرعون في تعذيب المظلومين، في تعذيب الآخرين، كأمثال بني إسرائيل الذين تسلط عليهم. فكان يستمتع بعذابهم، ومن صور العذاب المشهورة عنده حينها أنه يجعل لهذا السجين أو هذا الأسير أو هذا المظلوم أربعة أوتاد، إما على الأرض أو أنه معلق بأربعة أوتاد، يد ويد ورجل ورجل، قيل: على الأرض فيدهده عليه بصخرة عظيمة تمر عليه فتسحقه سحقًا، وهذا دلال على عظيم بطشه وجباروته. نكتفي إلى هذا الحد، والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.