المحاضرة بعنوان كلمة الشيخ أبو أحمد عبدالله بن عفيف، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر يوم الثلاثاء 5 شوال 1447هـ الموافق 24 مارس 2026م ألقاها منوع
يبارك الخطيب الصائمين والقائمين في رمضان ويحثهم على عدم الانقطاع عن الطاعات بعد انقضاء الشهر، مستشهداً بآية ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ وحديث عمر بن الخطاب. يحذر من الكسل ويذكر ثلاث آيات قرآنية تبدأ بـ ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا﴾.
يحذر المقطع من قصر العبادة على رمضان فقط ويؤكد وجوب الاستمرار في الطاعة، مستعرضاً خوف الأنبياء والصالحين من عدم قبول أعمالهم. يستشهد بآية إبراهيم وإسماعيل وأقوال السلف كابن باز وعبدالعزيز بن أبي رواد وعائشة وعلي بن أبي طالب، داعياً لسؤال الله القبول.
يفسر المقطع قوله تعالى ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ مبيناً أن اليقين هو الموت، مستشهداً بحديث النبي ﷺ في عثمان بن مظعون. يؤكد أن عمل المؤمن لا ينقطع إلا بالموت، داعياً للإلحاح في الدعاء والتضرع والتوجه بالشكوى لله وحده.
يدعو المتحدث الله أن يعيد شهر رمضان أعواماً كثيرة وأن يكون المسلمون في خير وعافية ونصر وتمكين. يختم بالحمد لله رب العالمين.
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والحمد لله الذي أتم علينا شهر رمضان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فبشراكم يا من صمتم وقمتم، بشراكم يا من تصدقتم واجتهدتم، ذهب التعب وزال النصب، وثبت الأجر إن شاء الله. رحل شهركم ولكن لم ينتهي صالح العمل. قال الله جل وعلا: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾، واليقين هو الموت. فلا تهجروا مصحفاً، ولا تتركوا صياماً ولا قياماً ولا براً ولا إحساناً، بل اجتمروا على طاعة الله. فما أجمل الإحسان يعقبه إحسان، وما أقبح العصيان بعد الإحسان. ومن صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال فكأنما صام الدهر. معاشر الأحبة، إن النفوس لها إقبال وإدبار. قال أمير المؤمنين عمر الفاروق رضي الله عنه وأرضاه: «إن للنفوس إقبالاً وإدباراً، فإذا رأيتموها أقبلت فخذوها بالنوافل، وإن رأيتموها أدبرت فألزموها الفرائض». لا شك معاشر الأحبة أن النفوس في شهر رمضان تتنشط للخير، كيف لا وهو شهر تفتح فيه أبواب الجنان، وتغلق أبواب النيران، وتصفد الشياطين؟ فالنفوس نشيطة، لكن ما إن يذهب هذا الموسم إلا وترى النفوس تصاب بالكسل والخمول، بل وللانقطاع، عياذاً بالله. لذلك أذكر نفسي وإخواني بثلاث آيات من كتاب الله جل وعلا لعلنا نستمر على طاعة الله. الآية الأولى: قال الله: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا﴾. فالله ينهانا أن نكون مثل هذه المرأة الحمقاء التي تنسج النسيج حتى إذا كمل وجمل إذا به تنقضه خيطاً خيطاً، ما جنت إلا التعب والمشقة. فبئس القوم الذين لا يعرفون الله إلا في رمضان، كما قال بشر الحافي رحمه الله. فاتقوا الله عباد الله واستمروا على طاعة الله. الآية الثانية: قول الله جل وعلا: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. تلا هذه الآية سماحة والدنا ابن باز رحمه الله، وأراد أن يفسرها فبكى، ثم قال: أمر مخصوص لشخص مخصوص في مكان مخصوص، ويخاف أن لا يقبل منه. للسلف كانت ثلاث دعوات: الدعوة الأولى يسألون الله أن يبلغهم مواسم الخيرات، والدعوة الثانية يسألون الله التوفيق لصالح الأعمال، والدعوة الثالثة يسألون الله القبول. فأين نحن؟ أين نحن من هذا الهم؟ يقول عبد العزيز بن أبي رواد رحمه الله وهو من التابعين: «أدركتهم -أي الصحابة- يجتهدون في العمل، فإذا انتهوا وقع عليهم الهم: أيقبل منهم أم لا؟» ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾. قالت أمنا عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله، أهم الذين يزنون ويسرقون ويشربون الخمر ويخافون الله؟ قال: «لا يا بنت الصديق، هم الذين يصلون ويصومون ويتصدقون ويخافون أن لا يقبل منهم». قال أمير المؤمنين أبو الحسن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه: «كونوا لقبول العمل أشد اهتماماً منكم بالعمل». فيا معاشر الأحبة، اهتموا واسألوا الله القبول، وادعوا الله أن يتقبل منكم. الوقفة الثالثة أو الآية الثالثة: في قول الله: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾، واليقين هو الموت. ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبَ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾، أي الموت. وجاء في البخاري: لما مات عثمان بن مظعون رضي الله عنه وأرضاه، قال بأبي وأمي عليه الصلاة والسلام: «أما هذا فقد جاءه اليقين». فلا منتهى لعمل المؤمن إلا بالموت. فنعبد الله ونسأل الله أن يتقبل منا، نلح بالدعاء، نتضرع إلى الله جل وعلا. كم نرى يا إخوة أن الناس يشتكي بعضهم لبعض، ولا بأس أن يشتكي الناس إلى الناس فيما يستطيعون عليه، لكن أن يكون المعتمد عليهم -نسأل الله السلامة- يأتي يشتكي إلى شخص آخر، فيقول له في الغالب: الله يعينك. يشتكي، يشتكي، يشتكي، آخر شيء يقول له المشتكي إليه: الله يعينك. يا أخي، اقتصر الطريق: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾. اشتكي إلى ربك واترك الناس، فوالله إن الله سيسخر الناس لك. فاتقوا الله عباد الله، واجعلوا هذه الآيات نصب أعيينكم: قول الله: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا﴾، وقول الله: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾، وقول الله: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾. أسأل الله جل وعلا أن يعيد علينا رمضان أعواماً عديدة وأزمنة مديدة، ونحن في أمن وإيمان وعافية في القلوب والأبدان. أسأل الله أن يعيد علينا رمضان أعواماً عديدة وأزمنة مديدة، ونحن في خير وعافية ونصر وتمكين، يا رب العالمين. والحمد لله رب العالمين.