الدرس في شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن 46، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني
يشرح المقطع واجب الحاضرين في مجلس قراءة القرآن إنكار المنكرات كالتحدث والضحك والنظر المحرم، بحسب الاستطاعة باليد أو اللسان أو القلب، مستدلاً بالحديث النبوي. ثم يبين تحريم قراءة القرآن بالعجمية (غير العربية) في الصلاة وخارجها، لأن القرآن نزل بلسان عربي مبين وإعجازه في لفظه ومعناه.
يؤكد المقطع أن قول الجمهور هو الراجح بتحريم قراءة القرآن بغير العربية سواء في الصلاة أو خارجها، ويرد استدلالات الحنفية المجيزة لذلك. ثم ينتقل لبيان جواز القراءة بالقراءات السبع المتواترة فقط، وتحريم القراءة بالشواذ، مع نقل الإجماع على بطلان صلاة من قرأ بها عالماً.
يعرف المقطع القراءة الشاذة بأنها ما لم يصح سنده أو ما صح سنده لكن خالف الرسم العثماني، ويذكر أن المصنف يمنع القراءة بالأول قطعاً، ويمنع بالثاني مستنداً إلى إجماع الفقهاء. غير أن الحاشية تنقل خلافاً قوياً يجيز القراءة بما صح سنده وإن خالف الرسم، مستدلاً بفعل الصحابة قبل جمع المصحف وإقرار النبي صلى الله عليه وسلم لقراءة ابن مسعود.
يختتم المتحدث الدرس الحالي بالإشارة إلى ما ورد في بقية الحاشية، ويعلن عن مواصلة الشرح في الدرس القادم، مختتمًا بالحمد لله.
موقع دار الحديث بالفيوش يقدم هذه المادة: شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن للإمام النووي عليه رحمة الله، شرح فضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرع العدني رحمه الله تعالى. الحمد لله، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فيقول المصنف رحمه الله: «قالوا: على الحاضرين مجلس القراءة إذا رأوا شيئًا من هذه المنكرات المذكورة وغيرها أن ينهوا عنه على حسب الإمكان؛ باليد لمن قدر، وباللسان لمن عجز عن اليد وقدر على اللسان، وإلا فلينكر بقلبه، والله أعلم». يعني هذه المنكرات التي ذكرها المصنف رحمه الله من الضحك واللغط والعبث باليد أو بغيرها، وهكذا تبديد النظر أو النظر إلى ما حرم الله سبحانه وتعالى، فهذا منكر إذا وقع فيه بعض الحضور فالواجب على الحاضرين أن ينكروا عليه، لقوله صلى الله عليه وسلم: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». فمن قدر على تغيير المنكر بيده مع أمن المفسدة، ولا يترتب على إنكاره بيده منكر أعظم، فهذا واجب. وإذا لم يستطع فبلسانه، فإذا لم يستطع فأقل شيء أن ينكر بقلبه. وقال صلى الله عليه وسلم: «ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل». أما من رأى المنكر ولم يغير باليد، ولم يغير باللسان، ولم ينكر بقلبه، بل رضي بقلبه على هذا المنكر، فهذا دليل على ضعف الإيمان جدًا، أو ذهاب الإيمان بالكلية. لأن الإنسان لا يكلف فوق الطاقة؛ إذا كان عاجزًا بيده، وكان عاجزًا بلسانه، فهو غير مكلف فوق طاقته، لكن من يحول بينه وبين إنكار هذا المنكر بقلبه؟ ولهذا يقول عليه الصلاة والسلام: «وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل». والله يقول: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾. قالوا: «إلا فلينكر بقلبه». ثم قال رحمه الله: «فصل: لا تجوز قراءة القرآن بالعجمية، سواء أحسن العربية أم لم يحسنها، سواء كان في الصلاة أم في غيرها. فإن قرأ بها في الصلاة لم تصح صلاته. هذا مذهبنا، ومذهب مالك وأحمد وداود وأبي بكر بن المنذر. وقال أبو حنيفة: يجوز ذلك وتصح به الصلاة. وقال أبو يوسف: يجوز ذلك وتصح به. وقال أبو يوسف ومحمد: يجوز ذلك لمن لم يحسن العربية، ولا يجوز لمن يحسنها». هذه المسألة يقول فيها: لا تجوز قراءة القرآن بالعجمية؛ لأن الله سبحانه وتعالى أنزله بلسان عربي مبين، فلا يجوز أن يقرأ القرآن بالفارسية، أو بالهندية، أو بالرومية، أو بأي لغة؛ لأن الله مدح القرآن وأنه أنزله بلسان عربي مبين، فإعجازه في لفظه ومعناه. وبالنسبة للصلاة، فالله يقول: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾، وترجمة القرآن ليست قرآنًا، كما أن من ترجم شعر امرئ القيس أو أي شاعر من الشعراء لا تكون هذه الترجمة هي الشعر؛ فهو الشاعر يعني: أتقن شعره وركب كلماته ونظمها، فهذه البلاغة في هذه الأبيات التي رتبها الشاعر ونمقها، فترجمة الأبيات الشعرية ليست شعرًا. وهكذا بالنسبة لترجمة القرآن: هذا ليس قرآنًا. والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾، فلا يجوز قراءة القرآن بغير اللغة العربية، فهذا إحداث وابتداء، والعبادات مبنية على التوقيف والاتباع. فقول الجمهور هو الراجح: أنه لا تجوز قراءة القرآن بالعجمية. يعني يأتي مثلًا على ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فيأتي بالفارسية بكلمة رادف «الحمد لله»، وتأتي بكلمة رادف «رب»، وتأتي بكلمة رادف «العالمين»، وهكذا يجعل يقرأ القرآن بكلمات هي مقابلة للغة العربية بلغته. هذا حرام، هذا لا يجوز، هذا إحداث وابتداء، وهذا لا تصح به الصلاة؛ لأن هذا ليس قرآنًا. واستدل الحنفية بأمور للجواز لا دليل فيها، كقوله سبحانه: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ﴾، قالوا: هذا في شأن الإنذار، لا يتم الإنذار إلا بتفهيمه من هذا القرآن، فيشرح لهم ويترجم لهم القرآن حتى يتم الإنذار. واستدلوا بأن سلمان طلب منه شيء من علم القرآن فكتب الفاتحة باللغة الفارسية، وهذا لا يصح. وهكذا استدلوا على جواز ترجمة الحديث النبوي، وعلى جواز الأذكار بلغتهم أو غير اللغة العربية، وهذا كله أيضًا لا دليل فيه. في الحاصل أنه كما ذكر المصنف، وهو قول الجمهور: لا تصح قراءة القرآن بالعجمية، سواء أحسن العربية أم لم يحسنها، سواء كان في الصلاة أم في غيرها. هذا بالنسبة للقراءة: أن يأتي بألفاظ مرادفة ويجعل هذا قرآنًا. أما ترجمة القرآن إذا كانت ترجمة معنوية فهذا لا بأس، أما الترجمة الحرفية لفظًا لفظًا وحرفًا حرفًا وكلمة كلمة فهذا عند أكثر العلماء لا يستطاع، وذكر أمورًا في تعليل ذلك. فالحاصل أن قول أبي حنيفة باطل مردود: أنه يجوز ذلك وتصح به الصلاة. وقول أبي يوسف ومحمد: يجوز ذلك لمن لم يحسن العربية، يعني للعاجز دون القادر، وهذا القول أيضًا مردود. فقول الجمهور والراجح: أن الذي لا يستطيع أن يقرأ شيئًا من القرآن، ماذا يفعل في الصلاة؟ روى حديث أنه يسبح ويكبر إلى آخره، لكن فيه ضعف. ﴿فَمَا أَمَرْتُكُم بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، حتى لو يحفظ آية الحمد، فقال له: قل «الحمد، الحمد» إذا استطاع، يزيد كل شهر كلمة. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ما استطاع يأتي بالحمد، و﴿فَمَا أَمَرْتُكُم بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾. قال رحمه الله: «فصل: تجوز قراءة القرآن بالقراءات السبع المجمع عليها، ولا تجوز بغير السبع، ولا بالروايات الشاذة المنقولة عن القراء السبع، وسيأتي في الباب السابع إن شاء الله تعالى بيان اتفاق الفقهاء على استتابة من قرأ بالشواذ أو قرأ بها. قال أصحابنا وغيرهم: ولو قرأ بالشواذ في الصلاة بطلت صلاته إن كان عالمًا، وإن كان جاهلًا لم تبطل ولم تحسب له تلك الصلاة. وقد نقل الإمام أبو عمر بن عبد البر الحافظ إجماع المسلمين على أنه لا تجوز القراءة بالشاذ، وأنه لا يصلي خلف من يقرأ بها. قال العلماء: من قرأ بالشاذ إن كان جاهلًا به أو بتحريمه عُرِّف ذلك، فإن عاد إليه أو كان عالمًا به عُزِّر تعزيرًا بليغًا إلى أن ينتهي عن ذلك، ويجب على كل متمكن من الإنكار عليه ومنعه الإنكار والمنع». نعم، قال: «تجوز قراءة القرآن بالقراءات السبع المجمع عليها»، التي قيل لها: المتواترة. وفي الحاشية: «بالتحقيق هي المنقولة عن الأئمة السبعة، وهم: عبد الله بن عامر الدمشقي، وعبد الله بن كثير المكي، ونافع المدني، وأبو عمرو بن العلاء واسمه زبان المازني، وحمزة بن حبيب الكوفي، وعلي بن حمزة الكسائي، وعاصم بن أبي النجود». قال: «ولا تجوز بغير السبع، ولا بالروايات الشاذة المنقولة عن القراء السبع». الشاذة يعني: ما روي ولم يصح سنده. يعنون بالشاذ: ما روي ولم يصح سنده، كقراءة «مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ» «مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ» - هذه قراءة شاذة لم يصح سندها. وهكذا قراءة «فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ» قراءة «فَالْيَوْمَ نُنْسِيهَا» - وهذه أيضًا شاذة رويت ولم يصح سندها. قال: «ولا بالروايات الشاذة المنقولة عن القراء السبع». هذه ليست في القراءات السبع، لكن توجد بعض الكلمات في القراءات السبع انفرد بها بعض الرواة عن هؤلاء الأئمة القراء، فليست كل كلمة في القراءات السبع تعتبر متواترة، لكن هي في الغالب: الغالب على القراءات السبع أنها نقلت بالتواتر وأنها متواترة، لكن توجد بعض الكلمات من بعض الطرق عن هؤلاء القراء ليست من المتواترة. وأيضًا يعنون بالشاذ: ما صح سنده لكن يخالف الرسم العثماني. ما صح سنده لكن خالف الرسم العثماني، مثل ماذا؟ مثل قراءة ابن مسعود وأبي الدرداء، ومر بنا قريبًا في صحيح الإمام مسلم: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى﴾، القراءة المشهورة: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى﴾. قراءة ابن مسعود وأبي الدرداء: ﴿وَالذَّكَرَ وَالْأُنثَى﴾. هذه أيضًا يصفون بأنها قراءة شاذة؛ لأنه وإن صح سندها لكن لم توافق الرسم العثماني. فماذا يقول المصنف بالنسبة للشاذة التي لم يصح سندها؟ نعم، ما يجوز القراءة بها إلى آخر ما ذكر؛ لأنه لم يصح سندها، كيف تنسب إلى إقراء النبي صلى الله عليه وسلم ولم يصح السند إليه؟ كيف ينسب إلى كلام رب العزة والجلال سبحانه وتعالى ولم يصح أن النبي صلى الله عليه وسلم أقرأه أصحابه؟ لكن الذي صح سنده وإن خالف الرسم العثماني، يقول: «اتفق الفقهاء...» نعم، ولا تجوز. يعني يصدر أنه هذه المسألة بأنه لا تجوز، ثم يقول: إنه اتفق الفقهاء على عدم الجواز، بل نقل إجماع ابن عبد البر وغيره. والواقع أن هناك خلافًا، وهناك من أهل العلم من جوز القراءة بما صح سنده إذا صح سنده إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وفي الحاشية كلام طيب ونقل مفيد عن بعض الأئمة في تجويز هذه القراءة التي صح سندها. نقل عن الإمام الشوكاني عن ابن قدامة قال: «عن أحمد روايتان في القراءة في الصلاة بما يخرج عن مصحف عثمان كقراءة ابن مسعود وغيرها مما صحت به الرواية: إحداهما لا تصح صلاته لذلك، والثانية تصح». وسدَّدَ لذلك ابن قدامة بأن الصحابة كانوا يصلون بقراءتهم في عصر النبي صلى الله عليه وسلم وبعده، وكانت صلاتهم صحيحة بغير شك. وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أحب أن يقرأ القرآن غضًا كما أنزل فليقرأ على قراءة ابن أم عبد». وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم عمر وهشام بن حكيم حين اختلف في قراءة القرآن فقال: «اقرؤوا كما علمتم». وكان الصحابة رضي الله عنهم قبل جمع عثمان المصحف يقرؤون بقراءات لم يثبتها في المصحف ويصلون بها، لا يرى أحد منهم تحريم ذلك ولا بطلان صلاتهم. كلام صحيح، يعني الصحابة قبل جمع عثمان رضي الله عنه، والناس على حرف واحد، كان كل يقرأ بقراءته ويصلي هذا خلف هذا، وابن مسعود الذي ثبت عنه هذه القراءة ﴿وَالذَّكَرَ وَالْأُنثَى﴾ يعني كان يصلي بالناس ويقرأ بما أخذه عن النبي صلى الله عليه وسلم، فمن هذا الذي يقول: لا تصح له صلاة، صلاته باطلة؟ فهذا يعني قول راجح. وأيضًا يعني ما ذكر في بقية الحاشية، ونواصل إن شاء الله بالدرس القادم. إلى هنا والحمد لله.