شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن 63

شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن 63

الدرس في شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن 63، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني

أحكام سجود التلاوة للمستمع والسامع واختلاف الفقهاء

يفصل المقطع الفرق بين المستمع المنصت والسامع العابر، مبيناً استحباب السجود للمستمع بالاتفاق، واختلاف العلماء في حق السامع؛ فرجح الشافعية والحنفية استحبابه مطلقاً، بينما شرطه إمام الحرمين والسدلاني بسجود القارئ مستدلين بأحاديث الصحابة.

شروط القارئ واختصار السجود وحكم المصلي المنفرد

يبين أن سجود التلاوة مشروع لقراءة أي شخص بغض النظر عن أهليته للإمامة، ويناقش كراهة اختصار السجود بآية واحدة وإجازة أبي حنيفة وأصحاب الشافعي له، ويوضح أحكام المصلي المنفرد بأنه يسجد لقراءته ولا يسجد لقراءة غيره في صلاته.

أحكام سجود التلاوة للمأموم والإمام في الصلاة الجماعية

يشرح وجوب متابعة المأموم للإمام في السجود وبطلان صلاة من سجد لقراءة نفسه، مع تفصيل حالات العذر كعدم السماع، ويناقش كراهة قراءة المأموم آية السجدة والرد على أدلتها، مؤكداً أن المأموم معذور إن لم يسجد لجهل أو بعد.

أهمية الخشوع في صلاة المأموم وختام الدرس

يؤكد المقطع على وجوب إقبال المأموم على صلاته بخشوع وتركيز خلف الإمام مستشهداً بقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾، ويختتم الدرس بالتمني بمواصلة الشرح في اللقاء القادم.

التفريغ النصي الكامل

موقع دار الحديث بالفيوش يقدم هذه المادة: شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن للإمام النووي عليه رحمة الله، شرح فضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرع العدني رحمه الله تعالى. بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ما بعد: ما يتعلق بسجدة ص، وأنها ليست من عزائم السجود. ومعنى ليست من عزائم السجود: أي ليست السجدة فيها سنة مؤكدة كسائر المواضع. ولا يخفى علينا أنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سجد فيها، فيشرع الاقتداء فيه. وأصلًا جميع المواضع يستحب السجود فيها وليس بواجب، فلو أنه ترك السجود في المواضع المؤكدة فلم يترك واجبًا، إنما هي سنة. النبي صلى الله عليه وسلم سجد وترك. ثم قرأنا ما يتعلق بسجود التالي والمستمع: والسجود للتالي والمستمع مستحب بلا خلاف، اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم كان يسجد ويسجد معه أصحابه وهم الذين كانوا يستمعون قراءته. هذا لا خلاف فيه، يدل عليه حديث ابن عباس، وحديث ابن عمر، وحديث أبي هريرة. فهذه الأحاديث فيها سجود النبي صلى الله عليه وسلم وسجود الصحابة معه. من هو المستمع؟ هو الذي ينصت للقراءة ويتابعها، هذا هو المستمع الذي لا خلاف بين أهل العلم في مشروعية السجود بالنسبة له. وأما السامع فهو الذي لا ينصت للقراءة ولا يتابعها، إنما مر مثلًا مرورًا وسمع وهو يمر قارئًا يسمع. فنواصل من هنا، قال رحمه الله: وقال إمام الحرمين من أصحابنا: لا يسجد السامع، هو المشهور. الأول نواصل أن الراجح... يعني هنا يقول إمام الحرمين: لا يشرع للسامع أن يسجد. والقول الأول أنه يسجد لأنه سمع السجدة. لماذا يسجد؟ لأنه سمع السجدة. فأعدل الأقوال قول الشافعي رحمه الله: لا أؤكده في حقه كما أؤكده في حق المستمع. هذا هو الراجح: لا تتأكد السجدة للسامع كما تتأكد في حق المستمع. هذا أعدل الأقوال: هو إذا سجد فلأنه سمع السجدة، وإذا لم يسجد فلأنه لم ينصت ولم يكن قاصدًا للسماع، فإذا ترك لا بأس. لهذا إذا سجد فلأنه سمع السجدة، وإذا لم يسجد فهناك بعض الآثار عن بعض السلف في أن السجود إنما يكون لمستمع القراءة. قالوا: سواء... نواصل القراءة: قالوا سواء كان القارئ في الصلاة أو خارجًا منها يسن للمستمع والسامع السجود، سواء كان في الصلاة أو خارجًا منها، وسواء سجد القارئ أم لا. هذا هو الصحيح المشهور عند أصحاب الشافعي، وبه قال أبو حنيفة: لا يشترط... أولا يشرع للتالي أن يسجد لقراءة السجدة سواء كان في الصلاة أو خارجًا منها، وهكذا المستمع سواء كان التالي في الصلاة أنت تسمع لقراءته فيشرع لك أن تسجد، أو كان خارج الصلاة. قالوا: سواء سجد القارئ أم لا. نعم، هذا هو المذهب عند الشافعية والحنفية: أن له أن يسجد السامع وأن يسجد سواء سجد الإمام أو سواء سجد الإمام وهو خارج الصلاة. أما إذا كان هو مأمومًا فهذا سيأتي: يشرع للمستمع أن يستمع إذا سمع الإمام يقرأ وهو ليس بمأموم، أو خارج الصلاة سمع التالي يقرأه وخارج الصلاة يشرع له أن يسجد وإن لم يسجد الإمام إذا كان خارج الصلاة. واضح: يسمع قارئًا أو يسمع لقراءة قارئ فمر على السجود ولم يسجد، فلا بأس للمستمع أن يسجد وإن لم يسجد الإمام. وهكذا لو كان بجوار من يصلي فسمع المصلي، يعني كان يقرأ وهو يتابع قراءته، فقرأ السجدة فيشرع له أن يسجد وإن لم يسجد هذا المصلي. قال: وقال صاحب البيان من أصحاب الشافعي: لا يسجد المستمع لقراءة من قرأ في الصلاة، وهذا لا دليل عليه. وقال السدلاني من أصحاب الشافعي: لا يسن السجود إلا أن يسجد القارئ. نعم، هذا قول الجمهور: أن السجود للمستمع لا يكون إلا إذا سجد التالي والقارئ. ولعلهم يستدلون بمثل حديث ابن عمر: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ علينا القرآن فيمر بالسجود فيسجد ونسجد معه، في أنهم يسجدون بسجود النبي صلى الله عليه وسلم. لكن هل في أنهم... يعني هل في أنه لا يسجد إذا لم يسجد الإمام؟ هذا ليس في الحديث. وأيضًا بعضهم يستدل بحديث زيد بن ثابت أنه قرأ على النبي صلى الله عليه وسلم سورة النجم فلم يسجد. وجه الدلالة: أن القارئ هو زيد، والمستمع هو النبي صلى الله عليه وسلم، فلما لم يسجد زيد القارئ لم يسجد النبي صلى الله عليه وسلم. وقد يقال: لم يسجد لأن السجود ليس بلازم، لم يسجد لأن السجود ليس بواجب، فسجوده وترك سجوده عليه الصلاة والسلام يدل على أن السجود مندوب، وهذه صفة المندوب أنك تفعل وتترك. لكن رويت آثار ينظر فيها عن بعض السلف من الصحابة أنهم قيدوا السجود بسجود التالي، وأنه هو الإمام. فلو صحت إن شاء الله نراجع هذه الآثار، لو صحت لا كانت مرجحة لهذا القول بأن المستمع لا يسجد إلا إذا سجد التالي، ينظر في هذه الآثار. قال: ولا فرق... قال الصواب الأول: قال ولا فرق بين أن يكون القارئ مسلمًا بالغًا متطهرًا رجلًا، وبين أن يكون كافرًا أو صبيًا أو محدثًا أو امرأة. هذا هو الصحيح عندنا، وبه قال أبو حنيفة. وقال بعض أصحابنا: لا يسجد لقراءة الكافر والصبي والمحدث والسكران. لماذا؟ لأنه يشترطوا في التالي أن يكون ممن يصلح للإمامة، فلأجل هذا لو قرأ أحد من هؤلاء فلا يسجد لقراءته. وهذا لا دليل عليه، هذا لا دليل عليه. قال بعض أصحابنا: لا يسجد لقراءة الكافر، ولا الصبي، ولا المحدث، ولا السكران، يعني بناء على أن هؤلاء لا يكونون أئمة. لكن ما هو الدليل على أنه لا يسجد؟ لا يسجد إلا لمن يعني يصلح لأن يكون إمامًا، لا دليل على هذا. فلهذا رجح النووي ما تقدم: لا فرق بين أن يكون القارئ مسلمًا... ويقابل مسلم الكافر، يعني سواء كان مسلمًا أو كان كافرًا، بالغًا وإذا كان صبيًا، متطهرًا ولو كان محدثًا، رجلًا ولو كان امرأة. قال: هو الصحيح عندنا، وبه قال أبو حنيفة، وهذا هو الراجح. قالوا: قال جماعة من السلف لا يسجد لقراءة المرأة، حكى ابن المنذر عن قتادة ومالك وإسحاق. والصواب ما قدمناه. نعم، لأن المرأة تالية للقرآن، إذا تليت القرآن فيشرع السجود. قال رحمه الله: فصل في اختصار السجود، وهو أن يقرأ آية أو آيتين ثم يسجد. يعني معنا هذه المسألة أنه يختار اختيارًا يأتي على سورة العلق ويقرأ آيتين فقط من السورة حتى يسجد، أو يأتي إلى سورة النجم يقرأ الموضع الذي فيه السجدة والذي قبله، أو يأتي على سورة الانشقاق كذلك، وهكذا سائر المواضع. على قول عامة أهل العلم: هل لو أن يفعل ذلك ألا يقرأ من القرآن إلا هذا الموضع، يقرأ آية أو آيتين حتى يسجد؟ قال: فصل في اختصار السجود، هذا معنى اختصار السجود. قال: وهو أن يقرأ آية أو آيتين ثم يسجد. قال: حكى ابن المنذر عن الشعبي والحسن البصري ومحمد بن سيرين والنخعي وأحمد وإسحاق أنهم كرهوا ذلك. كرهوا لأن هذا ليس من فعل السلف، بل نقل عن جماعة من السلف أنه كرهوا هذا الفعل. وقالوا عن أبي حنيفة ومحمد بن الحسن وأبي ثور: أنه لا بأس به، وهذا مقتضى مذهبنا. لكن يعني كما تقدمنا هذا لم يكن من فعل السلف، بل روي عن بعض السلف الكراهة. قال رحمه الله: فصل: إذا كان مصليًا منفردًا سجد لقراءة نفسه. وهذا واضح: إذا صلى منفردًا ومر بالسجود وأراد أن يسجد يسجد. فلو ترك سجود التلاوة وركع ثم أراد أن يسجد للتلاوة لم يجز، فإن فعل مع العلم بطلت صلاته. لو ترك سجود التلاوة وركع ثم أراد أن يسجد بعد أن ركع، قال الله أكبر ومثلًا جعل يأتي بأذكار الركوع ثم بدا له أن يسجد، يقول: لا لا يجوز له أن يسجد، فإن فعل بطلت صلاته. قال: فإن كان قد هوى إلى الركوع ولم يصل إلى حد الراكعين جاز أن يسجد للتلاوة. نعم، لأنه لم يركع إلى الآن. لو لم يعزم على السجود لكن في أثناء الهوي عزم على السجود، له أن يسجد. قال: ولو هوى لسجود التلاوة ثم بدا له ورجع إلى القيام جاز، بشرط أن لا يعني يكون قد مال إلى جهة السجود. قال: أما إذا استمع المنفرد بالصلاة لقراءة قارئ في الصلاة أو غيرها فلا يجوز له أن يسجد، ولو سجد مع العلم بطلت صلاته. نعم، إذا كان هو في صلاة وسمع مصليًا آخر يقرأ ومر بآية السجود، أو سمع غير مصلي يقرأ ويمر بآية السجود، لا يشرع له أن يصلي... إن في الصلاة لا شغلًا، يعني كفى بشغل الصلاة شغلًا عن أي شاغل آخر. قال: أما المصلي في جماعة فإن كان إمامًا فوكل منفرد... أما المصلي في جماعة فإن كان إمامًا فوكل منفرد. يعني إذا مر بالسجود له أن يسجد. قالوا: إذا سجد الإمام لتلاوة نفسه وجب على المأموم أن يسجد معه، وجب على المأموم أن يسجد معه لأن المأموم مطالب بمتابعة الإمام، إنما جعل الإمام ليعتم به، كيف يكون الإمام ساجدًا والمأموم منتظرًا لارتفاع الإمام؟ هذا لا يكون. قال: فإن لم تفعل بطلت صلاته. لماذا قالوا؟ لأنه يتخلف عن الإمام. قال: فإن لم يسجد الإمام لم يجز للمأموم أن يسجد. لماذا؟ تقدم: إنما جعل الإمام ليعتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا رفع... إلى آخره. قال: فإن سجد بطلت صلاته. ولكن يستحب أن يسجد إذا فرغ من الصلاة، ولا يتأكد. لكن يعني قال: ولا يتأكد، لماذا؟ لطول الفصل، لطول الفصل. إنما يشرع السجود مباشرة، أما إذا انتهى من الصلاة نعم قال: فات موضعه. قال: ولو سجد الإمام ولم يعلم المأموم حتى رفع الإمام رأسه من السجود فهو معذور في تخلفه. يعني إذا كانت صفوف كثيرة، الإمام قرأ آية السجدة وسجد، ولم يشعر بذلك بعض المأمومين، إما لصمم أو لبعد أو لشيء. قال: فهو معذور في تخلفه، كون لم يسجد لا إثم له. لن نتقدم أن الواجب على... إذا سجد الإمام أن يسجد، لكن إذا لم يسجد لعذر فلا إثم له. وهل له أن يسجد بعد ارتفاع الإمام؟ قال: ولا يجوز أن يسجد. ولو علم والإمام... هذه صورة أخرى: ولو علم والإمام بعده في السجود، يعني لا يزال في السجود، وجب السجود. وهذا واضح: الإمام سجد وله الآن يعني شيء من الوقت وهو ساجد، لم يشعر بهذا المأموم، فانتبه أن الإمام الآن ساجد للتلاوة، فيشرع له أن يسجد لأنه لا يزال في موضع السجود. قال: فلو هوى إلى السجود فرفع الإمام وهو في الهوي رفع معه. لو هوى من الذي هوى؟ المأموم. إذا سجد الإمام ولم يشعر به المأموم، أو شعر لكن تباطأ في النزول إلى السجود. قال: فلو هوى أي المأموم إلى السجود فرفع الإمام وهو في الهوي، ماذا يفعل؟ هو لا يزال هاويًا إلى موضع السجود. قال: رفع معه، يعني لا يسجد. ولم يجز السجود. وكذا الضعيف الذي هوى مع الإمام، إذا رفع الإمام قبل بلوغ الضعيف للسجود لسرعة الإمام وبطء المأموم يرجع معه ولا يسجد. قالوا: أما إذا كان المصلي مأمومًا فلا يجوز أن يسجد لقراءة نفسه لأنه مطالب بمتابعة الإمام، إنما جعل الإمام ليعتم به، ولا لقراءة غير إمامه. نعم، كيف يكون مأمومًا ويسمع قارئًا خارج الصلاة أو مصليًا آخر ويسجد بسجوده؟ فإن سجد بطلت صلاته. وهنا تعليق على أن يعني الحكم بالبطلان في هذه المواضع فيه نظر، الحكم بالبطلان فيه نظر. قالوا: أما إذا كان المصلي مأمومًا فلا يجوز أن يسجد لقراءة نفسه ولا إلى آخره. قالوا: يكره هذا. قرأنا: قالوا يكره له قراءة السجدة، ويكره له قراءة السجدة. من هذا الذي يكره له؟ مأموم أو الإمام؟ المأموم. ويكره له قراءة السجدة، ويكره له الإصغاء إلى قراءة غير إمامه. أما كونه يكره له قراءة السجدة، قالوا: لأن السجدة من حق التلاوة، لأن السجدة من حق التلاوة فيشرع له إذا قرأ يعني يشرع للتالي عموما إذا قرأ السجدة أن يسجد عندها، فإذا كان يعلم أنه ممنوع من السجود فلماذا يقرأ آية السجدة وهو عاجز شرعًا عن السجود؟ والعلم أيضًا يستدلون بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله: «فضلت سورة الحج بسجدتين، فمن لم يسجدهما فلا يقرأها»، فمن لم يسجدهما فلا يقرأها. لكنه ضعيف، فلهذا لا دليل على الكراهة. لا دليل على كراهة قراءة المأموم لآية السجدة وإن لم يسجد لأنه ممنوع شرعًا من السجود متابعة للإمام، فالكراهة حكم شرعي، ما هو الدليل على أن المأموم يكره له في صلاة الظهر أو العصر أن يقرأ في سورة النجم أو يقرأ في سورة العلق أو يقرأ في سورة الانشقاق؟ لا دليل على الكراهة. قال: ويكره له الإصغاء إلى قراءة غير إمامه. هذه مسألة أخرى، يعني إذا كان يصلي خلف إمام وهناك من يقرأ فالمطلوب من المأموم أن يقبل على صلاته، أن يقبل على صلاته: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾. طيب، نواصل إن شاء الله في الدرس القادم. إلى هنا والحمد لله.