الدرس في صلح الحديبية مسائل وأحكام 49، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبرز المقطع أن العالم الكبير قد تخفى عليه بعض المسائل كما حدث مع عمر رضي الله عنه في صلح الحديبية وحكم الطاعون، حتى جاء الحديث الصحيح على لسان عبد الرحمن بن عوف فتبين الصواب. وهذا يدل على أن العلم يتوزع بين الصحابة ولا يحيط به واحد منهم وحده.
يضرب المتحدث مثال ابن عباس رضي الله عنه الذي فاق كبار الصحابة في فهم آيات قرآنية محددة رغم صغر سنه، مستدلاً على أن العلم ليس حكراً على الكبار. ويخلص إلى إنكار التقليد المطلق للأئمة والمذاهب، مؤكداً أن الواجب اتباع النبي صلى الله عليه وسلم لا أقوال الرجال.
يحذر المقطع من العودة إلى التقليد الأعمى للمذاهب الفقهية، وينقل عن أئمة المذاهب أنفسهم نهيهم عن تقليد أقوالهم عند مخالفتها للسنة. ويؤكد أن التعصب لمذهب واحد وترك قول النبي صلى الله عليه وسلم يعد افتياتاً على السنة ومخالفة لأمر الله.
يُبين المقطع أن قول غير النبي لا يُقبل كله، بل يُؤخذ منه ما يصح ويُترك ما لا يصح. ويُشير إلى أن هذا الأمر مذكور في هذا السياق ويكتفى به.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فَلازلنا في الفوائد التي نأخذها من حديث صلح الحديبية. ومن هذه الفوائد: في قول عمر رضي الله عنه للنبي عليه الصلاة والسلام: «لِمَ نُعطي الدَّنِيَّةَ في ديننا؟» لما وافق النبي عليه الصلاة والسلام على الصلح على أنه من عاد من الكفار إلى المسلمين فإنه يُرد إليه، فوافق النبي عليه الصلاة والسلام، فقال عمر: «لِمَ نُعطي الدَّنِيَّةَ في ديننا؟» أي: لماذا نتنازل لهؤلاء الكفار؟ واستدل شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في الفوائد التي ذكرها في صلح الحديبية، في هذا المقطع، فائدة عظيمة، وهي: أن العالم الكبير قد تَخفى عليه المسألة، بل قد تَخفى عليه مسائل. فهذا عمر من علماء الصحابة، من علماء الصحابة. حتى لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم رؤيا، لما كان معه فضل لبن فأعطاه لعمر فشرب عمر، فقالوا: يا رسول الله ما أولته؟ قال: «العلم». قال: العلم. معنى أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى فضله لعمر من العلم، فأوَّل - فسرها - نبي الله صلى الله عليه وسلم بأنه العلم. فلهذا مع علم عمر رضي الله عنه إلا أنه خفيت عليه هذه المسألة، خفيت عليه هذه المسألة، كما قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب: أنه قد تَخفى على العالم الكبير المسألة. ولهذا تجد أن الصحابة رضي الله عنهم يختلفون، فمنهم من يكون عنده الصواب ومعه حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومنهم من لا يكون معه الحديث. أقرأ مثالًا ما حصل لعمر رضي الله عنه لما ذهب، لما كان يريد الشام، فلما بلغ إلى سَرْغ أخبر أن الشام - أو أن الطاعون قد فَشَا في الشام - فاستشار عمر رضي الله عنه المهاجرين، ثم الأنصار، ثم كبار مسلمة الفتح. فاستشار عمر رضي الله عنه، فأحد يقول له: لا ترجع بالناس، ومنهم من يقول: لا، لا ترجع، فهذا من قدر الله. ثم أن مسلمة الفتح، من كبار مسلمة الفتح، كسهيل بن عمرو وغيره، أشار إلى عمر أنه يرجع بالناس، فوافق عمر على هذا الرأي، فقال أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين، أتهرب من قدر الله؟ قال: لو كان غيرك قالها يا أبا عبيدة. نفر، نعم، نفر من قدر الله إلى قدر الله. ثم جاء عبد الرحمن بن عوف، وقال: عندي علم عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في هذه المسألة. فجاء لهم بحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه» - أو نحو ذلك من اللفظ: «إذا فشى الطاعون في أرض فإن كنتم فيها فلا تخرجوا منها، وإن كنتم لستم فيها فلا تدخلوا إليها». فقال عمر: الحمد لله. قال عمر: الحمد لله أنه وافق كلامه كلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. انظروا إلى هؤلاء العلماء الكبار، خفيت عليهم هذه المسألة، وكان الحديث عند عبد الرحمن بن عوف، فأخبرهم بحديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فقد يكون رجل من الصحابة عنده علم في مسألة من المسائل ليس عند الصحابة الآخرين. هؤلاء الصحابة الذين لازموا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فضلًا عن غيرهم، فلا شك أن غيرهم أقل منهم علمًا ممن جاء بعدهم. فلهذا قد تَخفى عليه المسائل. ليس هناك أحد حوى جميع العلم، ما حوى العلم جميعه أحد، ولو مارسه ألف سنة، لو كان يمارس العلم ألف سنة ما سيحوي العلم جميعًا. وهذا كله يدلنا على أن العالم تَخفى عليه المسائل، بل قد يكون العالم الصغير، أو الذي عنده علم أقل من العلماء الكبار، تكون عنده المسألة وفيها عنده الدليل، وأولئك لا يكون عندهم الدليل. وهذا كثير. وعلى سبيل المثال: ابن عباس رضي الله عنه لما كان يدخله عمر مجلسه، فقال بعض كبار الصحابة: نحن عندنا أولاد مثله، فلماذا لا تدخلهم؟ عندنا أولاد مثل ابن عباس، أدخلهم معنا، مادم تدخل ابن عباس. فقال: سأسألكم سؤالًا. عمر قال: سأسألكم سؤالًا: ماذا تعرفون في قول الله جل وعلا: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾؟ أتعرفون في هذه الآية لماذا نزلت هذه الآية؟ فقال بعضهم: هذا أمر يأمر الله عز وجل نبيه أن يستغفر الله ويسبحه، وقال كذا. فقال عمر: يا ابن عباس، ما عندك في هذه الآية؟ فقال رضي الله عنه: هذا إعلام الله عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام بأجله، أن أعلم الله عز وجل نبيه أنه قد جاء أجله، أو قد قرب أجله، أي موته عليه الصلاة والسلام. فقال عمر: والله ما أعلم من هذه الآية إلا ما قلت. يا ابن عباس، ما أعلم إلا ما قلت. وأما في قضية التي في قول الله عز وجل: ﴿يَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾، سألهم عمر: ما المراد من هذه الآية؟ ممن عنده علم بهذه الآية؟ فلم يجب أحد، أو بعضهم قال: الله أعلم. فقال ابن عباس: عندي فيها. فقال: قُل يا ابن عباس، ولا تحقرن نفسك. فذكر ابن عباس أن هذا مثال ضربه الله عز وجل لرجل يعمل عملًا صالحًا ثم جاءه الشيطان... إلى آخر الحديث. فالمهم: أن قد يكون العالم الصغير، أو الذي عنده علم أقل، يعرف المسألة أكثر؛ لأن عنده الدليل، قد سمع فيها علمًا. وهذا ليس معناه أن هذا الذي يكون عنده علم أفضل من ذاك، لا. فالعالم الكبير له منزلته العظيمة، لكن قد تَخفى عليه مسائل. وهذا كله يدل على أنه لا أحد يُقلَّد في ديننا، ما في أحد يُقلَّد، لا يقال: أقواله كلها صحيحة، فلا يخرج عن أقواله. وهذا من عجيب ما حصل في هذه الأمة. ولهذا ذكر الإمام ابن القيم أن التقليد طاغوت من الطواغيت التي جاءت في هذه الأمة. تقليد الأمة، لماذا؟ لأن فيه سلبيات كثيرة. كيف لا يخرج عن قول شخص، ولو كان عالمًا، ويخرج عن قول رسول الله؟ معنى: هل هذا يصدق؟ الله عز وجل إنما أمرنا باتباع النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾. فلماذا لا يخرج عن قول فلان من الأمة، ويخرج عن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فهذا باطل. ولهذا التقليد، كما سماه الإمام ابن القيم: طاغوت من الطواغيت، وذكر أكثر من ثلاثين وجهًا في إبطال التقليد، إبطال تقليد المذاهب. وتجد أن هذا التقليد الآن انتشر، انتشر. قد كان قديمًا منتشرًا، ثم لما ظهرت السنة وظهر علماء يحثون على اتباع السنة، اتباع النبي عليه الصلاة والسلام، تجد أنه تلاشى هذا التقليد. لكن الآن رجع مرة أخرى بسبب أناس درسوا عند هؤلاء الذين يقلدون، فأخذوا هذا التقليد. ما يفتي إلا بمذهب فلان، وكأن المذاهب الأخرى باطلة. فكل من كان في مذهب ما يفتي إلا بمذهبه، وهذا باطل. لا بأس أن الإنسان ينتسب إلى مذهب، يقول: أنا مثلًا شافعي، أنا حنبلي، أنا كذا، لكن لا يتعصب للمذهب، لا يتعصب لآراء الرجال ويترك قول النبي عليه الصلاة والسلام. فلهذا يقول الشافعي رحمه الله: لا يُقلَّد. كان يقول: «إذا رأيتم قولي يخالف قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فارموا بقولي عرض الحائط». وقال أيضًا: «إذا قلت قولًا يخالف قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلموا أني قد جُننت، فاعلموا أني قد جُننت، معنى: صرت مجنونًا». وخرج مرة من المسجد فقال له رجل: يا أبا عبد الله، حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وكذا، أتأخذ به؟ فغضب، فقال: «أتراني خرجت من كنيسة؟ أتراني علي الزنارتين حتى لا آخذ بكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم؟». فلهذا كان الأئمة يأمرون بالاتباع. كان الإمام أحمد يقول: «لا تقلدني، ولا تقلد فلانًا، ولا فلانًا، وخذوا» - أي: خذوا - «الدليل». إذا كان الإنسان يعرف الدليل. لكن الآن أناس يعرفون الدليل ويعرفون مذاهب العلماء، ويأخذون ويفتون بمذاهب، أو بمذهب واحد، لا يخرجون عنه في الفتوى كما يقولون. وهذا افتيات على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأيضًا فيها تقليد لغير رسول الله، واتباع لغير رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ولهذا تجد كثيرًا من الأئمة الذين اجتهدوا، حتى وإن عرفوا بمذهب معين، لكن تجد أنهم لا يقلدون صاحب المذهب. فهذا أكثر الناس تعصبًا من المذاهب الحنفية، لكن تجد محمد بن الحسن الشيباني وأبا يوسف القاضي قد خالفوا أبا حنيفة في أكثر المذهب، أو في ثلث المذهب. كذلك الشافعي له تلاميذ، ومنهم أبو إسماعيل المزني صاحب المختصر، وقد خالف أيضًا الشافعي في أكثر من نصف المذهب. أنا أقصد في المسائل الخلافية، لا في المسائل الاتفاقية. وهكذا أيضًا الحنابلة، أيضًا ابن قدامة وهو من أئمة الحنابلة، وكذلك أيضًا من أئمة الشافعية النووي. وهؤلاء أئمة، هم ينتسبون إلى هذه المذاهب، لكن ما يقلدون. إذا رأوا الحديث يوافق مذهب الآخر، أخذوا بالحديث وأخذوا بالمذهب الآخر، ولا يقلدون أحدًا ما دام أنه يخالف قول رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فلهذا فالتمذهب هذا باطل، وليس فيه اتباع لسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بل مخالفة. وكما قلنا: الله عز وجل قال: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾. فليس هناك أحد أولى أن يُتَّبع من الآخر إلا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وكما قال إمام دار الهجرة الإمام مالك بن أنس رحمة الله عليه، قال كلمة عظيمة: «كل يؤخذ من قوله ويرد، كل يؤخذ من قوله ويرد، إلا صاحب هذا القبر»، وأشار إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، «إلا النبي عليه الصلاة والسلام، فيؤخذ قوله كله». أما غير النبي صلى الله عليه وسلم فلا يؤخذ قوله كله، بل يؤخذ من قوله ويترك. فهذا شيء مما يذكر في هذا المقام، ونكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.