التعليقات على كتاب الأدب المفرد 9

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 9، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

بر الوالدين وحدود طاعتهما

شرح أهمية بر الوالدين وطاعتهما مع توضيح حدود هذه الطاعة وعدم وجوبها في حالة المعصية. كما ناقش النهي عن منازعة ولاة الأمر والفرار من الزحف.

وجوب النفقة وبر الوالدين في مختلف الظروف

يجب على الزوج الإنفاق على أهله بالمعروف، وبر الوالدين مقدم على الجهاد المستحب. كما يجب طاعة الوالدين حتى في طلب التضحية بشيء ما.

جزاء بر الوالدين عند الكبر وتفسير آية الإسراء

بر الوالدين عند الكبر سبب لدخول الجنة، بينما إهماله سبب لدخول النار. كما فسرت آية الإسراء في استغفار الوالدين ونسخها بالنسبة للوالدين الكافرين.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله والآل وصحبهم. ولا نزال بحديث أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه. أردنا ذكره لما هو البخاري رحمه الله في كتاب الأدب المفرد، في باب يبر والديه ما لم يكن معصية. قول أبي الدرداء: أوصاني رسول الله صلى الله عليه وسلم بتسع: لا تشرك بالله شيئا وإن قطعت أو حرقت، ولا تتركن الصلاة المكتوبة متعمدا، ومن تركها متعمدا برئت منه الذمة، ولا تشربن الخمر؛ فإنها مفتاح كل شر. قال: وأطع والديك وإن أمراك أن تخرج من دنياك فاخرج لهما. هذا أيضا مما أوصى به النبي عليه الصلاة والسلام لأبي الدرداء رضي الله تعالى عنه، أوصاه بطاعة والديه: «أطع والديك وإن أمراك أن تخرج من دنياك فاخرج لهما». والمراد -والله أعلم- أنك إذا كنت مسافرًا في عمل من الأعمال لطلب المعيشة، وأمراك أن تخرج لهما، فإن من طاعتهما وبرهما أنك تجيب وتخرج لهما. وإن أمراك أن تخرج من دنياك فاخرج لهما، وذلك لعموم الأدلة. أليس تدل على وجوب طاعة الوالدين ما لم يكن في ذلك معصية؟ إنما الطاعة بالمعروف. إذا كان في خروجك محذور وفيه كذلك معصية، فلا طاعة لهما. كأن تكون -مثلا- قد هاجرت من بلد الكفر إلى بلد الإسلام، وهما كافران لم يسلموا، ثم أمراك أن تخرج لهما تترك بلد الإسلام وتذهب إلى بلد الكفر الذي لا تأمن فيه على دينك ولا على أهلك أو عرضك. وهنا لا يجب عليك أن تطيعهما؛ لأن هذه معصية، وإنما الطاعة بالمعروف. لكن إذا لم يكن في ذلك معصية، فإنك تطيعهما. قال: «ولا تنازعن ولاة الأمر وإن رأيت أنك أنت» -يعني أنك أنت المصيب أو أنك أنت الأحق بالولاية والإمارة- «فلا تنازع ولاة الأمر». كما أمر عليه الصلاة والسلام في أحاديث كثيرة، ونهى عن منازعة ولاة الأمور. كما قال عليه الصلاة والسلام في حديث عبادة بن الصامت الصحيحين: «ولا تنازعن الأمر أهله إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم فيه من الله برهان». فنهى النبي عليه الصلاة والسلام أن ينازع الأمر أهله. والمعنى به: لا ينازع ولاة الأمور في إمارتهم إلا إذا رأى كفرا بواحا -كفرا ظاهرا بينا- عندكم فيه من الله برهان -يعني دليل وحجة على أن هذا كفر- فحينئذ يجوز المنازعة مع النظر في المصالح والمفاسد. وكما قال عليه الصلاة والسلام في حديث مسلمة بن عبد الملك: «إن سيكون أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن أنكر فقد برئ، ومن كره فقد سلم، لكن من رضي وتابع». قالوا: يا رسول الله، أفلا ننابذهم بالسيف؟ قال: «لا، ما أقاموا فيكم الصلاة». وهكذا أيضا جاء معنا من حديث عبد الله بن عمر في الصحيحين. فالنبي عليه الصلاة والسلام نهى عن ذلك -عن منازعة ولاة الأمور- لما في ذلك من المفسدة؛ فإن يحصل في ذلك مفاسد عظيمة من سفك دماء المسلمين، وحصول الخوف والرعب، وذهاب الأمن، إلى غير ذلك من المفاسد. فلهذا نهى عليه الصلاة والسلام عن منازعة ولاة الأمر. قال: «ولا تفر من الزحف وإن هلكت وفر أصحابك». وهذا أيضا مر معنا في أثر ابن عمر: أنه من الكبائر. وكما جاء في حديث أبي هريرة عند الإمام البخاري. فالفرار من الزحف -يعني عند ملاقاة الكفار- فلا يجوز للمسلم أن يفر إلا إذا أراد أن يفر إلى طائفة من المقاتلين، أو يفعل ذلك من باب التحرف في القتال، من باب المخادعة، فلا بأس. أما أن يفر فرارا وخوفا، فهذه كبيرة من كبائر الذنوب. قال: «وإن هلكت وفر أصحابك» -يعني وإن فر من معك فلا تفعل مثلهم- فلا تفر وتفكر فيما اقترفوا. قال: «وأنفق من طولك على أهلك، ولا ترفع عصاك عن أهلك، وأخفهم في الله عز وجل». قال: «وأنفق من طولك على أهلك» -يعني أنفق مما أتاك الله سبحانه وتعالى على أهلك-. المراد بالأهل: الزوجة والأولاد ومن يقوم برعايتهم. فالنفقة على الأهل واجبة، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. فيجب على الزوج أن ينفق على أهله، وينفق ذلك على أولاده، لكن ينفق بالمعروف. كما قال جل وعلا: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. فتكون النفقة على قدر العرف. فإن كان غنيا فينفق عليهم بنفقة الأغنياء، وإن كان فقيرا فبنفقة الفقراء، وهكذا. إن كان متوسط الحال فينفق بنفقة من هو مثله. ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. والنفقة على الأهل إذا احتسبها الإنسان فإنه يؤجر، وتكون في محل الصدقة. كما قال عليه الصلاة والسلام: «والنفقة ينفقها الرجل على أهله فهي له صدقة» -أو يحتسبها- «فهي له صدقة». كما في حديث أبي مسعود في الصحيحين. بل جعل النبي عليه الصلاة والسلام النفقة على الأهل من أعظم أبواب النفقة. كما جاء في الصحيحين مثل حديث أبي هريرة، وبمعناه كذلك من حديث ثوبان: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «دينار ينفقه الرجل على أهله، ودنار ينفقه في سبيل الله، ودنار ينفقه على دابته، ودنار ينفقه على أصحابه، أعظمها أجرا الذي ينفقه على أهله» -في رواية: على عياله-. فالنفقة على الأهل أعظم أجرا. قال: «ولا ترفع عصاك عن أهلك، وأخفهم في الله عز وجل» -يعني أن الواجب على المسلم أن يعاشر أهله بالمعروف-. كما قال الله جل وعلا: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. فإن حصل من المرأة نشوز -عصت زوجها ولم تطعه- فإنه يعظها ويذكرها بالله سبحانه وتعالى. فإن أبت وأصرت إلا أن تعصيه، فإنه يهجرها -يعني في المضجع- ما يهجرها من خارج البيت، يبيت معها في البيت لكن لا يضاجعها، جنب فراش آخر. فإن لم تعتبر بذلك، فلا بأس أن يضربها ضربا غير مبرح -يعني ضربا ليس بشديد- كما ذكر الله سبحانه وتعالى ذلك في سورة النساء: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾. يتخذ معها هذه ثلاثة طرق: فإن لم تنتفع بالنصيحة، انتقلت معها إلى الهجر -تهجر المضجع- فإن لم تنتفع، فالضرب، لكن ضربا غير مبرح. والنبي عليه الصلاة والسلام -كما أوصى أصحابه وأمته بذلك- في حديث عمرو بن الأحوص عند الترمذي، حين أوصى بالنساء بمعنى ما في الآية. وأن الشاهد -أيضا- النبي عليه الصلاة والسلام حين وعظ أصحابه، وكان مما وعظهم به: وعظهم عن ضرب الرجل أهله. قال: «ولا يجلد الرجل امرأته جلد العبد، ثم يضاجعها في آخر يومه» -يعني هذا من الفعل المنكر أن تضرب امرأتك ضربا شديدا، ثم بعد ذلك تأتي وتنام معها، فهذا مما لا ينبغي-. قال: «ويخفهم في الله عز وجل» -يعني ذكرهم بالله سبحانه وتعالى إذا عصت وأبت أن تسمع كلام زوجها، فإنه يذكرها بالله ويخوفها بالله سبحانه وتعالى-. وأشد من هذا الحديث هو قول عليه الصلاة والسلام فيما وصاه لأبي الدرداء: «وأطع والديك وإن أمراك أن تخرج من دنياك فاخرج لهما». قال رحمه الله: حدثنا محمد بن كثير، قال: حدثنا سفيان، عن عطاء بن السائب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمر، قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: جئت أبايعك على الهجرة، وتركت أبوي يبكيان. قال: «ارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما». قال: وحدثنا علي بن الجعد، قال: أخبرنا شعبة، عن حبيب بن أبي ثابت، قال: سمعت أبا العباس الأعمى، عن عبد الله بن عمر، قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يريد الجهاد، فقال: «أحي والداك؟» قال: نعم. قال: «فيهما فجاهد». وهذا الحديث مر معنا في أبواب الجهاد، ومر الكلام عليه. وأن المراد بالجهاد هنا هو الجهاد النفل -الجهاد المستحب- ليس فرض الجهاد، ليس فرض عين. فإن جهاد النفل لا يجوز إلا برضى الوالدين، وطاعة الوالدين مقدمة على الجهاد المستحب. أما جهاد العين فإنه لا يستأذن فيه الوالدان. وهذا الحديث يدل على أن بر الوالدين أعظم من الجهاد في سبيل الله -الجهاد المستحب-؛ فسمى النبي عليه الصلاة والسلام برهما وطاعتهما جهادا: «فيهما فجاهد». قال: باب من أدرك والديه فلم يدخل الجنة. قال: حدثنا خالد بن مخلد، قال: حدثنا سليمان بن بلال، قال: حدثنا سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «رغم أنفه، رغم أنفه، رغم أنفه». قالوا: يا رسول الله، من؟ قال: «من أدرك والديه عند الكبر -أو أحدهما- فدخل النار». والحديث صحيح، وهو في صحيح الإمام مسلم. ومعنى قوله: «رغم أنفه» -أي ألصق أنفه في التراب- ألصق أنفه في التراب، وذلك لخذلانه -أنه خذل- وكذلك أصابه الفقر؛ لأنه أدرك والديه عند الكبر -أو أدرك أحدهما- ثم دخل النار. والمعنى: أنه لم يقوم ببرهما والإحسان إليهما. وأن إدراك الأبوين في حال الكبر، والقيام بطاعتهما وبرهما سبب لدخول الجنة -سبب لدخول الجنة-. فلهذا قال: «فدخل النار» -يعني من كان كذلك فهو خسران- وهو كذلك في سريرة وذل؛ بسبب عدم استغلاله لهذه الفرصة العظيمة التي أدرك فيها أبويه في حال الكبر، ولم يقم بالإحسان إليهما. فهذا الحديث يدل على أن الإحسان للوالدين، والقيام ببرهما، والصبر عليهما في حال الكبر سبب لدخول الجنة -سبب لدخول الجنة-. وأن عدم القيام ببرهما في حال الكبر، وعدم الصبر عليهما سبب لدخول النار. والوالدان في حال الكبر ربما كانا أشد حاجة إلى الأبناء -أشد حاجة إلى الأبناء-. وكذلك أيضا يحتاج من الابن أن يكون عنده صبر عظيم -أن يكون عنده صبر عظيم- لوالدين ربما يكون في حال الكبر لا يستطيع أن يتحرك، ربما إذا أراد الحمام يحمل حتما حتى يذهب إلى الحمام، وهكذا. ربما لا يستطيع أن ينجي نفسه إذا بلغ في السن مبلغا. فهذا يحتاج إلى عناية عظيمة، ويحتاج من الابن إلى صبر عظيم. فإذا قام بالإحسان إليهما وبرهما في مثل هذه السن، فإن ذلك سبب لدخول الجنة. قال: باب من بر والديه زاد الله في عمره. قال: حدثنا أصبغ بن الفرج، قال: أخبرني ابن وهب، عن يحيى بن أيوب، عن زبان بن فائد، عن سهل بن معاذ، عن أبيه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من بر والديه طوبى له، زاد الله عز وجل في عمره». والحديث ضعيف؛ فزبان بن فائد ضعيف. الحديث مع كونه ضعيفا إلا أن معناه صحيح -معناه صحيح-. وهو أن من بر والديه وقام بالإحسان إليهما كان ذلك سببا في أن يزيد الله عز وجل في عمره. ويؤيد ويدل على هذا المعنى قول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث عبد الله بن عمر عند البخاري: «من أحب أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره فليصل رحمه». من أحب أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره -يعني يؤخر له في عمره- «فليصل رحمه». ومن أعظم الأرحام التي توصل هما الوالدان. فبر الوالدين والإحسان إليهما والقيام بصلتهما سبب للزيادة في العمر -سبب للزيادة في العمر-. وهو أيضا سبب لدخول الجنة كما مر. قال: باب لا يستغفر لأبيه المشرك -أي المسلم لا يستغفر لأبيه المشرك-. قال: حدثنا إسحاق، قال: أخبرنا علي بن الحسين، قال: حدثني أبي، عن يزيد النحوي، عن عكرمة بن عباس، في قوله عز وجل: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ إلى قوله: ﴿كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾. فنسختها الآية في براءة: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾. والأثر حسنه إمام الألباني رحمه الله. وفيه يذكر ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن قول الله عز وجل في الآية التي في سورة الإسراء: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ -أيه، الدعاء للوالدين بالرحمة والمغفرة- أنها منسوخة بهذه الآية: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾. والنسخ هو رفع حكم أو لبعضه بدليل شرعي متأخر متراجع عنه -يتقدم دليل، ثم يأتي دليل آخر متأخر عنه فيرفع حكمه- يعني يزيله ويبدله، فهذا هو النسخ. والمراد بقول ابن عباس هنا: «فنسختها الآية» -أي خصصتها-. فمراده بالنسخ هنا: التخصيص -ليس النسخ المتعارف عند المتأخرين من الأصوليين- بل مراده هنا: التخصيص، وهو إخراج بعض أفراد العام. فإن الآية: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ باقية على عمومها -باقية على عمومها- في استغفار المسلم لوالديه، وإنما خصت بالنهي عن استغفار المسلم لوالديه الكافرين. ونقف إن شاء الله بدرسنا آخر.