الدرس في صلاح هذه الأمة بصلاح أولها، محاضرة - عبر الهاتف - في مسجد التقوى الجمعة 18 رجب 1430هـ ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يقرر المحاضر أن إصلاح أحوال الأمة في آخر الزمان لا يتم إلا بالعودة إلى ما كان عليه السلف الصالح من اتباع النبي صلى الله عليه وسلم والتمسك بسنته وسنة الخلفاء الراشدين، مستدلاً بآيات قرآنية وأحاديث صحيحة محذراً من الابتداع في الدين.
يشرح المقطع حديث «خير الناس قرني» مبيناً أن المراد بالقرون الثلاثة الصحابة والتابعون وأتباعهم، وينقل أقوال الصحابة والأئمة المحذرة من البدع والرأي مؤكداً إجماعهم على وجوب التمسك بالسنة وأهمية العلم الشرعي للثبات على الحق.
يؤكد المقطع أن السعادة الحقيقية تكمن في العلم الشرعي المأخوذ من الأكابر ودواوين الأئمة المعتمدة، محذراً من الكتب الفكرية المعاصرة ككتب سيد قطب والمودودي، ثم يجيب على أسئلة متنوعة في الأسماء والزينة والولاية والصلاة في الأماكن المشبوهة.
يتناول المقطع عدة فتاوى منها حكم المكان الذي كانت فيه قبور ودرست آثارها، وحكم كسب الأب من القات ووجوب خروج الابن إن كان المال حراماً، وبيان تحريم الربيبة بالدخول، ومنع الهدية بين الخاطبين، وتفصيل حكم المستحاضة التي جاوز نفاسها أربعين يوماً.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الحق المبين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، سيد ولد آدم أجمعين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فموضوع حديثي إليكم أيها الإخوة في جامع التقوى أو في مركز دار الحديث بالشحر، موضوع مهم جدًا، وعليه شواهده من الكتاب والسنة، وعليه أجمع أهل العلم والإمامة في الدين. ألمتم الموضوع: صلاح آخر هذه الأمة بصلاح أولها. وهذا العنوان مستنبط مما أخرجه أبو عمر ابن عبد البر في التمهيد بسنده إلى أصبغ بن الفرج عن الإمام مالك، قال: كان وهب بن كيسان يقعد لنا ولا يقوم حتى يقول لنا: «اعلموا أنه لن يصلح آخر هذا الأمر إلا ما أصلح أوله». قلت: يعني أصبغ، أصبغ بن الفرج. قلت للإمام، قلت لمالك: ماذا يريد؟ قال: يريد بادي الدين أو التقوى. وسوف يكون الحديث معكم ضمن المباحث الآتية: المبحث الأول: في شواهد هذه النصيحة من الكتاب الكريم. المبحث الثاني: في شواهدها من السنة الصحيحة. المبحث الثالث: في شواهدها من كلام الأئمة. المبحث الرابع: خاتمة تتضمن الطريق الذي يحقق لدعاة الحق هذا السبيل، سبيل الإصلاح، حتى يعود أو يعود الناس معه إلى ما كان عليه السلف الصالح في أول الأمر. المبحث الأول: في الشواهد والأدلة على ما قاله وهب بن كيسان رحمه الله. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾. ووجه الاستدلال من هذه الآيات على عظيم كلمة وهب بن كيسان رحمه الله نبينه، نبينه فيما يفهم من كل آية على حدة. فالآية الأولى، وهي آية آل عمران، يدرك الناظر فيها أن الله سبحانه وتعالى جعل برهانًا ودليلًا على صدق من ادعى محبته. فمحبة الله كل يدعيها من المسلمين، بل أظن أن اليهود والنصارى يدعونها، ولا شأن لنا بهم، وإنما شأننا مع أهل الإسلام. فما البرهان الذي يجب على مدعي محبة الله من أهل الإسلام أن يقيمه دليلًا على صدق دعواه؟ إنه اتباع محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾. هذا شرط، فمن ادعى محبة الله فهو بين حالين: إما أن يكون على الشرع المحمدي ظاهرًا وباطنًا، فهذا هو الصادق، وإما أن يكون ليس كذلك وجانب شرع محمد صلى الله عليه وسلم ظاهرًا، فهذا يفوته من محبة الله بقدر ما يفوته من اتباع النبي صلى الله عليه وسلم، وقد تفوته المحبة كلها ويصبح كاذبًا إذا كان يدعي محبة الله وهو مبتدع بدعة مكفرة كوحدة الوجود والحلول والتجهم والرفض وغير ذلك. الآية الثانية، وهي آية الحشر، فقد تضمنت حث العباد على شيئين: الأول: الأمر بفعل ما يأمرهم به محمد صلى الله عليه وسلم، وإن كان فيه من المشقة على النفوس ما فيه. والثاني: نهيهم عما نهاهم عنه محمد صلى الله عليه وسلم، وإن كانت النفوس تعوى. ويوضح هذا الحديث الصحيح: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه». الآية الثالثة، آية الأحزاب، هذه الآية ضمن ما قصه الله علينا من خبر يوم الأحزاب، يوم الخندق، فيها أولاً: الثناء على النبي صلى الله عليه وسلم وما أبلى به من البلاء الحسن، وجاهد به من عظيم الجهاد حتى نفس الله عن أهل الإيمان الكربة وحقق لهم النصر. والثاني: حظ الصحابة رضي الله عنهم والأمة تبع لهم على التأسي بهذا النبي صلى الله عليه وسلم. والسؤال: هل في من بعده صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة؟ والجواب: الأسوة الحسنة هي مقصورة على النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه الذي بعثه الله مبلغًا إلى عباده شرعة وما أراده منهم. ثم من كان على السنة بعد النبي صلى الله عليه وسلم فهو يقتدى به، لا بذاته، وإنما بإصابته السنة. فحاصل الآيات أن الله سبحانه وتعالى قد سد كل طريق يزعم الناس أنها توصل إليه، سوى طريق واحدة هي طريق محمد صلى الله عليه وسلم. فلا حجة يجب التسليم لها إلا فيما جاء عن هذا النبي صلى الله عليه وسلم. وأنما يؤصله البشر أو من أصول ويقعدونه من قواعد، فليست من الحجة التي يجب التسليم لها، بل يجب النظر فيها: فما وافق شرع محمد صلى الله عليه وسلم قبل، وما خالف شرع محمد صلى الله عليه وسلم رد على قائله، كائنًا من كان. المبحث الثاني: في الأدلة على عظم شأن هذه النصيحة من سنة النبي صلى الله عليه وسلم. معاشر السامعين من المسلمين والمسلمات، هذه الأدلة والشواهد على هذه النصيحة. أقول: السنة في هذه المسألة متواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم تواترًا معنويًا يوجب العلم والعمل. أقول ذلك وإن كنا لا نشترط التواتر في العمل بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، بل ما صح نقله بالإسناد المتصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العدول الثقات واجب التسليم له وقبوله، وإن كان من الآحاد. ولكن قلت ذلك حتى يتأكد في ذهن السامع من المسلمين والمسلمات عظم هذه النصيحة. وما دامت الأحاديث في هذا الباب متواترة، فلا بد من الاختيار، وقد اخترنا ثلاثة أحاديث. الحديث الأول: ما أخرجه أحمد ومسلم من حديث عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن لم يكن نبي قبلي إلا كان حقًا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وأن ينذرهم شر ما يعلمه لهم، وإن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها، وسيصيب آخرها بلاء وأمور تنكرون». فما الشاهد منه؟ الشاهد منه قوله صلى الله عليه وسلم: «وإن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها» إلى آخر ما ذكرنا من هذا الحديث. وهذا يتضمن أولاً: حث رسول الله صلى الله عليه وسلم على التمسك بهديه، وأنه لا نجاة ولا فلاح ولا نجاح في أي هدي سواه. ثانيًا: تحذير الأمة مما يحدث من الفتن والإحداث في دين الله. ويوضح هذا الحديث الثاني، وهو حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه، قال: وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة بليغة، وجلت منها القلوب، وذرفت لها العيون، فقلنا: يا رسول الله، كأنها موعظة مودع، فأوصنا. وفي لفظ: فماذا تعهد إلينا؟ قال: «أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد حبشي، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ». الحديث الثالث: قوله صلى الله عليه وسلم: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم». فالقرن هو الجيل المتوافق على أمر معين أو أمور، واختلف أهل العلم في حده، فمنهم من قال: مئة سنة، ومنهم من قال: دون ذلك، ومنهم من قال: أكثر. والصواب أنه الجيل المتوافق على أوصاف أو وصف معين، يتلقاها أصاغرهم عن أكابرهم. وهذا الحديث شاهد من أمر النبي صلى الله عليه وسلم كل مسلم ومسلمة بأن يسير على ما سار عليه السلف الصالح. فقوله: «قرني» هم أصحابه، ثم الذين يلونهم: أئمة التابعين من بعدهم، ثم الذين يلونهم من بعد أولئك الأئمة، أئمة التابعين. فهذه القرون الثلاثة هي القرون المفضلة التي شهد لها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخيرية. ولهذا فإنه لا ينصرف إطلاق السلف الصالح دون قرينة إلا إليهم، لما اختصوا به. فالصحابة أخذوا الشرع غضًا طريًا عن محمد صلى الله عليه وسلم، وبلغوه إلى الناس البلاغ التام المبين. ولهذا فإن ما أجمع عليه الصحابة رضي الله عنهم حجة لا يسوغ لأحد مخالفتها. فمن خالف إجماع الصحابة فهو إما جاهل بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم، جاهل بدين الله، أو صاحب هوى ضال مضل. ثم أئمة التابعين، مثل سعيد بن جبير، وسعيد بن المسيب، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وعروة بن الزبير، وأبي العالية الرياحي، وأمثالهم، أخذوا الشرع المحمدي عن الصحابة رضي الله عنهم. ثم من بعدهم كل أخذ من أئمة التابعين. والمقصود أنه لا يسوغ للمسلم أن يذهب ذات اليمين وذات الشمال، وإنما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلماء العلم والإيمان بعده، وهم السلف الصالح الذين أساسهم الصحابة رضي الله عنهم، ثم أئمة التابعين، ثم من بعدهم من أهل الإمامة في الدين والعلم. يزيده وضوحًا حديث افتراق الأمم، وهو صحيح، عده أئمة أهل السنة من أصول هذا الدين. ومن ألفاظه: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة». قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: «الجماعة». وهذه هي الرواية الصحيحة. وفسرها ابن مسعود رضي الله عنه: «الجماعة ما وافق الحق، وإن كنت وحدك فأنت حينئذ الجماعة». وثمة رواية ضعيفة، ولكن معناها صحيح، ولهذا قبلها من قبلها من أهل العلم والمحققين، بل ومن الأئمة، مثل الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله، والشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله، وغيرهم. قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: «من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي». هذا ما تيسر من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم دليلًا على عظيم ما اشتملت عليه هذه النصيحة، نصيحة ابن كيسان رحمه الله. فماذا من وصايا الأئمة؟ وهو المبحث الثالث في هذه الكلمة. أقول: الناظر فيما دونه الأئمة عن الصحابة ومن بعدهم من أهل العلم والإيمان يجد أن ما اشتملت عليه هذه النصيحة متفق عليه بين الأئمة، وإن اختلفت عباراتهم فالمعنى متفق عليه بينهم. ونبدأ بالصحابة رضي الله عنهم، فمن وصاياهم قول أمير المؤمنين، ثاني الخلفاء الراشدين رضي الله عنه وعنهم أجمعين، أعني الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «إياكم وأهل الرأي، أعداء السنن، أعيتهم أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحفظوها، فقالوا بالرأي، فضلوا وأضلوا». وقال ابن عباس رضي الله عنهما: «والله ما أظن أن أحدًا أحب إلى الشيطان هلاكًا مني اليوم». قيل: وكيف ذلك؟ قال: «تحدث البدعة في المشرق أو المغرب فيحملها الرجل إلي، فإذا انتهت إلي قمعتها بالسنة، فترد عليه». وقال التابعي الجليل عامر بن شراحيل الشعبي رحمه الله: «إياكم والقياس، فوالذي نفسي بيده، إن أخذتم بالقياس لتحلن الحرام ولتحرمن الحلال. فما بلغكم عمن حفظ من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فخذوه، أو قال: فخذوا به». والمقصود بالقياس أو المقايسة: الرأي المستند إلى العقل المحض، وليس إلى النصوص. وقال المهلّب بن مفضل رحمه الله: «لو كان صاحب البدعة يحدثك في بدو مجلسه ببدعته لحذرته ونفرت منه، ولكن يحدثك في أول أمره بالسنة، ثم يدخل عليك من بدعته، فلعلها تلزم قلبك، فمتى تفارق قلبك؟». وكان الشافعي رحمه الله يقول: «أجمع المسلمون على أنه من استبان له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فليس له أن يدعها لقول أحد من البشر». وكان أحمد بن حنبل رحم الله الجميع يقول: «عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته يذهبون إلى رأي سفيان». وسفيان هذا هو سفيان بن سعيد، سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، رحم الله الجميع، وكان عالمًا وإمامًا من الأئمة، ومع هذا شنع الإمام أحمد رحمه الله على من يدعو إلى السنة ويذهب إلى رأيه. وكان مسعر بن كدام رحمه الله يقول: «لا تجالس مفتونًا، فلن يخطئك منه إحدى اثنتين: إما أن تثقبه فتتبعه، أو يؤذيك قبل أن تفارقه». والمقصود أن يعلم كل مسلم ومسلمة، لا سيما المنتسبون منهم إلى الدعوة والعلم، أن الأئمة مجمعون على وجوب التمسك بالسنة والتحذير من البدع، لما تجره البدع على الدين وأهله من الفساد والدمار والخراب. فالدين محفوظ، أقول: الدين محفوظ وأهله لن يذهبوا بالكلية، لكن يصيبهم من رزية البدعة ما يصيبهم، فيفسد عليهم دينهم. أما أن يذهب أهل التدين الخالص الصحيح بالكلية، فلا. قال صلى الله عليه وسلم: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم، حتى يأتي أمر الله تبارك وتعالى». رواية هذا الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم من طريق صاحبه ثوبان وغيره من الصحابة رضي الله عنهم، فهو إما متواتر أو مستفيض، وهذا بحثه في مصطلح الحديث. هذه ثلاثة مباحث أدرك السامعون من المسلمين والمسلمات منها أن ما قاله وهب بن كيسان رحمه الله نصيحة غالية سمينة جليلة، بل هي أصل في التواصي بالحق، بل هي أصل من أصول التواصي بالحق والدعوة إليه. المبحث الرابع: بقي وقت، شيخ عبد الله، بينكم وبين المغرب، لعلنا نكمل إن شاء الله. لعلنا نكمل الآن، ننظر إن شاء الله. أقول: وها هنا خاتمة هذه المباحث، معاشر السامعين من المسلمين والمسلمات، هي خلاصة اقتبسناها عن أهل العلم والإيمان، من رزقهم الله سبحانه وتعالى فقهًا في التدين، ورسوخًا في العلم، وثبات قدم في السنة. فأقول، وبالله التوفيق: ما الذي يحقق لدعاة الحق والبصيرة ما تضمنته هذه النصيحة، وما أقيم على حسنها وجمالها وجلالة قدرها من الكتاب والسنة ووصايا الأئمة؟ أقول: أولاً: العلم. فكلما ازداد المرء علمًا رسخت قدمه في السنة، وقويت خشيته لله سبحانه وتعالى، وعرف الحق، وتمكن من العمل به على الوجه الصحيح. وإلى هذا الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين». أقول: وهذا الحديث يفيد فائدتين: إحداهما بمنطوقه، والأخرى بمفهومه. فالمنطوق يفيد أن السعادة الخيرية التامة التي تتضمن سعادة المرء في دنياه وأخراه ليس لها إلا سبيل واحد، وهو العلم. والعلم إذا أطلق عند أهل الإسلام فإنه العلم الشرعي، الذي هو فقه الكتاب الكريم، وفقه سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى وفق سيرة السلف الصالح. وأما مفهومه فيفيد أن من لا يرد الله به خيرًا لا يفقه في هذا الدين، فهو يتخبط ويأمل على الجهل والضلال. ثانيًا: هذا العلم يتلقى من مصدرين: أحدهما: الارتباط بالأكابر من الأئمة والراسخين في العلم في كل زمان ومكان. قال أمير المؤمنين، رابع الخلفاء الراشدين، علي بن أبي طالب رضي الله عنهم وعنهم أجمعين: «الناس ثلاثة: عالم، ومتعلم، وهمج الرعاء، يتبعون كل ناعق». وقال ابن مسعود رضي الله عنه: «لا يزال الناس صالحين متماسكين ما أتاهم العلم عن أصحاب محمد وأكابرهم، فإذا أتاهم العلم عن أصاغرهم هلكوا». ولا يزال الناس على هذا، ولا ينكره أحد إلا من في قلبه دغل. فكلما ارتبط الناس بأكابر علمائهم، المشهود لهم بجلالة القدر والسابقة في الفضل والرسوخ في العلم، كلما كانوا في أمل على دينهم وعلى السنة. وكل من حاف ذات اليمين وذات الشمال، ورفعوا أقوامًا توافه سفهاء، تخطفتهم شياطين الجن والإنس، فأصبحت الأمة مرتعًا للضلالة. وإلى هذا الإشارة بالحديث الصحيح: «إن الله لا يقبض العلم ينتزعه انتزاعًا من صدور الناس، ولكن يقبضه بموت أهله، حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء أو رؤوسًا جهالًا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا». المصدر الثاني: دواوين الإسلام، دواوين الأئمة التي نقل مصنفوها الإسلام مسندًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو إلى الصحابة أو التابعين، أصولًا وفروعًا. ومنها: التوحيد لابن خزيمة، والتوحيد والإيمان لابن مندة، ومكتبة شيخ الإسلام ابن تيمية، ومكتبة تلميذه ابن القيم، وغيرهم من الأئمة. تلك الدواوين التي من تتلمد عليها، ورجع فيما يشكل إلى أهل العلم، كان على حق وعلى سنة. الوصية الثالثة: الحذر من الكتب الفكرية. الحذر من الكتب الفكرية، وهي التي مبناها على الفكر، وشقشقة العبارات، وزخرف القول. وما فيها من حق وإصابة للسنة فهو نزر يسير جدًا، مغمور بأضعاف مضاعفة من الباطل. وذا رأس ما يجب الحذر منه من تلك الكتب: الكتب الفكرية، كتب سيد قطب، وأشهرها: التفسير، ومعالم في الطريق، والتصوير الفني. وكتب المودودي، وكتب حسن البنا، ومن سار على نهجه من نظر الإخوان المسلمين، كالقرضاوي وغيرهم. فإن نهاية التلمذة عليها والأخذ منها: البدعة والضلال، بل وصدور الكفر. هذا ما يسر الله سبحانه وتعالى من الحديث في هذه المسألة. حياكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. نبدأ يا شيخ بالأسئلة. نعم، على بركة الله. شيخنا، حفيظكم الله، هذا سائل يقول: هل من نصيحة حفيظكم الله لطلاب العلم والإخوة المتواجدين في وقت الدورة؟ يعني يريد كأنه شيخ الدورة التي الإخوة هم فيها الآن في مركزنا هنا في دار الحديث بالشحر. بسم الله، والحمد لله، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه. هذا السؤال مكرر، فالكلمة نفسها هي نصيحة لطلاب العلم ولغيرهم، وقد أشرنا فيها إلى أهمية العلم، وأخذها على الأكابر، والرجوع إلى دواوين الإسلام، والحذر من الكتب الفكرية. نعم، وهذا سؤال آخر شبيه به، يطلب صاحبه نصيحة لعموم طلبة العلم المسلمين في استغلال الإجازة الصيفية خاصة. الجواب هو نفس الجواب، يعني نحن ننصح كل من استطاع سبيلًا يسلكه في تحصيل العلم أن يغتنم هذا السبيل، وأن يغتنم هذه الفرصة، وأن يستثمر الوقت فيما يعود عليه من علم نافع يتفقه به في دين الله، لا سيما القادمون من الأقطار، قادمون من أمريكا وأوروبا وغيرها من البلدان التي يقل حصول العلم الشرعي فيها. ننصح من يستثمر وجودهم في المراكز التي تهتم بنشر العلم الشرعي. نعم، وهذا سؤال يقول صاحبه: شيخنا، حفيظكم الله، إننا نحبكم في الله، وسؤال: ما هي الأسماء التي نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التسمي بها؟ وهل اسم نافع مما يدخل في معنى النهي؟ أولا: أحبك الذي أحببتني من أجله. المنهي عنه من الأسماء: مثل ملك الملوك، وقاضي القضاة، إذا كان يراد به أنه قاضي القضاة في الدنيا كلها، أما إذا كان يراد به قاضي القضاة في بلد معين فهو مثل رئيس المحاكم. ونافع التابعي الجليل مولى ابن عمر، وغيرهم من التابعين ومن بعدهم، ولا أعرف نكيرًا، اللهم إلا إن كان من قبل الكراهة، فهذا أمر آخر. نعم، وهذه سائلة، حفيظكم الله، تقول: ما حكم لبس الخلخال عند النساء والرجال المحارم؟ أفتون مأجورين. الخلخال زينة تلفت النظر، وعند النساء أرجو أنه لا بأس به. لكن الرجال، لو لبست الخلخال، يجب أولاً أن تغطيه، وثانيًا أن لا تجعله صوتًا يدوي حتى عند المحارم. نعم، وهذه سائلة أخرى تقول: حفيظكم الله شيخنا، ما نصيحتكم للأخوات التي يرفضن الدخول عليهن عند الخطبة، أي الرؤية المشروعة؟ هذا شرع ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن يجب فيه أولاً: أن يتأكد من صلاح الرجل، وأنه من المرضيين دينًا وخلقًا. وثانيًا: أن يكون دخوله عليها ورؤيته إياها عن طريق وليها، وليس في خلوة. فكما أنه يحل له النظر إلى الوجه والكفين والقدمين، كذلك حتى هي يباح لها النظر. فقد يعزم وترفض هي، لا حق في هذا، لا حق فيه. لكن من بعض الأعراف، بعض الأعراف يكتفون برؤية النساء، يعني يبعثوا قريبة له ثقة كأمه أو أخته، ويكتفون بها. لكن نحن نوصي بأن تستعمل السنة. نعم، وهذا سؤال عن بعض الأخوات من بلاد الغرب، تقول: هل يجوز أن يزوجها أبوها الكافر فيكون وليًا لها في نكاحها؟ لا ولاية لكافر على مسلم ولا مسلمة. ولاية الكافر باطلة، انقطعت الصلة بينهما، اللهم من قبل المعروف تألفًا له وتحببًا إليه لعله يسلم. فتجعل في أمر، في أمر تجعل وليًا في أمر النكاح من المسلمين الموثوقين، تجعله يلي أمر نكاحها إذا تقدم لها مرضيّ الدين والخلق. وهذا سائل، حفظكم الله، يقول: عندنا مكان كان فيه تابوت يعبده الناس، وقد زال هذا التابوت منذ سنين والحمد لله، وصار هذا المكان الآن لم يعرف بعبادته، فما حكم الصلاة في هذا المكان؟ جزاكم الله خيرًا. كأن هذا معبد للنصارى، يعني لا يريد، كأنه يا شيخ موضع قبر من القبور كان يعبد، يذبح له ويطاف به. لا، إذن لا يصلى فيه. قل: لا يصلى فيه. لحديث الصحيح، حين سأل النبي صلى الله عليه وسلم رجل نذر أن ينحر إبلًا ببوانة، فقال: «هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟» قال: لا. قال: «هل كان فيها عيد من أعيادهم؟» قال: لا. قال: «فأوف بنذرك». فالمكان الذي كان يعبد فيه غير الله لا تجزئ عبادة الله فيه. نعم، بارك الله فيكم وأثابكم، يقول السائل: ما حكم القبور التي ذهبت آثارها ولم يبق لها أثر أو معلم على وجه الأرض، ولكن يذكر أنه كان هاهنا قبر؟ فما حكم ذاك المكان، حفيظكم الله؟ السؤال مجمل، يعني هل يريد حكم التعبد لله فيه، يعني هل له حكم المقبرة أم لا؟ وما دام أنه كان مقبرة، وثبت عندكم بنقل العدول الثقات أنه في هذا المكان مقبرة، فيبقى مقبرة، يبقى مقبرة، إلا إن كانت من قبور المشركين، فيجوز نبشها، لما صح أنه نبش قبور مشركين وبنى المسجد في ذلك المكان، حفيظكم الله. تبع لهذا السؤال: فإذا كان قد بني بعض البيوت على هذه الأرض، فهل يجب نبش ما تحتها حتى يتبين أن ليس فيها قبور؟ إذا أريد الاستبراء من ذلك فلا بأس إن شاء الله تعالى. فإذا تبين أنها كانت مقبرة من قبور المسلمين، فتزال هذه البيوت احترامًا للمسلمين. وإذا كانت من قبور المشركين، فلا حرمة، ذهب، جزاكم الله خيرًا. هذا سائل يقول: إن أبي يزرع القات، شجرة القات، يريد يقول يبيعه ويصرف على الأسرة من هذا المال، وقد نصحته عدة مرات فلم يترك زرعه ولا بيعه، فما هو واجبي؟ أثابكم الله. هل أخرج أنا وزوجتي من عند أبي أم ماذا أفعل؟ فأريد منكم نصيحة لعلي أسمعه كلامكم، بارك الله فيكم وفي علمكم. نعم، أولاً: يا بني، بلغ أباك مني السلام، وسؤال الله له أن يمن عليه بالهداية، ويجعلنا ويجعلنا وإياك وإياه والسامعين من المسلمين من خواص أهل السنة في الدنيا والآخرة. وثانيًا: هذا من الكسب الحرام، فأنصحه أن يتركه، وقد كان في المعنى أحاديث، بعضها يشد بعضًا: «من ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه». وأبلغ من هذا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾. فإن قبل أبوك النصيحة فهو المطلوب، وإلا فاخرج أنت من البيت إذا كان ماده خاصًا خالصًا من هذا الكسب. أما إذا كانت عنده دخول أخرى ومكاسب أخرى، ماله خليطًا، فلا مانع أن تبقى معه. أما إن كان كل ما يحصله ويكسبه من القات، فهذا من الكسب الحرام، لا يحل لك أن تأكل منه، فابتغِ غيره. بقي السكن في البيت، هذا أمر آخر، يمكن أن تأكل وتشرب من كسبك وتسكن في البيت إذا لم تتعرض زوجتك لمضايقة من غير محارمها. نعم، وهذه سائلة، حفيظكم الله، تسأل عن حكم بنت الزوجة من غير الزوج، يعني الزوج الثاني، هل هو محرم لهذا الزوج؟ هذه الربيبة، فالربيبة تحرم بالدخول على أمها، لا بالعقد، وسواء كانت صغيرة في الحضانة أو امرأة بالغة أو ذات أولاد. فإذا تزوج الرجل امرأة ولها بنت من الزوج السابق، فهي محرم له إذا دخل على أمها. أما قبل الدخول على أمها، فلا. فلو توفيت أمها أو طلقها قبل الدخول، لم تكن محرمًا له هذه البنت. فإذا دخل على أمها الدخول المعروف، فإنها تكون محرمة له. نعم، وهذا سائل يسأل، يقول: هل يجوز للخاطب أن يهدي لخطيبته هدية؟ وهل لولي المخطوبة أن يوصل هذه الهدية، أم فيه مفسدة من تعلق قلب البنت بالخاطب قبل النكاح؟ حفظكم الله. هي أجنبية منه، وهذه الهدايا قد تجر إلى الخضوع بالقول، وتبادل الأحاديث، قد تجر إلى مواعيد، فأرى لا يفعل هذا. فإذا عقد عليها العقد الشرعي صارت زوجته، يهدي إليها وتهدي إليه، على حسب العرف. وهنا أوصي المسلمين والمسلمات أن يتمسكوا بعرفهم الذي لا يخالف الشرع، فإن العرف فيه مصلحة، وفيه حفظ لماء الوجه، وفيه صيانة للمرأة. فبعض القبائل عندنا وعندكم، الرجل إذا عقد على المرأة لا يستطيع أن يجلس معها أبدًا حتى تزف إليه، وهذا عرف جيد يحفظ ماء الوجه ويصون المرأة، فيجب التمسك بهذا العرف. ولا يجوز للمرأة أن تتمرد. كذلك عندنا وعندكم أيضًا، ساد أن المرأة لا يواجهها الرجل بالخطبة، قد يرسل إليها امرأة أخرى. ولكن الخطبة التي هي الخطبة عن طريق وليها، فبعض النساء ربما إذا كلمتها واحدة تستجر وتقول: كلمي أنت، لعلك تسمع من كلام ما يعجبك، هذا خطأ. أو تقول: لا بأس، خليك تجين عندي، ويراك وترين، وهذا خطأ، هذا فيه مخالفة لما هو معروف عند العقلاء وعند المحافظين، وإن كانوا عوامًا لكن فطرهم طيبة. فالعرف الذي لا يخالف الشرع يجب التمسك به. نعم، جزاكم الله خيرًا. وهذا سائل يقول: إني أحبك في الله، سؤالي: امرأة النفساء مر عليها الأربعون ولم تطهر، فهل تصلي أم ماذا تصنع؟ أحبك الذي أحببتني من أجله. ينظر: هل هذا الدم الذي جاوز الأربعين وافق العادة الشهرية؟ فإن كان يوافقها فهو من الحيض، وإن كان لا يوافقها فهو دم فساد، تغتسل وتصلي. هذا الذي يتبين لي في هذه المسألة، والعلم عند الله. نعم، طيب يا شيخ، إلى هنا انتهت الأسئلة، حفظكم الله وحياكم الله، ونسأل الله يعيدنا إليكم ويعيدكم إلينا، ويجمعنا وإياكم في دار كرامته، كما جمعنا وإياكم على طاعته. نستودعكم الله جميعًا، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. نستودعكم الله، ودعوة عليكم، السلام ورحمة الله وبركاته. جزاكم الله خير، شيخنا، السلام عليكم. اشتركوا في القناة.