التعليقات على كتاب الأدب المفرد 163

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 163، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

فضل الحلم والأناة والحياء في الإسلام

يُثني الحديث النبوي على أشج عبد القيس لتمتعه بخلقين يحبهما الله، وهما الحلم والأناة أو الحياء، مما يدل على أهمية هذه الأخلاق في الإسلام. يُظهر ذلك أن الحلم والأناة والحياء من الأخلاق المحمودة.

أهمية التأني في طلب العلم والدعوة

يشدد الحسن البصري على أهمية التحلي بالحلم والتأني في طلب العلم، حيث يعتبرهما من الأخلاق العظيمة. كما أن الدعوة تحتاج إلى تأني وحلم ومراعاة للمصالح والمفاسد، مما يدل على أهمية هذه الأخلاق في مختلف مجالات الحياة.

مجاهدة النفس لاكتساب الأخلاق الحسنة

يتحدث المقطع عن أهمية مجاهدة النفس لاكتساب الأخلاق الحسنة مثل الحلم وضبط النفس عند الغضب. يحث على محاولة التحلي بالأخلاق الطيبة من خلال مجاهدة النفس والتثبت والتأني في التعامل مع الأمور.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. ما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد: قال باب التؤدة في الأمور. قال حدثنا أبو معمر، قال حدثنا عبد الوارث، قال حدثنا يونس، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أشج عبد القيس، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن فيك لخلقين يحبهما الله»، قلت: وما هما يا رسول الله؟ قال: «الحلم والحياء». قلت: قديما كان أو حديثا؟ يعني هذا التخلق بهذا الخلق، أقديما أو حديثا؟ قال: «قديما». قلت: الحمد لله الذي جبلني على خلقين أحبهما الله. والحديث صحيح، وأصله في الصحيح، في صحيح الإمام مسلم، كما سيأتي. قال حدثنا علي، عن أبي هاشم، قال حدثنا إسماعيل، قال حدثنا سعيد، عن أبي عروبة، عن قتادة، قال: حدثنا من لقي الوفد الذين قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم من عبد القيس، وذكر قتادة أبو نظرة، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لأشج عبد القيس: «إن فيك لخصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة». قال حدثنا عبد الله، عن عبد الوهاب، قال أخبرنا بشر، عن المفضل، قال حدثنا قرة، عن أبي جمرة، عن ابن عباس، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم للأشج أشج عبد القيس: «إن فيك لخصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة». والحديث في مسلم. وفي هذا الحديث لما وفدت الوفود على النبي عليه الصلاة والسلام، وكان ذلك في السنة التاسعة، وسمي ذلك العام بعام الوفود، وفد عليه قوم من بني عبد القيس، وكان منهم رجل، وقال له: أشج عبد القيس، قال له النبي عليه الصلاة والسلام: «إن فيك لخصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة». في الرواية الأولى: «الحلم والحياء». وجاء في بعض الروايات ذكر السبب الذي لأجله قال له النبي عليه الصلاة والسلام ذلك، أنه لما وفدوا عليه حين قدموا إلى النبي عليه الصلاة والسلام، شارعوا جميعا للقاء النبي عليه الصلاة والسلام، فلم يتهيأوا للقاءه، ولم يغيروا ثيابهم، وتأخر الأشج، فأناخ راحلته، ولبس أحسن ثيابه، ثم قدم إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فأجلسه النبي صلى الله عليه وسلم بجانبه، ثم بايعهم النبي عليه الصلاة والسلام عن أنفسهم وقومهم، فقالوا: نعم، يعني بايعناك عن أنفسنا وقومنا. فقال الأشج: يا رسول الله، إنك لم تزاول الرجل في شيء أشد عليه من دينه، نبايعك على أنفسنا ونرسل من يدعوهم -يعني قومنا- ونرسل من يدعوهم، فمن اتبعنا كان منا، ومن أبى قاتلناه. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «صدقت». ثم قال الحديث، يعني رأى منه النبي عليه الصلاة والسلام هذين الخلقين: الحلم والأناة. والحلم هو كما قال بعض أهل العلم: كف النفس عن هيجان الغضب لإرادة الانتقام، كف النفس عن هيجان الغضب لإرادة الانتقام، فهذا معنى الحلم، أن يكف المرء نفسه عن غضبه، فلا يجعل غضبه يتأثر به، بمعنى أنه يكون من آثار غضبه الانتقام وإرادة التشفي، فليس هذا من خلق الحليم، يعني أن يتشفى نفسه وينتقم، بل يكف نفسه ويحلم على من أخطأ في حقه، وهذا خلق من الأخلاق العظيمة التي وفق لها المسلم، فقد وفق لخير عظيم. قال الحسن البصري رحمه الله: ما أنعم الله على عبده بشيء أجل من الحلم، ما أنعم الله على عبده بشيء أجل من الحلم. ولهذا وصف الله عز وجل نبيه إبراهيم وابنه بهذا الوصف: ﴿إن إبراهيم لحليم أواه منيب﴾، وقال: ﴿وبشرناه بغلام حليم﴾. فهذا الخلق من الأخلاق العظيمة التي ينبغي أن يتحلى بها المسلم، ويتحلى بها طالب العلم على وجه الخصوص، أن يكون حليما، ما يكون عنده حب الانتقام والتشفي، وكذلك أيضا العجلة في الأمور، ومقابلة الخطأ بمثله، بل ينبغي أن يكون حليما. وهذا الخلق سبب عظيم لنيل العلم، فلا تجد حامل علم موفق وهو غير حليم أبدا، إذا كان غير حليم فإنه لا يوفق للعلم، وإن كان عنده شيء من العلم فإنه يذهب أو لا تكون له ثمرة. ولهذا قال بعض السلف: ما حمل العلم بمثل جراب حلم، ما حمل العلم بمثل جراب حلم. وهكذا قال الشعبي رحمه الله: زين العلم حلم أهله، زين العلم حلم أهله، يعني حلم حملته العلم، لابد أن يكون عندهم خلق الحلم. أما أن يكون كحال بعض من يحمل العلم، من ربما تكلم عليه بكلمة أجاب عليه بعشر كلمات، ومن سبه سبه بعشر سبات، وهو يريد أن يكون حاملا للعلم، ما يوفق مثل هذا للعلم. ومن أخطأ عليه رد خطأه بمثله وزيادة، فهذا لا يوفق، بل ينبغي أن تكون حليما، وأن تكون عندك التأني في الأمور. وهذا هو الخلق الثاني الذي مدح به النبي عليه الصلاة والسلام الأشج: الحلم والأناة، يعني التأني في الأمور، وعدم التعجل، وعدم التسرع. فهكذا ينبغي كذلك أن يكون المسلم وطالب العلم، أن يكون عنده التأني والتؤدة، وعدم العجلة، وعدم التسرع، سواء كان في الحكم على الأشخاص، لا يتسرع ولا يتعجل فيرمي من كان بريئا بما ليس فيه. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين﴾، أمر الله عز وجل بالتبين والتثبت لأجل التأني وعدم التعجل. وهكذا أيضا في سائر الأفعال والأمور ينبغي أن تكون متأنيا. إذا سمعت قولا من الأقوال فلا تتعجل في نقله وإشاعته، أو من جاءك وأخبرك بشيء فلا تتعجل بتصديقه حتى تتثبت، أن الشيطان ربما يلقي بينك وبين أخيك العداوة، فيأتي الشخص ويقول لك: فلان يقول كذا وكذا، فيكون ذلك سببا في حصول الشحناء والبغضاء، وربما وجدت آثار ذلك في الأفعال من تدابر وتهاجر، أو كذلك من كلام وطعن وسب، بسبب العجلة وعدم التأني. وصح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «العجلة من الشيطان، والتأني من الرحمن»، فينبغي أن تحرص على الأناة في الأمور. والذي يحرم خلق الأناة فإنه كذلك أيضا يحرم خيرا كثيرا، يحرم خيرا كثيرا. فأنت تحتاج إلى التأني في طلبك للعلم، بأن لا تتعجل، وكذلك من عدم التأني أنك تتخبط في طلب العلم، ربما تدخل درسا وتأخذ فيه أيام، فيفتح درس آخر تنتقل إلى الدرس الآخر، وهكذا تنتقل من درس إلى درس وتخرج في الأخير بلا فائدة، عجلة تريد أن تلم العلوم في أسرع وقت، أو هكذا تحضر عدة دروس من غير إتقان لها، فتحرم كذلك العلم. وهكذا في باب الدعوة، فالدعوة تحتاج إلى تأني وحلم، تنظر إلى الأهم مما ينبغي أن تدعو الناس إليه، وتراعي بذلك المصالح والمفاسد، ربما يكون معك شيء من الحق، لكن ليس من الحلم والتأني أنك تتكلم به في هذا الوقت، فتؤخره، ليس مداهنة ولا تمييعا، ولكن من باب النظر في المصالح والمفاسد حتى يأتي الوقت المناسب، فتبين هذا الحق الذي معك. ولا تقول كما يقول البعض: لا ننظر إلى الحلم ولا إلى التأني ولا إلى شيء من ذلك، ما عندنا إلا الصدع بالحق، «اصدع بما تؤمر وأعرض عن الجاهلين»، رضي من رضي وسخط من سخط، هذا حرمان عظيم، حرمان لطريقة الدعوة الصحيحة التي جاء بها الشرع، رغم أنك تتكلم بأمر ما تدري إلا وقد قام الناس عليه، وصارت فتنة بسبب عدم التأني. وكذلك أيضا الحلم، والحياء، والحياء خلق يكون في الإنسان يبعثه ويحمله على فعل كل جميل واجتناب كل قبيح. وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام من خلقه الحياء، كما قال أبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه في وصف النبي عليه الصلاة والسلام: «كان أشد حياء من العذراء في خدرها، وكان إذا رأى شيئا يكرهه عرفناه في وجهه»، يعني ما يمنع الحياء أن ينكر المنكر، عليه الصلاة والسلام، بل كان خلقه الحياء، ومع ذلك كان يغضب إذا انتهكت محارم الله سبحانه وتعالى. والحياء كذلك من الأخلاق الحميدة التي ينبغي أن يتخلق بها المسلم، أن يستحي من فعل الأشياء التي تكره، أو التي تعد من خوارم المروءة، إما لا ينبغي أن يفعلها الإنسان أمام الناس، مما يعد ذلك في العرف من خوارم المروءة، فيتركه ويجتنبه. وهكذا أيضا أن يكون عنده حياء من فعل المعاصي، وهذا من باب أولى أن يترك المعاصي والذنوب. وإذا لم يستحي الإنسان فإنه لا يبالي بما فعل، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي مسعود، في الصحيحين: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحي فاصنع ما شئت»، إذا لم يكن عندك حياء فاصنع ما شئت، وفعل ما شئت. لكن المسلم يكون حيا، لا يفعل إلا ما يرضي الله سبحانه وتعالى، ويترك من الأفعال والأقوال ما هو خبيث ومنكر. وقوله: أي قول الأشج: قديما كان أو حديثا، يعني هل هذا الخلق اكتسبته أو جبلت عليه؟ فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «بل قديما»، يعني أن هذا الخلق جبلت عليه. فقال: الحمد لله الذي جبلني على خلقين أحبهما الله. وهذا من فضل الله سبحانه وتعالى وإنعامه عليه. وبهذا يدل العلم على أن من الأخلاق ما هي جبلية، يعني يجب أن يكون عليها الإنسان، تكون طبيعة فيه من خلق الحياء والحلم والأناة وغيرها. ومع ذلك فمنها ما هي مكتسبة، يكتسبها الإنسان ويعود نفسه عليها. إن كان من خلقه التعجل فيحاول أن يتأنى، يصبر نفسه ويجاهد نفسه على هذا الخلق بالتأني وعدم التعجل وعدم التسرع. سمع كلاما، سمع شيئا، يذهب إلى من نقل عنه هذا الكلام وهذا الشيء: هل صدر منك هذا؟ يسأله ويتثبت، ما يكون عنده عجلة، قال: فلان كذا، خلاص يذهب ويطير بهذا الكلام، أو يتحمل هذا الكلام في صدره ويحمل غيظا وحقدا على من سمع عليه، هو لم يتثبت ويتبين من الأمر، هذا من الغضب ومن التعجل، يحاول أن يجاهد نفسه. وهكذا أيضا في الحلم، إن كان ممن يغضب ويحمله الغضب على الانتقام، نفسه فيجاهد نفسه أن يصبر ويتحمل حتى يكتسب خلق الحلم. وهكذا سائر الأخلاق يحاول أن يجاهد نفسه في اكتسابها حتى يتحلى بالأخلاق الطيبة.